العنوان الشعراء يستنهضون همم الأمة والقصاصون يعبرون عن مواجع الذات الجماعية
الكاتب محمد شلال الحناحنة
تاريخ النشر السبت 17-يناير-2004
مشاهدات 54
نشر في العدد 1585
نشر في الصفحة 58
السبت 17-يناير-2004
أقام المكتب الإقليمي لرابطة الأدب الإسلامي العالمية في الرياض ملتقاه الشهري للأدباء الشبان الذي يشرف عليه الناقد د حسين على محمد، ويديره محمد شلال الحناحنة المسؤول الإعلامي في الرابطة وقد شارك في الملتقى الذي يعقد مساء الأربعاء الثاني من كل شهر هجري عدد من الأدباء الشبان، وجمهور من مشجعي أدب الشباب، وبعد الترحيب بالأدباء والحضور، بدأت الأمسية بقراءة مجموعة من - النصوص التي قدمها أصحابها، ثم تلا ذلك قراءة نقدية للأستاذ د. حسين على محمد، وختم الملتقى بجوار مفتوح مع الأدباء الشبان وجمهور الحاضرين.
صدى الذكريات:
افتتح الأمسية من الأدباء الشبان الشاعر سامي - بن محمد البكر بقصيدته صدى الذكريات»، وهي قصيدة خليلية حلقت في فضاء الذكريات، إذ جاءت - تكريمًا للشيخ المربي موسى العسيري بمناسبة إحالته للتقاعد، بعد أن أمضى ربع قرن في متوسطة وثانوية تحفيظ القرآن الكريم الأولى بالرياض، يخرج أجيالًا. بعد أجيال، والقصيدة في مضمونها وصورها تعبر عن إخلاص تلميذ لأستاذه وشيخه، وتأوي إلى إيقاع جهير من خلال وجدان مفعم بنبض الذكريات وألفة المكان، وسمو الذكريات، فيخاطبه:
أيا واحة الذكر كم شاقني |
| إليك لذيذ المني والسهر |
فحبك يسري بكل عروقي |
| وقلبي يكون له المستقر |
تفاوح عطرك في العالمين |
| فعطرك فاق جميع الزهر |
فعطرك سبحان من أنزله |
| وأحكم آياته والسور |
فكم كان يتلى بكل صباح |
| بصوت ندي يزيل الضجر |
استنهاض همم الأمة:
أما الشاعر هيثم السيد فلم يغادر استنهاض همم الأمة، وإن كان الأسى من حالها يشعل مواجد الذاكرة المأزومة، ولكنه على ضفة أخرى بانتظار أن تبوح غيومها بالمطر، رغم الحزن الموجع الذي يميز قدرًا كبيرًا من شعره، ولا ينفصل عن تجربته الشعرية، وتراكيبه الجديدة المتكئة على المفارقات الحسية والمعنوية.
كعادتي... جلست عند شرفة الكلام
أستعيد في مسانها...
قصائد السهر...
سالت وجد غيمة.. عن سرها
فوشوشت مشاعري
وكنت بانتظار أن تبوح بالمطر!!
كعادتي... بحثت عن سعادتي
في خاطر الأسى
لعل.. أو عسى
وجاءت قصيدة سقط القناع للشاعر فائق منيف المطيري لتنكأ الجراح، وهي تأوي إلى المسلكية الإسلامية في رؤاها وقدرتها على شحننا بطاقة عظيمة من المجاهدة والمصابرة أمام عدو حاقد لا تردعه سوى القوة والاعتصام بحبل الله، وتتميز القصيدة بفخامة اللفظ وجزالة العبارة، وإيقاعها المؤثر من خلال البحر الكامل، وحسن مطلعها الذي يشدنا إلى خيوطها التعبيرية:
سقط القناع وطارت الأوراق |
| ورأت سطور الحاقد الأحداق |
جيش التتار بدا يطل برأسه |
| راياته التدمير والإزهاق |
ترمي إلى جعل الورى خدمًا لها |
| لا العهد يردعها ولا الميثاق |
وبعرفها الإسلام ند مرعب |
| وجميع أرض المسلمين عراق |
بحر من البترول يشعل حقدها |
| وخزعبلات ما لهن نطاق |
لا لين.. لا استعطاف يطفئ نارها |
| لا ضخ نفط فائض ونفاق |
لا يوقف الباغين عن عدوانهم |
| إلا اتحاد شامل ووفاق |
يدعو إلى القرآن دستورًا له |
| ونظامه ما شرع الخلاق |
ويعيد للأسد الجريح زئيره |
| ويعيد مجدًا هذه الإرهاق |
ويتوجه القاص أحمد محمد صوان في قصته الهدية إلى أشجان الطفولة، ينهل من أفراحها وهمومها، ويعبر عن لواعجها بأسلوب بسيط، ولغة حميمة، ومواقف تعليمية، لا تخلو من تصوير براءة الطفولة الغضة وذكائها أيضًا، والحق أن الأدب الإسلامي بحاجة إلى نصوص إسلامية في أدب الطفل في ظل هذا الغثاء التغريبي الذي يسوق في ساحاتنا الأدبية والثقافية فيسمم أفكار أطفالنا وعقولهم ووجدانهم وحتى عقيدتهم الإسلامية السمحة. أما الكاتب أيمن أحمد ذو الغنى فهو يخاطب وجدان أطفالنا في مقالته من ثمرات الفصحى، وهو يتكئ على الرؤية الإسلامية ويستمد إضاءاته وإشراقاته من عذوبة القرآن الكريم في ألفاظه ومعانيه، فهو يعرض لتجربة طفله ابن السنتين في اكتسابه الفطري للغة العربية الفصحى، إذ علمه هذه اللغة منذ أقبل إلى الدنيا وكان من ثمار ذلك تعلقه الشديد بالقرآن الكريم المعجز، وكان يأنس به، ويصغي إلى ترتيله من أمه أو أبيه، مما جعله يميز بين القرآن العظيم وغيره من الكلام، وفي المقالة تلميح رائع بأسلوب هادف إلى ضرورة الاهتمام باللغة العربية الفصحى لغة القرآن الكريم، وفي ذلك خير عظيم لنا ولأطفالنا.
ويختم القاص خالد بن مبارك اليوسف هذا الملتقى بقصة بعنوان «المحاولة» وهي تقدح في مواجع الذات الخاصة والجماعية، وتتطور في أحداثها ومسارها لتصب في هذه المواجع، وهي تمتلك خيوطها الفنية، ولغتها الحارة القادرة على إقناعنا، فالبطل يريد أن يكتب قصة قصيرة لأول مرة، وحين يعطيه العم سعيد كتابًا بعنوان: «كيف تكتب قصة قصيرة». ويهم بالانصراف، يقع بصره على عنوان بارز الصحيفة الصباح: جامعة الدول العربية تصدر قرارًا تندد فيه بإسرائيل لضربها موقعًا في سورية، ولعل في هذه النهاية من المفارقات ما يجعل لهذه القصة نكهة خاصة ونجاحًا كبيرًا..
«أوليس» أو... «حسن الأزرق»
ثروت مكايد عبد الموجود
يتحول الإنسان - سيد هذا الوجود والخليفة الذي جعله الله في أرضه - أو البطل فوق مسرح الحياة إلى شيء كالأشياء الكثيرة التي يكتظ بها الكون في أوليس على مدى يوم كامل ينخره جيمس جويس، ويتبعه في كل مكان حتى في دورة المياه، ليكشف عنه القناع: أهذا هو الإنسان بطل الحياة؟!... وهو بهذا يشهد على حضارة الغرب تلك التي اقتحمت الأجواء دون أن ترفع الإنسان أو ترفع روحه درجة واحدة وكل ما صنعته تلك المدنية الغربية أن وفرت للإنسان المزيد من الوقت ليغرق في التفاهة في ظل عقيدة اعتقلها في معبد، وعقيدة أخرى حجبناها نحن بكل الحجب فلم يعد يصله منها غير شعاع باهت، لا يأبه هو له ومن ثم فلا يجد إنسان الغرب أو «أوليس» جويس هدفًا له أو أرضًا ثابتة أو سماء تتسع لأشواقه فيتحول من ثم إلى شيء كالأشياء أو شبح لا أكثر من ذلك.. أما هنا في أرضنا العربية فالمقابل «الأوليس حسن الأزرق» أحد أبطال «الحب يأتي مصادفة» للدكتور حلمي القاعود.. هو الآخر بطل «وربما سرت في عروقه دماء ملكية غير أنه لا يتفوه بحرف وكل ما نعرفه عنه أنه يبحث عن ذاته فقط ويكره الآخرين بقسوة. كل همه أن يضع تحت لسانه «فصًا» وليذهب العالم بعدئذ إلى الجحيم». (الحب يأتي مصادفة. د. محمد حلمي القاعود. ص: ۲۹ دار الهلال ۱۹۷۹).. وفي هذا يكمن الفارق بين الغرب والعرب، فحسن كما يصوره الرواني إنسان بسيط من أصل طيب وهو بعد مسلم، أي يحمل بذرة أن يكون عملاقًا.. في استطاعته هذا. غير أن هذا لا يحدث، بل يبحث عن ذاته، وكل همه أن يضع تحت لسانه «فصًا».... يا لها من كارثة، لكن جو الزيف والأباطيل تلك التي تسلط عليها الأضواء حتى تفر الحقيقة وتذوب الهوية ويصبح عمل الفرد لذاته فقط، بل إنه ليهرب من ذاته أيضًا.. يفر إلى المخدر أو الجنس أو البلطجة أو.. أو إلى اللامبالاة والجمود وفي هذا رفض للواقع المزيف حتى لو كان لا يعرف لم يرفض، ولا يستطيع أن يمسك بالعلل؟ لأنه يحيا في الظلمات، فينسحب من الواقع ويثور عليه ثورة داخلية بأن يكره الآخرين بقسوة (الرواية)، أو يصبح لا مباليًا عظيمًا... انظر إلى هذا الجيل من الشباب الذي يتحرك من حولك أوليس هو حسن الأزرق بصورة أو بأخرى... ألا يفر من الواقع إلى أوهام الجنس والمخدرات؟. ألا يكره الآخرين بقسوة... أليس - يا صاحبي- يبحث عن ذاته فقط؟
ثم - وهذا ما يهمنا - أليس يحيا نفس الجو الملغم بالأباطيل والزيف كما كان يحيا حسن الأزرق»، فلا عجب إذن أن يبرز إلى الوجود مادامت تلك الرحم الخبيثة تدفع به إلى الحياة غير أنه لا يحيا كما يحيا الإنسان كما صوره القرآن، وإنما يحيا حياة الخرفان، بل دونها فالخراف في بلدنا أسعد حظًا من الأناس فهي تجد من يبحث لها عن الكلأ والمشرب وما هكذا إنساننا المنكوب الهارب إلى ذاته عله يراها يومًا ما..