; الشعارات الإسلامية بين سوء الفهم وإساءة الظن | مجلة المجتمع

العنوان الشعارات الإسلامية بين سوء الفهم وإساءة الظن

الكاتب أشرف سلامة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مايو-1990

مشاهدات 74

نشر في العدد 968

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 29-مايو-1990

  • ما يقوله إسلامي في بلاد عربية يكون له صدى في التو والحين في كافة الأقطار العربية.
  • العودة إلى الإسلام هي عودة إلى الذات وبحث عن الأصالة لأن التغرب طريق مسدود.
  • هناك من يجعل شعار الجهاد وصمة تطرف وعنف

نشرت جريدة الوطن الكويتية في إطار ملف لها عن مستقبل التيارات الدينية في الوطن العربي خمس حلقات جديدة في بداية شهر مايو الحالي، استعرضت فيها آراء بعض المفكرين حول قضايا مهمة أثارها تنامي التيارات الدينية في كثير من البلدان العربية، وحول شعارات إسلامية ترفعها هذه التيارات مازالت تثير كثيرًا من الجدل، وتسيل كثيرا من الحبر، وتشير عناوين تلك الحلقات إلى أهمية تلك القضايا المطروحة والشعارات المرفوعة؛ إذ من بينها مثلًا: الصراع العربي الإسرائيلي بين العقيدة والسياسة، ومفهوم الجهاد في الإسلام ومن يدعو له، والحركات الدينية.. المستقبل والمصير.

ومن يقرأ تلك الحلقات وما شابهها في الموضوع من المقالات واللقاءات الصحفية يلحظ أن هنالك غموضًا يلف العديد من الشعارات المرفوعة من قبل الإسلاميين في أذهان الكثيرين، وأن هذا الغموض يسهم بدور كبير في إشاعته جهات إعلامية وأقلام مناهضة للإسلاميين؛ سواء عن سوء فهم، أو انطلاقًا من سوء الظن- وهو الأخطر- تعمدًا للإساءة.

يقول المناهضون للحركات الإسلامية: إن التيارات الدينية ليست تيارات فكرية دينية فحسب؛ بل هي تيارات سياسية في المقام الأول، وأن بعضها تحول بالفعل إلى أحزاب سياسية بمجرد أن أتيحت له الفرصة، وأن البعض يسعى لذلك، وأن كل حزب سياسي بطبيعته يسعى إلى السلطة والحكم، وإذا كانت السيارات الدينية تسعى إلى السلطة؛ فلابد أن تقدم للجماهير مشروعها وبديلها الواضح والمحدد الذي يفهمه الناس ويستوعبونه، وعلى أساسه يصوتون لفائدته أو ضده؛ لكنهم- أي الإسلاميين- يرفعون « شعارات سلفية معروفة» لها صدى في وجدان الناس، ويمكنها أن تعبئهم عاطفيًّا، فتجعلهم في صفها دون أن تكشف عن مضمون تلك الشعارات، ودون أن تحدد كيفية تطبيقها عمليًّا؛ مما يترك المجال للغموض وللتأويلات المختلفة، وكأن هذه التيارات لا تريد أن تفصح عن غاياتها، ولا تريد أن يعرف الجمهور بالتحديد وبالضبط منهجها وأركانه، ويذهب البعض إلى القول بأن هذه التيارات لا تملك هي ذاتها رؤية واضحة للمنهج الذي تريد تطبيقه، وأن الخلافات التي لا تظهر على السطح بين فصائلها أو فيما بينها أحيانًا تؤكد أن الشعارات التي ترفعها إنما هي شعارات تعبوية أكثر مما هي عناوين لمشروع متكامل.

لا عجز ولا إفلاس

مثل هذا الكلام يتردد على ألسنة الكثيرين للإيهام بأن التيارات الإسلامية تجيد لعبة الرفض والسخط وإظهار النقمة ولكنها عاجزة عن الطرح الفكري العملي ومفلسة في مجال البناء، وإذا وافقنا على أن من أبرز ظواهر التيارات الإسلامية إظهار السخط والنقمة، وأن هذا الأمر جد طبيعي، ولا يحتاج إلى مهارة سياسية؛ لأنه يتجاوب مع رغبة الجماهير في التغيير وسخطها على واقعها المزري؛ فإننا نجانب الحقيقة والواقع، أو نتجنى على الحركات الإسلامية إذا وصفناها بالمفلسة في مجال الطرح الفكري والصوغ الجاد لمشروع مستقبلي؛ وذلك اعتبارًا لما يلي:

1- إن هذه التيارات تمتلك قواعد وأطر مرجعية، تتمثل أولًا في الكتاب والسنة، وثانيًا في ذخيرة من الفكر الإسلامي القديم والحديث.

2- إن هذه التيارات تتوافر لها تجارب تاريخية كثيرة، تمتد على مدى التاريخ الإسلامي كله، وفيها بطبيعة الحال الغث والسمين، ويمكن غربلتها وتصفيتها والاستلهام منها.

3- ينخرط في التيارات الإسلامية رجال ذوو عقول نيرة وفكر ثاقب وثقافة منوعة وثرية، وقد بدأ يظهر في السنوات الأخيرة بعدما توفر لهم هامش من حرية التعبير والإفصاح.. إنهم قادرون على صياغة مشروع إسلامي عصري بناءً على فهم واضح لما هو ثابت في الشرع الإسلامي وما هو متحول متغير حسب الظروف ووفقًا لتطورات الحياة.

إن الذين يطالبون الحركات الإسلامية بتقديم البديل وإظهار برنامجها وتفاصيله، كأنهم لا يرضون بالأسس والمنطلقات الإسلامية أصلًا، ويريدون من الإسلاميين أن يبنوا منهجًا على أسس جديدة مبتكرة، وأن يضعوا صيغة من منطلقات لها مجرد الروح الدينية لا المرجع الديني، ثم لنسأل هؤلاء متى أعطيت التيارات الدينية الشرعية، وسمح لها بالعمل العلني والتحرك الحر؛ حتى تطالب بصياغة التفاصيل والدقائق لمشروعها؟

لقد شغلت التيارات الدينية طيلة العقود القليلة الماضية بمواجهة ما سلط عليها من قمع، وركزت جهدها للثبات أمام شتى المضايقات، وفي مثل هكذا ظروف لابد أن نفهم أن طاقات هذه التيارات لابد أن ينصب على الدفاع ومحاولة الحصول على ما تحصل عليه التيارات الأخرى من حرية العمل الشرعي العلني، وبعد أن تتوفر لها هذه الحرية؛ فإنها لابد أن تواجه أنصارها قبل المعارضين لها بطروحاتها ومشاريعها، وعندئذ يحكم لها أو عليها، ويكون الحكم جمهور الناخبين ولا أحد غيره.

إصرار على سلوك طريق مسدود

إن الذين يسألون أين المشروع الإسلامي ويتعامون عن خطوطه العريضة وخطوطه الفرعية الأخرى التي أخذت في رسمها بعض التيارات الإسلامية، رغم ما تمر به من ظروف صعبة أولى بهم أن يتساءلوا: لماذا تبقى المشاريع التي أفلست وثبت فشلها بعد أن جربت على مدى زمني لا يستهان به؟ ولماذا يصر أصحاب هذه المشاريع الفاشلة على مواصلة تطبيقها ومغالطة الجماهير بجدواها رغم كل الخيبات المتتالية والقاسية؟

يؤخذ الجانب السلبي ويترك الإيجابي

لنأخذ بعض الشعارات الإسلامية التي تناولها الحديث في حلقات «جريدة الوطن» التي سبق ذكرها، وسترى أن المناهضين للتيارات الإسلامية إنما يصورون في حديثهم عنها إما عن سوء فهم أو إساءة ظن، فمن شعار الجهاد الذي يرد في هتافات من نوع «لا سيادة إلا بالجهاد»، أو «الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا» والذي يبدو أبعد شعار عن اللبس والإيهام، ولا يمكن أن تثار حوله الشبهات، نجد من يجعل هذا الشعار وصمة تطرف وعنوان عنف، مؤكدًا أن الذين يرفعونه يريدون أن يعيدوا عصر الفتوحات الذي مضى دون رجعة، أو أنهم يريدون الصدام الدموي مع الحاكم، مستشهدين ببعض الحوادث المعزولة، والتي قامت بها عناصر متطرفة بالفعل، تتبع حركات كحركة الجهاد التي يعد أنصارها ببضع عشرات أو مئات من الأفراد، والتي لا تحمل وزرها التيارات الإسلامية ذات الجمهور العريض.

يقول الدكتور سليم العوا في معرض حديثه عن مفهوم الجهاد: «وإذا كنت تقصد الجهاد بالمعنى التطرفي العدواني الذي فيه غلو وفيه خروج عن مبادئ الإسلام السمحة، فهذا اتجاه سياسي يتخذ من الدين شعارًا يدثر به تصرفاته الاجتماعية والسياسية في مصر وفي غير مصر...».

هذا التشويش على مفهوم الجهاد يلتقي في النهاية مع مقولات الأعداء المحتلين لفلسطين الذين يصفون جهاد الفلسطينيين بالإرهاب والتطرف، ولعل من أهم أسباب رفع التيارات الإسلامية لهذا الشعار عجز العرب عن حل قضية فلسطين والطروحات الاستسلامية المطروحة على الساحة العربية وسياسة التنازلات التي لم تأت حتى الآن بأية نتيجة!

إن هذا الشعار هو يافطة الحركات الإسلامية الفلسطينية، وهو دعوة واقعة إلى مقاومة العدو من أجل تحرير الأراضي والكرامة والمقدسات، فليس الجهاد عقيدة عدوانية، ولا فتحًا وغزوًا احتلاليًّا؛ بل هو الدفاع الشرعي للمظلومين عن أنفسهم، ومن أجل رفع الظلم المسلط عليهم.

وهذا الجهاد هو كل عمل وجهد من أجل عزة الأمة وقوتها، وهو كل جهد للسمو بالنفس والرقي بها بما يخدم الفرد والمجتمع والأمة جمعاء، فلم نخشى من هذا الشعار وهو محفز للهمم، باعث على بذل الجهد والطاقة، دافع على الخلق والابتكار؛ بل والتضحية بلا حدود في سبيل الله ومن أجل عزة الأمة؟!

الحريات هي المحور

ونأتي إلى أهم شعار وأخطره وهو القائل: «الإسلام هو الحل«، و«لابد من تطبيق الشريعة»، ولا جدال في أن هذا الشعار عام جدًّا، وهو يستدعي التوضيح والتحديد للمفاهيم التي يتضمنها، وعبارة «الإسلام هو الحل» توحي بأن هنالك أزمة أو ورطة تحاول مجتمعاتنا الخروج منها، وهذه الأزمة في واقع الحال أزمات.. أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية، تختزلها الحركات الدينية في أزمة هوية، والعودة إلى الإسلام، ليس كما يشيع المناهضون لهذه الحركة بأنها عودة لأساليب في الحكم والسياسة والاقتصاد عتيقة وبالية، تجاوزتها الأحداث وتجاوزها الزمن؛ بل هي عودة إلى الذات وبحث عن الأصالة، بعد أن أثبت التغرب أنه سبيل مسدود أمام هذه الأمة، وهي التي كانت تعتقد أنه السبيل الموصل إلى ركب الحضارة.

ففي المجال السياسي مثلًا وفي إطار هذا الشعار الكبير ينادي الإسلاميون بتطبيق الشورى، وهنا ينبري الكثيرون ليسألوا هل معنى تطبيق الشورى الأخذ بالديمقراطية الحديثة، وإذا كان الأمر كذلك هل تؤمن التيارات الإسلامية بحرية وجود تيارات معارضة لها أو حتى مناقضة لها؛ أي بعبارة أوضح: هل تعارض هذه الحركات أن توجد ضمن تعددية حزبية وسياسية؟ وللعلم نقول: إن بعض الحركات أعربت عن رأيها بوضوح في هذه القضية، إذ اعتبرت الحرية هي قضية الإسلام الجوهرية، وبالتالي فإذا كانت هي تناضل من أجل هذه الحرية، وتطالب برفع الوصايات؛ فإنها تقول: إنها لن تكون وصية على بقية التيارات والأحزاب في المجتمع؛ أي إنها تقبل بالتعددية، ولا أدل على ذلك من أنها شاركت في بعض العمليات الانتخابية في هذا البلد أو ذاك، أو تحالفت أحيانًا مع أحزاب يمينية أو يسارية لا تقف وإياها على قاعدة واحدة، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هذه الحركات تؤمن بالديمقراطية متى كانت نزيهة، ومتى كانت الحريات موفورة للجميع؛ لكن للأسف هنالك من يدعي أن هذا القبول إنما هو قبول ظرفي تكتيكي، وإذا ما قدر لهذه الحركات أن تصل إلى الحكم في بلد من البلدان؛ فإنها ستصادر الديمقراطية وتقضي على الحريات الشخصية، وهذا الادعاء لم يأتِ من فراغ باعتبار أن التيارات الإسلامية في كل البلدان ليست متجانسة، علاوة على أن كبيرها يوضع جنبًا إلى جنب مع هامشيها أو متطرفيها.

وهذا ما يعطي الفرصة للإبقاء على المخاوف والتخويف منها، ويحدث التشويش حول شعاراتها، وكثيرًا ما يشار إلى النظام الإيراني على أنه النظام الإسلامي الذي تريد التيارات الدينية في البلاد العربية إقامته؛ رغم أن التجربة الإيرانية غير قابلة للتكرار، ومرفوضة في البلاد العربية من قبل التيارات الإسلامية الأكثر شعبية.

وفيما يخص تطبيق الشريعة الإسلامية، فإن القضايا الأكثر إثارة من غيرها هي قضية الحدود وحرية المرأة والتعامل مع الآخرين في المجتمع الإسلامي؛ سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين، وتتهم التيارات الدينية بأنها تريد مصادرة حقوق المرأة والعودة بها إلى وضع القرون الوسطى ومصادرة حقوق المواطنة من المواطنين غير المسلمين، وتطبيق حدود لم تعد لائقة بالإنسان المتحضر في هذا «العصر»، ولا نريد أن نخوض في هذه القضايا المهمة، فهنالك كتابات إسلامية كثيرة حولها توضح رأي الإسلاميين فيها، ولكن ما يمكن ملاحظته بشأنها هو أن هذه القضايا ذات طابع ثقافي، وأن النظرة للمرأة من منظور غربي مثلًا، لم تعد هي المقياس لتحرر المرأة ونهضتها وتمتعها بحقوقها، بعد أن أصبح مجتمع النساء الغربيات تئن من نمط جديد من الاستعباد، أخذت مظاهره في البروز أكثر فأكثر في العقد الأخير.

في سلة واحدة

يبقى أن نقول: إن الخطاب الإسلامي من أي حركة من الحركات الإسلامية يكون له صدى الآن في كامل البلدان الإسلامية، ويمس من قريب كل الحركات والتيارات الإسلامية؛ بل ويورط البعض منها أحيانًا؛ لأن ما يقوله إسلامي في مصر مثلًا يعبر عن الإسلاميين في الأردن أو غيرها في منظور المناوئين للإسلاميين، فكل مقال لإسلامي يمس كل الإسلاميين، ومن هنا لابد أن ينتبه الإسلاميون في مختلف التيارات إلى هذه النقطة؛ لأنهم مهما اختلفوا فإنهم في نظر الآخرين في سلة واحدة، وبناءً على ذلك لابد أن يشعر كل تيار إسلامي بأنه مؤثر ومتأثر ببقية التيارات، شاء ذلك أم أبى، وإن اختلافات الخطاب من تيار إلى آخر يوسع دائرة التشويش على الشعارات الإسلامية؛ ذلك أننا نعيش اليوم ثورة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية والفاكسميلي وغيرها، وأن أي كلمة لإسلامي تقال اليوم؛ تسمع في الحين والتو في كافة الأقطار الإسلامية، ويقرأها بعد يوم أو أيام معدودات، كل القراء على اختلاف نزعاتهم وميولهم..

إن التيارات الإسلامية اليوم هي أحوج ما تكون إلى مناقشة طروحاتها وأفكارها فيما بينها؛ حتى ترسم معًا طريقًا واضح المعالم تسير عليه، وإلا فإن دائرة التشويش على مقولاتها وشعاراتها لن تتوقف عن الاتساع، مُتيحةً فرصة أكبر لسوء الفهم وإساءة الظن معًا.

الرابط المختصر :