; الشعر الإسلامي وملاحم البوسنة والهرسك.. قراءة في ملحمتين جديدتين للأمراني، والنحوي | مجلة المجتمع

العنوان الشعر الإسلامي وملاحم البوسنة والهرسك.. قراءة في ملحمتين جديدتين للأمراني، والنحوي

الكاتب يحيى البشير حاج يحي

تاريخ النشر الثلاثاء 27-يوليو-1993

مشاهدات 62

نشر في العدد 1059

نشر في الصفحة 52

الثلاثاء 27-يوليو-1993

الشعر الإسلامي المعاصر وقضية البوسنة والهرسك

لعله من نافلة القول أن نشير إلى أن الشعر الإسلامي المعاصر يسجل- بأمانة وصدق- وقائع الملحمة المتفجرة في البوسنة والهرسك، كما سجلها من قبل على ثرى أفغانستان!

 وليس معنى هذا أنه تسجيل فوتوغرافي واقعي مجرد، إنه حتى الصحفي يحرص على أخذ لقطة معبرة أو مثيرة، ويتخير زوايا محددة لالتقاط ما يناسبه من صور؟!

 

تفاعل الأديب المسلم مع المأساة

فكان الأديب المسلم أولى بعرض القضية التي يؤمن بها، ويتفاعل معها عرضًا تمتزج به دموعه مع شهقات المعذبين، فتحس بلوعة فؤاده وهو يصور المظالم والنكبات التي حلت بالأبرياء العزل، فكيف إذا كانت هذه القضية هي قضية البوسنة والهرسك، التي أظهرت الصراع على حقيقته، وجردت الأعداء من أقنعتهم الهشة المهترئة!!

 

ملحمة "جسر على نهر درينا" للدكتور حسن الأمراني

نحن أمام ملحمتين إحداهما قادمة من المغرب العربي، والأخرى من المشرق العربي، التقتا على غير ميعاد لتفجرا مواجع الأفئدة المؤمنة، وتستمطرا دموع الأعين الحزينة المحتسبة، يطالعنا الدكتور حسن الأمراني من المغرب بملحمته التي حملت عنوان «جسر على نهر درينا - ملحمة الإسلام في البوسنة»، وقد استعار للوحاته الشعرية هذا العنوان من رواية الكاتب البوسني الكاثوليكي «إيفو أندريش» جسر على نهر درينا، التي ظهرت غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945م، وهي- كما يقول- تختصر تاريخ البوسنة والهرسك منذ الفتح العثماني حتى الاستعمار النمسوي برؤية الكاتب المتميزة.

 وأما قصة هذا الجسر فهي أنه بني عام «1571 م» بأمر الوزير العثماني محمد باشا سوكولوفيتش، الذي ولد في قرية صغيرة من قرى البوسنة، قرب فيشيفراد القرية الواقعة عند ملتقى النهرين درينا ورزاف، وقد أراده الوزير رابطًا بين الإقليمين العثمانيين: البوسنة والهرسك.

 

مآسي نهر درينا في العصر الحديث

واليوم يعود نهر درينا ليشهد مآسي لم يعرف لها العالم نظيرًا، حيث يقوم الصرب بتذبيح المسلمين رجالًا ونساء وأطفالًا، ويلقون بجثثهم إلى النهر، وحين يمتنع النهر عن التهام الجثث، فتظل طافية يقوم الصرب ببقرها لتستقر في أعماق النهر.

 إن أعماق نهر درينا اليوم تضم كثيرًا من الشهداء، وقد استوحى الشاعر من الواقعة التاريخية التي تنعكس على الواقعة المعاصرة ثلاثة عشر نشيدًا، بل ثلاث عشرة مزرعة من كبد مقروحة متفتتة؟

 يقول تحت عنوان الصلب:

 حاصروني أنا لا أدري لماذا حاصروني؟

 ولماذا اعتقلوني؟ ولماذا فوق هذا الجسر ظلمًا صلبوني؟

 أنا لا أدري لماذا اغتصبوا أختي حيالي يا لعاري!

 يا لذلي وانكساري! ولماذا عذبوا أمي، واقتادوا أبي للاعتقال.

 

استهداف الأطفال في البوسنة

وعن ذبح الأطفال، الأمر الذي برع فيه الصرب العناة، والتصق بواقعهم ليصبح في الزمن الآتي تاريخًا أسود بهم، يقول الشاعر تحت عنوان «وا إسلاماه»:

 ولدي الحبيب، شقوا الثياب،

 نقشوا بخنجر حقدهم نقشوا على الصدر الصليب

 ولدي الذبيح أرأيت أعداء المسيح

 باسم المسيح ذبحوك بين يدي أعداء المسيح

 أعداء كل الأنبياء..

 الصرب مصاصو الدماء!

 ويختتم الأمراني ملحمته بقصيدة عنوانها «أطفال سراييفو يتحدون الحصار» فيقول على لسان الأطفال الذين تخضر الآمال أمام أعينهم على الرغم من الحقد والحرائق:

 نحن أطفال سراييفو الشهيدة سنصلي..

 ونصلي ونعيد الضوء باسم الله للشمس الطريدة من بعيد.. من بعيد.. نحن عدنا من بعيد.. من ضفاف الموت عدنا نلعق الجرح العتيد نحمل الفجر الوليد يغمر الناس، جميع الناس بالعدل الرشيد.

 

ملحمة "الجريمة الكبرى" للدكتور عدنان النحوي

وأما الملحمة الأخرى القادمة من المشرق العربي فكانت من جزيرة العرب للشاعر الدكتور «عدنان علي رضا النحوي»، والتي حملت عنوان «ملحمة البوسنة والهرسك- الجريمة الكبرى»، وكما عودنا النحوي في ملاحمه السابقة من مثل «ملحمة الجهاد الأفغاني- وملحمة فلسطين- وملحمة الأقصى- وملحمة الإسلام في الهند»، فإنه لا يقتصر على ما تفيض به المشاعر، وتترجمه الأحاسيس- وإن كان فيه من الصدق الفني والواقعي ما فيه- فهو يقدم لملحمته- كما هو الشأن في بقية ملاحمه- بمقدمة تتجاوز مفهوم المقدمة أو التمهيد، لتغدو وثيقة تاريخية عنون لها بهذا العنوان «البوسنة والهرسك بين نور الإسلام وظلام أوروبا»، فتحدث عن الأرض والتاريخ، وعن الفتح الإسلامي الذي حمل نور الإسلام ليدخل أوروبا من الشرق، ثم عن الانحسار الذي رافق تراجع الدولة العثمانية في أوروبا؛ لتبدأ الجريمة بهجرة المسلمين في البلقان، ثم عجز الإخوان والأقرباء، ليصل بعد ذلك إلى وقفة مع التاريخ والدروس والعبر، ثم لينتقل عبر هذه الإضاءات الكاشفة إلى الملحمة الشعرية ودموع تضيء الليل وتنير الدرب.

 

صرخة استنهاض للمسلمين

يفتح الشاعر ملحمته بتحية إلى البوسنة والهرسك، ويعتذر لها من الليل الذي طال وغشي الأبصار، ويطلب إليها أن توقظ النائمين بدفقة من دماء؟ وما أظن أنها لم تستجب لذلك:

 أيقظينا بدفقة من دماء ** ودوي يهز منا النجودا

 ويهز القلوب! يا لنيام! ** فأقرعي ما استطعت قرعًا شديدًا

واسكبي النور عله يوقظ الجفن فنلقى هناك فجرًا جديدًا

 ثم يستعرض الشاعر المآسي والنكبات التي مرت وتمر بالمسلمين في لبنان، وروابي الأفغان، والأقصى الجريح، والهند، وكشمير، وأرض الصومال، وغيرها من ديار المسلمين. كلها ساحة يخيم فيها الليــــــــــل يطوي فضاها والربوعا

الضلال البعيد والمكر والموت ظلام يروعها ترويعا

 والشاعر لا يستطيع أن يفصل بين ما يجري في هذه الديار، وبين ما يحدث في البوسنة والهرسك، بل بين ما حمل التاريخ في طياته، وبين ما نثر الواقع من نكباته.

 غارة تحمل القرون مداها وأساها وكيدها المدفوعا

 لم نزل كالعبيد نطلق شكوانا ونطوي جهادنا المشروعا ويستعرض تسلل المجرمين، واغتصاب النساء، وقتلهم الأطفال والشيوخ العزل الآمنين، وتستوقفنا هذه الصور الحزينة.

 وقد أبدع الشاعر في رسمها، إذ تلاقت عينا الطفل المسلم وعينا الصربي اللئيم، وكان ما هو متوقع من النذل الحاقد: تلاقت إذن عيناهما:

عز مسلم صبي، وذل الفاجر المتجهم ونادى نداء المستغيث، فحزه وألقاه أشلاء الإمام المحطم وغاب نداء الطفل بين زمازم تدوي، وموج زاحف متقدم

 

تصوير مأساة التهجير

وأما موضوع التهجير «التطهير العرقي» فإن الشاعر يلجأ إلى مخزونه القديم، وهو الفلسطيني الذي ذاق مرارة هذه التجربة، فكان من أبدع ما صورته الملحمة هذا الموضوع:

 قوافل تمضي بين أفواج رضع وأحزان ثكلى أو تباريح أيم

 وبين صبايا يا لذل دموعها وأفواج أطفال وأمواج يتم

 قوافل تمضي وهي تسحب خطوها ذليلًا على شوك مدم وموضم

ثم يقارن الشاعر بين الحضارة المادية والجريمة الدولية بحق الإنسان المسلم وبين الفتوح الإسلامية وخيرها على الإنسان، ويختتم ملحمته بنذير من الله للمسلمين، كما جاء في العنوان فيقول:

 فوا عجبًا للمسلمين ديارهم تناش وأعراض تباح لمجرم

 وفي كل ساحٍ رجفة من زلازل تمور بها! يا للنذير المعلم

 أيمضي على لهو الحياة أخو هوى رخيص ويغفو في فراش منعم

 وليس بناج من يغط بنومه وليس بمجد بعد حسرة لوم.

 

انظر أيضا:

 عدنان النحوي

الرابط المختصر :