العنوان الشعب الهندي.. يرفض حزب المؤتمر الوطني الحاكم
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
مشاهدات 31
نشر في العدد 944
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 05-ديسمبر-1989
فقد ذبح أكثر من ألف مسلم أثناء مسيرة الطابوق وأعمال العنف أودت بحياة
١٥٠شخصًا خلال عملية الاقتراع.
لقد فقد غاندي ثلثي مقاعد البرلمان ولم يبق بمقدوره أن يقوم بتشكيل
الحكومة.
لقد خاب ظن رئيس وزراء الهند راجيف غاندي في تقدير الأمور فقد انقلبت
عليه الحيلة في مفاجآته بإعلان إجراء الانتخابات العامة المبكرة حتى لا تتمكن
المعارضة من توحيد صفوفها ولم شملها لكن جبهة تحالف المعارضة استطاعت الصمود في
مواجهة الحزب الحاكم.
كما أن غاندي حاول أن يصيد عصفورين بحجر واحد وذلك باتخاذ موقف مزدوج
تجاه المسلمين حتى ينخدع المسلمون ويرضى الهندوس غير أن الحجر هذه المرة أصاب
جمجمته وأفقده السلطة الموروثة.
إن المذبحة التي أقيمت ضد المسلمين في مدينة «بهاكلبور» قبل أيام من
الانتخابات وعلى أيدي الشرطة ودعم الهندوس من قبل غاندي لإرساء حجر الأساس لمعبد
هندوسي على أنقاض مسجد للمسلمين كل ذلك لم يكن كافيًا لإرضاء المتطرفين الهندوس
حيث إنهم اختاروا حزب بهارتيه «جاناتا بارتي» المتطرف بدل حزب غاندي.
كما أن استياء المسلمين من موقف الحكومة ودمائهم التي أريقت في عدد من
مناطق الهند، كان لها تأثير واضح على نتائج الانتخابات.
نتائج الانتخابات واحتمالات المستقبل
يتكون البرلمان الهندي من ٥٤٥ عضوًا يقوم باختيارهم خمسمائة مليون
ناخب، وكان حزب المؤتمر الوطني الحاكم يتمتع في البرلمان السابق الذي تم حله بعد
إعلان نتائج الانتخابات والتي أسفرت عن نكسة كبرى للحزب بأكثر من أربعمائة مقعد،
وهذه الأغلبية المطلقة في البرلمان من شأنها أن تعطي الحزب الحاكم حرية مطلقة
للتصرف واتخاذ القرارات دون الأخذ بعين الاعتبار لآراء وتوجهات أعضاء البرلمان
الذين ينتمون إلى أحزاب المعارضة.
وخلال السنوات الخمس الماضية من حكم راجيف غاندي الذي كان قد وصل إلى
الحكم في أعقاب مقتل والدته دون أن يكون له أي رصيد شعبي شخصي قد شهدت الهند
أحداثًا كثيرة وخطيرة.
فلم تستطع حكومة غاندي أن تضع حدًا لتمرد طائفة السيخ بل قد زاد نشاط
المتطرفين من الطائفة إلى درجة أنه خلال عام ١٩٨٩ فقط قتل حوالي ألفي شخص من
الهندوس.
كما أن الشعب الهندي بدل أن ينحو نحو التنمية الاقتصادية وقع في دوامة
الفقر المدقع بسبب تركيز الحكومة على التسلح لإرهاب الدول المجاورة للهند کباکستان
و بنغلاديش وسريلانكا ونيبال مع أن أي واحدة منها لا تشكل أي خطر للهند فقد ساد
شعور عام في المنطقة أن الميزانية الدفاعية الضخمة للهند ليس بهدف الدفاع عن نفسها
عند الهجوم المحتمل بل إن الهند التي تملك أكبر عدد من القوات المسلحة المزودة
بكافة أنواع الأسلحة الهجومية والدفاعية وتكاد تكون قوة عسكرية سادسة في العالم لا
تهدف إلا أن تقوم بدور شرطي المنطقة لفرض هيمنتها على كافة الدول المجاورة.
من ناحية السلوك فقد راجيف غاندي سمعته كرجل نزيه بعد اكتشاف فضيحة
بوفورس المعروفة التي أثبتت تورط غاندي وبعض أصدقائه المقربين في أخذ الرشوة
المالية الكبيرة أثناء صفقة الأسلحة مع شركة بوفورس السويدية ولم يستطع غاندي
الدفاع عن نفسه أو إثبات براءته من الاتهام، وكانت هذه الفضيحة هي السبب الأساسي
في تمرد وزير دفاعه السابق عليه والذي قاد جبهة تحالف المعارضة في الانتخابات
العامة وألحق به الخسارة السياسية التي لا تعوض.
سياسة «فرق تسد» لم تبق من خصوصيات سياسة الإنجليز المستعمرين بل
جربتها بنجاح في الهند أنديرا غاندي بإثارة النعرات الطائفية وتشجيع العناصر
المتمردة في شرائح المجتمع الهندي المختلفة وأكبر دليل على ذلك تشجيع ورعاية
المتمردين السيخ أولًا ضد أفراد طائفتهم بقيادة الزعيم المتطرف بندران والي الذي
لقي مصرعه في الهجوم على المعبد الذهبي ثم محاولة القضاء عليه بعدها خرج المتمردون
من الخطوط المرسومة وبدأوا يشكلون تهديدًا لسلطة غاندي ووحدة الهند نفسها وفي
النهاية أصبحت أنديرا غاندي ضحية هذه الطائفة.
كذلك رعاية التاميل في جنوب الهند لم يبق أمرًا خافيًا، ثم القيام
بإرسال الجيش للقضاء على تمرد التاميل دليل على ذلك. والذي يهمنا هو ليس قضية
التاميل أو السيخ بل قضية المسلمين الذين يبلغون ١٥٠ مليون نسمة والذين يعانون منذ
استقلال الهند بأسوأ أنواع الاضطهاد والتعسف فهناك سلسلة من المجازر الوحشية التي
لا تكاد تنتهي.
ويرى المراقبون أن معاناة المسلمين في عصر أنديرا غاندي كانت أكثر
بالمقارنة من عصر والدها نهرو وأصبحت أكثر وأعنف في عصر راجيف غاندي حيث إن النزعة
الطائفية بلغت أوجها خلال السنوات الخمس الماضية وتزايدت المنظمات الهندوسية
المتطرفة التي تنادي بقتل المسلمين بشكل ملحوظ.
كما أن ما يخطط منذ سنوات طويلة للقضاء على المسلمين جسديًا قدر ما
يمكن وتذويب الباقي منهم في المجتمع الهندوسي الوثني وذلك بالقضاء على معالمهم
التاريخية ومساجدهم، وإرغامهم على قبول القانون المدني الموحد واتباع القوانين
الوثنية في الأحوال الشخصية بدأ تنفيذه في الوقت الراهن، وأن تحويل المسجد البابري
هو بداية هذه الخطة.
وقد رأى شهود عيان أثناء المجزرة الأخيرة في مدينة «بهاكلبور» أن شباب
الهندوس الذين لم تتجاوز أعمارهم 15 سنة كانوا يقومون بذبح أطفال المسلمين الذين
تقل أعمارهم عن ثلاث سنوات والصور التي التقطها الصحفيون تدل على مدى انتشار الحقد
ضد المسلمين في قلوب الهندوس.
هذه هي الظروف التي أجريت فيها الانتخابات العامة في الهند وأسفرت عن
نتائج لم يسبق لها مثيل.
فلم يحصل أي حزب بأغلبية مطلقة تؤهله لتشكيل الحكومة وقد مني كبار
الوزراء وأعوان غاندي بهزيمة منكرة وكان في طليعتهم وزير الداخلية بوتسينغ، ورئيس
البرلمان ابلرامجاكر، وعدد آخر.
وقد فقد الحزب الحاكم وجوده في الولايات الشمالية يوبي، وبيهار، ودلهي
العاصمة، وراجستهان مع أن هذه هي الولايات التي تعتبر ذات أغلبية سكانية والتي
ينتمي إليها معظم قادة الهند السياسيين حينما حقق حزب المؤتمر الوطني في الولايات
الجنوبية التي كانت تحت سلطة المعارضة ولها أسباب يطول ذكرها.
ونظرة سريعة على نتائج الانتخابات تؤكد أن حزب المؤتمر الحاكم قد فقد
نصف مقاعده في البرلمان، وكان ترتيب جبهة تحالف المعارضة «جنتادل» في النجاح هو
الثاني حينما كسب المعركة في عدد من الولايات حزب «بهارتي جانانا بارتي» الهندوسي
المتطرف وحصل على مقاعد لم يكن في حسبانه أن يحصل عليه لولا تفاقم الوضع الطائفي
وسياسة راجيف المزدوجة تجاه المسلمين التي لم تكن في صالح المسلمين أبدًا، ولم ترض
الهندوس المتطرفين أيضًا.
وضع المسلمين بعد الانتخابات
من الطبيعي أن حكومة التحالف تكون ضعيفة وتحت ضغط المعارضة القوية،
وهذا هو الوقت المناسب للمسلمين أن يبرزوا هويتهم ويوحدوا صفوفهم وإن أدنى تساهل
منهم يدفعهم إلى كوارث اجتماعية، ومجازر طائفية رهيبة فمن الواضح أن يتخذ حزب
المؤتمر الوطني سياسة الانتقام من المسلمين لشعوره بأنهم بشكل عام امتنعوا عن
التصويت لصالحه.
كما أن حزب «بهارتها جاناتا بارتي» الذي برز على الساحة السياسية لأول
مرة بهذه القوة والضخامة يشكل تهديدًا مستمرًا لوجود المسلمين في الهند فإن معظم
المنظمات الهندوسية المتطرفة تعمل تحت واجهة هذا الحزب ومن أولويات هذا الحزب في
حالة تمكنه من السلطة:
1- إلغاء مادة الدستور التي تمنح لكشمير وضعًا اعتباريًا خاصًا
مختلفًا عن أوضاع الولايات الأخرى التابعة للهند.
2- تطبيق القانون المدني الموحد وإلغاء أحكام الشريعة الإسلامية
الخاصة بقوانين الأحوال الشخصية.
3- الإسراع في تحويل مساجد المسلمين إلى معابد وثنية وإرهاب
المسلمين عن طريق إقامة المجازر الطائفية.
بقي حزب تحالف المعارضة فهو خليط من العناصر الصالحة والفاسدة وأن
تعاطف المسلمين مع هذا الحزب إنما جاء بسبب موقف حزب المؤتمر الوطني الحاكم
المساند للتيارات المعادية للمسلمين ومما ينبغي الاعتراف به أن الحزب الشيوعي
بتياريه أخذ موقفًا قويًا ضد النزعة الطائفية، وأن ظروف الهند الخاصة تدعو إلى أن
يفضل من لا يتعامل على أساس الديانة على من يثيره ذبح بقرة ويقوم بقتل مئات من
المسلمين بسبب الإساءة المزعومة إلى قرد معبود وحجر مقدس.
وللمسلمين فرصة سانحة الآن في ظل حكومة ائتلافية ضعيفة أن يثبتوا
وجودهم ويجعلوا من أنفسهم قوة فاعلة لا يمكن الاستغناء عنها ولا يقدر أحد على
إفنائهم بشرط ألا يعيشوا على هامش الحياة وكريشة في مهب الرياح وإلا فسيأتي الوقت
الذي يتفاقم فيه الحقد الهندوسي ضدهم، ويرى كل صاحب سلطة أنه لا سبيل أمامه إلا
التغاضي عن المسلمين وإرضاء الأغلبية الساحقة من الهندوس البالغة ستمائة مليون
نسمة ولهم في صمود طائفة السيخ مع قلة عدد أفرادها عبرة وبصيرة والله هو الهادي
إلى سواء السبيل له الأمر من قبل ومن بعد ولنا عودة إلى هذا الموضوع في الأسابيع
القادمة.