; الشريط الوراثي (DNA) ينقص أسس الفلسفة المادية | مجلة المجتمع

العنوان الشريط الوراثي (DNA) ينقص أسس الفلسفة المادية

الكاتب أورخان محمد علي

تاريخ النشر السبت 12-أبريل-2008

مشاهدات 55

نشر في العدد 1797

نشر في الصفحة 16

السبت 12-أبريل-2008

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).

  • في بداية القرن العشرين ومع تقدم علم الفيزياء الحديثة وظهور النظرية النسبية والنظرية الكمية بدأت أسس الفلسفة المادية تترنح

  • كل جزئية D.N.A)) تحوي بنكًا ضخمًا من المعلومات لو أردنا كتابتها لاحتجنا إلى 900 ألف صفحة تقريبًا

  • الفلسفة المادية ترى أن المادة هي الوجود الوحيد في هذا الكون وأنها أساس كل شيء موجود وليس وراءها شيء آخر.. ولا تعترف بالروح!

يقول المفكر والكاتب المصري أحمد أمين (1886-1954م) في كتابه «مبادئ الفلسفة»: «في إحدى حجر (غرف) الفاتيكان صورة شهيرة في حائط، صورها «روفائيل» تسمى مدرسة «أثينا».. مركز هذه الصورة «أرسطو» و«أفلاطون» يحيط بهما أتباعهما وتلاميذهما وفيها يشير أفلاطون بإصبعه إلى السماء، وأرسطو يصغي إلى قوله في فتور، مشيرًا إلى الأرض.. هذه الصورة تمثل تاريخ المذاهب في أثينا (اليونانية)، بل وتمثل تاريخ الفكر الإنساني والنظريات الفلسفية في كل العصور، تمثل المادية والروحانية اللتين ثارت الحرب بينهما منذ ذلك العهد إلى الآن؛ فالروحانية تشير إلى السماء والمادية إلى الأرض».

هنا لا يملك الإنسان نفسه إلا أن يقول: كم كان جميلاً لو كان إلى جانبهما شخص يشير بإصبع إلى السماء وبإصبع إلى الأرض، إذن لكان أقرب منهما إلى الحقيقة.

فالفلسفة المادية هي الفلسفة التي ترى أن المادة هي الوجود الوحيد في هذا الكون وليس وراءها شيء آخر، وأنها أساس كل شيء موجود. ولا تعترف بالروح.. والمادة موجودة منذ الأزل وستبقى إلى الأبد؛ لأنها لا تفنى ولا تستحدث ولكنها تتغير من شكل إلى آخر، وللمادة صفات معينة كالكتلة واللون والحجم، وحتى الظواهر التي تبدو وكأنها غير مادية – كالفكر والإرادة والعواطف- ترجع في الحقيقة إلى المادة؛ لأنها نتاج عضو مادي هو المخ؛ لذا نرى أن أحد الفلاسفة الماديين المعروفين وهو «كارل فخت» يقول: «إن المخ يفرز الفكر بالطريقة نفسها التي يفرز بها الكبد الصفراء والكلية البول».. وليس ثمة تصريح سطحي كهذا، فلو كان الفكر نتاج عضو مادي لكان المصارع الذي يملك جسدًا أقوى من العديد من الفلاسفة مفكرًا من الطراز الأول، ولما وصل الأديب الروسي المعروف «دوستويفسكي» إلى قمة الأدب مع أنه كان مصابًا بعاهة دماغية؛ إذ كان مصابًا بالصرع، ومع ذلك قدم أروع الآثار الأدبية.

«المادية» تترنح

تاريخ الفلسفة المادية تاريخ قديم بدأ في اليونان، ومن أشهر الفلاسفة الماديين نرى

 «ديمقريطس» ومن بعده « أبيقور»، ولكنها ضعفت فيما بعد أمام الفلسفة الروحانية حتى بعثت من جديد وبقوة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بعد تصاعد المعارضة في أوساط المفكرين والمثقفين ضد تصرفات الكنيسة وتعاليمها ومواقفها المعادية للعلم وللعلماء، كما اكتسبت زخمًا جديدًا من التقدم العلمي في هذين القرنين.. فهذا العلم الذي اغتر باكتشافاته واختراعاته وحسب أنه عرف كل شيء وأحاط بكل شيء، وأنه لم يبق هناك أي غموض في هذا الكون الواسع، إلى درجة أن الأكاديمية الفرنسية اقترحت في أواخر القرن الثامن عشر إغلاق قسم فحص المخترعات الجديدة، على أساس أن العلم قد اكتشف كل شيء، وأن المخترعات قد كملت فليس هناك مزيد من المخترعات!

ولكن أسس الفلسفة المادية بدأت تترنح في بداية القرن العشرين مع تقدم علم الفيزياء الحديثة وظهور النظرية النسبية والنظرية الكمية، فظهر مدى ضعف ركائزها؛ لأن الفيزياء الحديثة غيرت النظرة السابقة إلى الكون وإلى القوانين الجارية فيه.

أصل المادة: كان من السهل في السابق القول بأنه لا وجود لأي غموض في المادة فنحن نلمسها ونشمها ونقيس كتلتها... إلخ. كما أن القوانين الجارية فيها قوانين صارمة وثابتة، ومرتبطة بقاعدة (السبب – النتيجة).. ولكن هذه المعتقدات وغيرها من المعتقدات الكلاسيكية تغيرت بعد ظهور «النظرية النسبية» الخاصة والعامة، و«النظرية الكمية».. فقد ظهر أن من الصعب الوصول إلى كنه المادة التي بدت كأنها بئر لا قاع له..

وبعد اكتشاف أجزاء الذرة مثل الإلكترونات، والبروتونات، والنيوترونات ظهر أن هذه الأجزاء نفسها تتكون من أجزاء أصغر أطلق عليها اسم «الكواركات»، واكتشف حتى الآن ستة أنواع من هذه الكواركات، كما ظهر سيل من أجزاء دون الذرة كالنيوترينوات، والكرافتون، والمزون، والكلاون... إلخ، حتى أن العلماء دهشوا من هذا العدد الكبير وغير المتوقع لهذه الأجزاء دون الذرية؛ لأننا لم نكن نعرف حتى عام 1935م إلا ستة أنواع منها، فإذا بها تطفر عام 1955م إلى 18 نوعًا، أما الآن فقد زاد هذا العدد حتى تجاوز المائتين. كما ظهر «ضد المادة» أو «نقيض المادة».. وانتهى الأمر بالمادة إلى أنها في الحقيقة «طاقة مكثفة» والطاقة ليست مادة بل هي «القابلية على إنجاز شغل»، وهذا ما تشير إليه المعادلة الشهيرة لـ«ألبرت أينشتاين» حول العلاقة بين المادة والطاقة، وهي معادلة: (E = M× C2) حيث بمثل (E) مقدار الطاقة، ويمثل (M) كتلتها، ويمثل (C) سرعة الضوء، أي أن: مقدار الطاقة يساوي مقدار كتلتها، في مربع سرعة الضوء.

إذن أصل المادة غير مادي، وليست هي بالبساطة المتخيلة سابقًا، والخواص والقوانين الجارية في مستوى الذرة. وكذلك في مستوى الثقوب السوداء. ليست هي القوانين الجارية في مستوى الحياة الاعتيادية. و«الفوتونات» و«الإلكترونات» وغيرهما من الأجزاء دون الذرية تبدي طبيعتين متناقضتين في الوقت نفسه، فهي تبدو مرة وكانها قذيفة مادية لا تحتاج في سيرها وتنقلها إلى وسط مادي، وتبدو مرة أخرى وكأنها موجة من الموجات تحتاج إلى وسط يحملها، أي ظهر أنها تحمل صفتين متناقضتين في الوقت نفسه، وهو أمر غير مفهوم تمامًا ويحير العلماء.. أي أن عالم الذرة عالم آخر، والقوانين الجارية في هذا العالم تختلف عن القوانين الفيزيائية التي نعرفها في عالمنا، وهذا الأمر وارد في الثقوب السوداء أيضًا، حسبما يقول العلماء، ولا نستطيع هنا التفصيل، ولكن كل من يتصفح كتابًا عن الفيزياء الحديثة يستطيع معرفة هذا الأمر.

إذن فمسألة المادة وكنهها ليست بالبساطة التي تخيلها الماديون وبنوا على فكرتهم الساذجة هذه الفلسفة المادية؛ لذا كان محكومًا عليها بالفشل والانهيار.

نقض الفلسفة المادية

توصل العلم في ستينيات القرن العشرين إلى اكتشاف جديد نقض الفلسفة المادية، وبعد من أعظم اكتشافات القرن الماضي، وهو «الشريط الوراثي» (DNA) في الخلية الحية، والذي يحمل خواص الكائن الحي.. وقد حصل مكتشفه «فرنسيس كريك» على جائزة نوبل في البيولوجيا (الأحياء)، والذي أظهر أن كل جزيئة في (DNA) تحوي بنكًا ضخمًا من المعلومات، وأننا لو قمنا بكتابة المعلومات المخزونة فيها لاحتجنا إلى 900 ألف صفحة تقريبًا. أي أن كل جزيئة من هذه الجزيئات تحوي معلومات تزيد على تلك الواردة في الموسوعة البريطانية (المؤلفة من 34 مجلدًا) بأكثر من أربعين ضعفًا!!

وحسب هذه المعلومات تجري جميع الفعاليات الحيوية المعقدة في الجسم من بناء المختلف خلايا الجسم، وتجديد مختلف الخلايا التي تموت ويجب تعويضها بخلايا أخرى من نوعها وليس من نوع آخر؛ فخلايا العين يجب أن تعوض بخلايا العين وخلايا الجلد بخلايا الجلد. وكذلك القيام بصنع الآلاف من الجزيئات البروتينية وبمختلف أنواعها، وكذلك تجري عمليات إفراز مختلف الغدد في الجسم.

ولكن.. هل تستطيع المادة الصماء الحصول على أي معلومات بشكل آلي؟ وهل يمكنها الحصول على هذه المعلومات أو خلقها ثم خزنها في هذه الجزيئات؟ وما هي- وأين- الآليات التي تملكها المادة للقيام بهذا العمل المبهر؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه العلماء حاليًا.

فهل يستطيع أي عالم من أنصار الفلسفة المادية الإجابة على هذا السؤال؟ وهل يمكن اختزال هذه الظاهرة والادعاء بأن المادة تفرز المعلومات بشكل آلي؟

لقد دلت جميع الأبحاث العلمية وجميع التجارب التي أجريت في هذا الخصوص بأن المادة عاجزة تمامًا عن القيام بمثل هذا الأمر.. إذن فالفلسفة المادية عاجزة تمامًا عن تفسير مثل هذه الظاهرة المهمة. أي ظاهرة وجود هذه المعلومات المخزونة في الخلايا، إذن كيف تستطيع هذه الفلسفة القيام بتفسير الحياة كلها وهي عاجزة عن تفسير جزء صغير منها؟

نظرية المعرفة

يقول العالم الألماني «وورنر كيت» مدير المعهد الفيدرالي للفيزياء والتكنولوجيا: «إن أي منظومة لتسجيل المعلومات ناتجة على الدوام من جهد ذهني، ويجب الانتباه إلى أن المادة لا تستطيع القيام بتسجيل أي معلومة ولا تطوير أي منظومة في هذا الصدد.. وقد أثبتت جميع التجارب أنه لكي تظهر معلومة للوجود فلا بد من وجود عقل يقوم بهذا بإرادته الحرة وبخاصية الإبداع فيه، وليس هناك أي قانون في الطبيعة ولا أي مرحلة فيزيائية أو أي ظاهرة مادية تستطيع تأمين وإخراج أي معلومة إلى الوجود».

ولا يحسبن أحد أن هذه المعلومات موجودة في جزيئات (DNA) العائدة للإنسان فقط، بل هي موجودة في الأحياء الأخرى من نبات وحيوان، فهل يدعي أحد أن عقل الحيوان يستطيع إفراز معلومات في غاية التعقيد يعجز حتى عقل الإنسان ليس عن مثلها، بل عن جزء من ألف جزء منها؟ ولولا هذه المعلومات في بذور النباتات –كتخطيط مذهل وبشكل شفرات- لما استطاعت هذه النباتات القيام بفعاليات وتفاعلات في تصنيع الغذاء واختيار الكميات المناسبة لها وبمقادير دقيقة جدًّا من الأملاح والماء من التربة لصنع الغذاء ولعمليات التمثيل الضوئي، وهي عمليات معقدة لم يستطع العلماء حتى تقليدها، ولو استطاعوا ذلك لصنعوا لنا التفاح والفواكه الأخرى والقمح والخضراوات... إلخ في المعامل.

وهذا العالم الألماني يعبر في الحقيقة عن النتائج التي توصلت إليها «نظرية المعرفة» التي تعد جزءًا من قانون «الديناميكية الحرارية» وهو القانون الذي جرت حوله دراسات مكثفة في السنين الثلاثين الأخيرة. فهذه النظرية تسعى إلى معرفة جذور المعلومات في الكون ومصادرها وكيفية ظهورها، والنتيجة الأخيرة التي وصلت إليها هذه النظرية هي: «إن المعرفة وكذلك كل معلومة شيء آخر، وهي مستقلة ولا يمكن إرجاعها إلى المادة بأي حال من الأحوال؛ لذا يجب البحث عن مصدر كل من المادة والمعرفة بشكل تستقل فيه الواحدة عن الأخرى»..

مثلاً لنأخذ جريدة أو مجلة أو كتابًا فسنرى أن الكتاب يتألف من ورق وحبر ومن المعلومات الموجودة فيه.. هنا يجب التمييز بين الورق والحبر وبين المعلومات التي يضمها الكتاب فالحبر والورق عناصر مادية ومصادرها مادية أيضًا، فالورق من السليلوز والحبر من مواد كيمياوية، أما المعلومات المندرجة في الكتاب فهي ليست مادية ومصدرها هو ذهن الكاتب، وهو يسطر أفكاره إما على الطابعة أو يسجلها في الحاسبة الإلكترونية ثم يرسلها إلى المطبعة، ونستطيع أن نقول بأنه حتى الورق والحبر والمطبعة هي نتيجة لذهن إنساني، فالعقل الإنساني هو الذي خطط الصناعة الورق والحبر والمطبعة وجعلها صالحة للقيام بهذه المهمة..

فإذا طبقنا النتيجة التي توصلنا إليها على الطبيعة لاتضح لنا أن المعلومات الهائلة المخزونة في جزيئات (DNA) أو في بذور النباتات لا يمكن أن ترجع إلى أي مصدر مادي، بل هي خارج المادة، ومن وراء هذه الطبيعة المادية التي نعرفها ونعرف عجزها عن توليد أي معرفة أو أي معلومات، أي أن المصدر الوحيد هو الخالق سبحانه وتعالى.

ذات لانهائية

وقد أصبحت هذه الحقيقة من البداهة والوضوح بحيث اضطر العديد من علماء الأحياء من أنصار «نظرية التطور» لـ«تشارلز داروين» الاعتراف بها رغمًا عنهم، فمثلًا نرى العالم التطوري «جورج وليامز»، وهو من أشهر المدافعين عن نظرية التطور، يقول في مقالة له كتبها عام 1995م: «لم يستطع علماء الأحياء من أنصار التطور إدراك أنهم يعملون في ساحتين مختلفتين، وهما ساحة المادة وساحة المعرفة، ولا يمكن أن تتوحد هاتان الساحتان في ساحة واحدة عن طريق «الإرجاع» أو «الاختزال» والجينات هي «رزم» صغيرة للمعلومات أكثر من كونها مواد صماء، وعندما نتحدث عن مفاهيم في علم الأحياء، مثل الجينات وحوض الجينات. فنحن نتكلم عن المعلومات المخزونة فيها وليس عن مادتها، وهذا يبين لنا أن هناك ساحتين مختلفتين؛ هما ساحة العلم أو المعلومات المخزونة، وساحة المادة.. لذا يجب البحث بشكل مستقل عن مصادر هاتين الساحتين المختلفتين».

إذن.. فإن مصدر العلم لا يمكن أن يكون المادة نفسها كما تزعم الفلسفة المادية بل هو من عقل لانهائي خارج المادة أعلى منها ومهيمن عليها، وموجود قبلها.. هو من قبل الله رب العالمين وخالق كل شيء ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (الأنبياء: 18).

الرابط المختصر :