; الشعب الكشميري يرحب بالمبادرة الباكهندية للمفاوضات، ولكن!... | مجلة المجتمع

العنوان الشعب الكشميري يرحب بالمبادرة الباكهندية للمفاوضات، ولكن!...

الكاتب أليف الدين الترابي

تاريخ النشر السبت 30-أغسطس-2003

مشاهدات 55

نشر في العدد 1566

نشر في الصفحة 30

السبت 30-أغسطس-2003

في ١٦ من شهر أبريل الماضي حينما أعلنت الهند وباكستان عن مبادرة للمفاوضات لحل القضايا الثنائية، وعلى رأسها القضية الكشميرية رحبت القيادة الكشميرية الشرعية بهذه المبادرة وذلك لأنها تعرف جيدًا أن القضية الكشميرية هي جوهر النزاع بين الدولتين النوويتين، وإذا لم تحل هذه القضية سلميًا وبالمفاوضات فسيؤدي ذلك إلى إشعال نار الحرب النووية بينهما

والحقيقة أن الشعب الكشميري شعب محب للإسلام ويؤمن بالجهود السلمية لحل القضية الكشميرية منذ أول يوم لكن بعد احتلال الهند للولاية عام ١٩٤٧م لم يجد المجاهدون بدأ من رفع راية الجهاد لتحرير الولاية من الاحتلال الهندوسي وكانوا على وشك تحريرها لكنهم التزموا بوقف إطلاق النار في 1/1/1947م تماشيًا مع القرارات الدولية التي كانت تنص على إجراء الاستفتاء لتقرير مصير الولاية، وذلك لإتاحة الفرصة لحل القضية سلميًا وفقًا لهذه القرارات الدولية، ولكن الهند -التي وافقت على هذه القرارات في البداية وتعهدت بتنفيذها واستمرت تعلن التزامها بها إلى عام ١٩٥٧مرفضت تنفيذها فيما بعد بل قامت بممارسة أساليب القهر والعدوان للقضاء على المطالبة السلمية تنفيذ هذه القرارات من ناحية كما قامت بالعديد من الخطوات للقضاء على الشخصية الإسلامية للولاية من ناحية ثانية، ولكن رغم ذلك مازال الشعب الكشميري يواصل جهوده السلمية لإقناع الهند بالوفاء بوعودها لتنفيذ هذه القرارات لأكثر من أربعين سنة من بداية خمسينيات القرن الماضي إلى أواخر ثمانينياته وهكذا فإن هذه الجهود السلمية لحل القضية الكشميرية لم تؤد إلى أية نتيجة لعدم جدية الهند وتعنتها.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه خلال هذه الفترة كانت هناك العديد من جولات المفاوضات بين الهند وباكستان لحل القضية الكشميرية سلميًا، منها المفاوضات بين مؤسس باكستان محمد علي جناح والحاكم العام للهند اللورد ماونت بيتون عام ١٩٥٨م والمفاوضات بين رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو ورئيس الوزراء الباكستاني محمد علي بوجره والمفاوضات بين وزير الخارجية الباكستاني ذو الفقار على بوتور ووزير الخارجية الهندي سوان سنغ في عام ١٩٣٦م والمفاوضات بين رئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو ورئيسة الوزراء الهندية أنديرا غاندي في عام ۱۹۲۷م ولكن هذه المفاوضات المتكررة أيضًا لم تؤد إلى أية نتيجة للتعنت الهندي.

إن فشل الجهود السلمية المتواصلة والمفاوضات الباكهندية الثنائية المتكررة نتيجة للتعنت الهندي لأكثر من ٤٠ سنة جعل الشعب الكشميري يفقد الثقة في الأساليب السلمية لحل القضية الكشميرية، الأمر الذي أدى إلى القرار برفع راية الجهاد في بداية عام ۱۹۹۰موهكذا فقد بدأت الحركة الجهادية الكشميرية الحالية التي لاتزال تواصل مسيرتها حتى اليوم وتحقق الإنجازات تلو الإنجازات بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه.

لا شك أن قوات الاحتلال الهندي استخدمت كل الأساليب للقضاء على هذه الحركة المباركة بصفة عامة، وبعد أحداث ١١ سبتمبر عام ٢٠٠١م بصفة خاصة، حيث تقوم بإطلاق النار العشوائي على المسلمين المدنيين الأبرياء وبالقبض عليهم والزج بهم في السجون ومراكز التفتيش وزنازين التعذيب، وبإحراق منازل المسلمين ومتاجرهم بالبارود والبنزين وبالاغتصاب الجماعي للنساء المسلمات، وكل ذلك لا لذنب إلا لأنهم يؤمنون بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد الله نبيًا ورسولًا ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (البروج: 8) ونتيجة لذلك فقد بلغ عدد الشهداء من المدنيين الأبرياء في الولاية أكثر من ٥٨ ألف شهيد، وعدد الجرحى والمعوقين أكثر من ۱۰۰ جريح وعدد المنازل والمتاجر المحروقة بالبارود والبنزين إلى أكثر من ١٠٠ ألف منزل وعدد الأخوات المسلمات اللاتي اغتصبن جماعيًا أكثر من عشرة آلاف ولكن رغم هذه الأساليب فإن الحكومة الهندية لم تستطع القضاء على حركة المقاومة الإسلامية في الولاية، بل كلما ازدادت الحكومة الهندية ظلمًا واضطهادًا ازدادت هذه الحركة قوة وصمودًا مقابل انخفاض معنويات قوات الاحتلال في الولاية يومًا بعد يوم حيث إن عددًا غير قليل منهم قد تعود على تعاطي المخدرات والمسكنات كما أن عددًا كبيرًا منهم يحاول الحصول على التقاعد المبكر بمبرر أو آخر، حتى وصل الأمر إلى أن كثيرًا من الجنود الهندوس يضطرون إلى العمليات الانتحارية أو يقومون بإطلاق النار العشوائي على زملائهم ويقتلونهم ثم يقتلون أنفسهم فيما بعد

ومنذ سنوات نرى قادة الجيش الهندي يطالبون الحكومة الهندية بالبحث عن حل سياسي للقضية الكشميرية بعد فشل الحل العسكري وهكذا فإن وجود أكثر من ٨٠٠ ألف من القوات الهندية في الولاية للقضاء على المقاومة الكشميرية يكلف الهند حوالي عشرة ملايين دولار الأمريكي يوميًا، وهو ما يعد تحديًا كبيرًا للاقتصاد الهندي المتدهور وعلاوة على هذه الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة هناك ضغوط دولية على الهند لحل القضية الكشميرية سلميًا لاجتناب الحرب النووية بين الدولتين الجارتين الهند وباكستان.

ولا يفوتنا أن نذكر هنا بأنه حتى بعد بداية حركة المقاومة الحالية في كشمير المحتلة في عام ۱۹۹۰م فإن جهود الشعب الكشميري للحل السلمي للقضية الكشميرية مازالت مستمرة والنموذج الحي لهذه الجهود السلمية هو مبادرة حزب المجاهدين، أكبر منظمة جهادية كشميرية لوقف إطلاق النار في 22/7/2001م ولكن هذه المبادرة أيضًا لم تؤد إلى أي نتيجة بسبب التعنت الهندي في ذلك الصدد

في هذا الجو من الضغوط الداخلية والدولية أظهرت الهند بادرة على الموافقة على المفاوضات وهو ما قوبل بالترحيب من باكستان التي اتخذت العديد من الإجراءات والخطوات التي تدل على جديتها في ذلك الصدد، ولكن الهند عادت إلى المماطلة والتعنت ولذلك نخشى أن يكون مصير هذه المفاوضات هو الفشل، كما فشلت مفاوضات سابقة نتيجة للتعنت الهنديوفيما يلي نحن نذكر أهم الأسباب التي تدل على ذلك.

أولًا: رغم هذه المبادرة الهندية للمفاوضات فإن الحكومة الهندية لا تزال تواصل إرهاب الدولة ضد المدنيين الأبرياء في كشمير المحتلة حيث تواصل قوات الاحتلال الهندي القتل العشوائي للمسلمين المدنيين الأبرياء والقبض عليهم والزج بهم في السجون ومراكز التفتيش وزنازين التعذيب وإحراق منازل المسلمين ومتاجرهم بالبارود والبنزين والاغتصاب الجماعي للنساء المسلمات، بل إن هذه الممارسات الإجرامية للقوات الهندية ضد المدنيين الأبرياء في كشمير المحتلة قد زادت إلى حد كبير بعد هذه المبادرة مع الأسف الشديد، ولا تزال تزدادوالحقيقة أنه لو كانت الهند جادة في هذه المبادرة، لكان ينبغي عليها أن تقوم بإيقاف هذه الأساليب للقهر والعدوان ضد المدنيين الأبرياء ولو مؤقتًا لإيجاد الجو المناسب للمفاوضات.

ثانيًا: لايزال قادة الهند يصرون على كون ولاية جامو وكشمير المحتلة جزءًا لا يتجزأ من الهند وعلى كون القضية الكشميرية قضية هندية داخلية، وذلك مع أن الهند هي التي قد قامت برفع هذه القضية إلى مجلس الأمن الدولي في عام ١٩٤٨م بعد احتلالها غير الشرعي في عام ١٩٤٧م ثم وافقت على القرارات الدولية الخاصة بالقضية الكشميرية وقد تعهدت بتنفيذها، بل استمرت تعلن التزامها بها فترة طويلة.

ثالثًالا يزال قادة الهند يرفضون الاعتراف بأن حركة المقاومة الكشميرية حركة شعبية أصيلة، بل يصرون على أنها حركة مستوردة من الخارج ويكررون المطالبة بإيقاف ما يسمونه الإرهاب القادم من وراء الحدود، حسب زعمهم مع أنهم يدركون جيدًا أن هذه الحركة حركة شعبية أصيلة وليست حركة مستوردة وفشل الحكومة الهندية في القضاء عليها رغم مرور أكثر من ٤١ سنة هو خير شاهد على ذلك.

إن هذا الأسلوب المتعنت يدل على أن سياسة الحكومة الهندية في ذلك الصدد لم تتغير بعد فرغم مبادرة المفاوضات لا تزال تنتهج نفس سياسة التعنت التي كانت تنتهجها خلال المفاوضات الماضية، لذلك نخشى أن يكون مصير هذه المفاوضات هو نفس مصير المفاوضات الماضية، ونحن على يقين بأن الحكومة الباكستانية على وعي وبصيرة من هذه السياسة الهندية الماكرة وتلتزم بموقفها الرسمي من القضية الكشميرية بكل قوة وتعلن صراحة بأن القضية الكشميرية هي جوهر النزاع بين البلدين ولا يمكن تطبيع العلاقات بينهما إلا بحل هذه القضية وفقًا للقرارات الدولية ومطابقًا لإرادة الشعب الكشميري، كما ينبغي عليها أن تشترط لبدء المفاوضات وقف إرهاب الدولة في كشمير المحتلة ونصر على مشاركة القيادة الكشميرية الشرعية في هذه المفاوضات، وذلك لكون الشعب الكشميري طرفًا أساسيًا فيها.

ونرى ضروريًا أن نقول باسمنا وباسم الشعب الكشميري وبكل صراحة إن الشعب الكشميري حينما يرحب بهذه المفاوضات كل الترحيب لحل القضية الكشميرية سلميًا يريد أن يعلن بكل قوة وصراحة بأنه لن يقبل أي حل للقضية الكشميرية يكون منافيًا لحقه في تقرير مصيره، وذلك لأنه لم يقدم التضحيات الضخمة خلال الـ ٥٥ سنة ماضية بصفة عامة وخلال ٤١ سنة بصفة خاصة، إلا من أجل حقه في تقرير مصيره وفقًا للقرارات الدولية.

 

الرابط المختصر :