العنوان الشعر سلطان! والموهبة بلا صقل.. زينة خداعة
الكاتب حسن علي دبا
تاريخ النشر الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
مشاهدات 81
نشر في العدد 1031
نشر في الصفحة 52
الثلاثاء 29-ديسمبر-1992
ثقافة وفنون: حوار مع الشاعر عبدالسلام البسيوني حول قضايا الإبداع
بكلمات شعرية صاغ رؤيته النثرية، وبصوغ مميز قدم تصويره للقضايا
المتعلقة بالإبداع الفني في إطار المنظومة الشعرية.. ومنذ عدة أشهر قام بتجربة
جريئة، حيث طبع ديوانه الأول «الذئبة التائبة» ووزعه على الشعراء والنقاد، ولم يبع
منه نسخة واحدة، وقد كتبت مقدمة نقدية له، كأنه أراد أن يقدم أوراق اعتماده شاعرًا
من شعراء الأدب الإسلامي.. ذلك الأزهري الشاعر عبد السلام البسيوني التقيته في
الدوحة وحاورته في سلسلة لقاءات «المجتمع»، مع شعراء الأمة حول قضايا الإبداع
الشعري.
الموهبة وحدها قعقعة ولا طحين
المجتمع: في غمرة من طوفان
الشعراء، يحسن بنا أن نتوقف عند أصول الإبداع الشعري، فما بين الموهبة والصنعة-
بالمصطلح التراثي- تمر تجربة الشاعر بتجارب، هل تغني واحدة عن الأخرى، وإذا كانت
الموهبة- في نظر كثيرين- هي الأساس فماذا عن الصنعة؟
البسيوني:
يتوقف
هذا على معنى الصنعة وماذا تقصد بها، فإن أردت بها صقل الموهبة بالدراسة وتتبع
الأعمال الجيدة، وعرض الأعمال الإبداعية على موازين النقد الصادقة والموضوعية، فإن
هذه الصنعة ضرورة لا فكاك منها.. فالموهبة في الإبداع كالأساس للبناء، والجذر
للشجرة، فكما أن الجذر وحده لا يسمى شجرة، والأساس وحده لا يسمى دارًا، فإن
الموهبة وحدها قعقعة ولا طحين، ورغبة ولا قدرة، أما لو اجتمعت الموهبة مع الصقل
والدرس، فسيقوم بناء إبداعي بديع، وسيستطيع المبدع- أيًّا كانت موهبته- أن يقدم
لمساته الخاصة، وعطاءه المتميز غير المسبوق. فالموهبة بلا صقل زينة خداعة وسراب
خلب، والصنعة بلا موهبة تكلف وسماجة وإنتاج ركيك يمجه الذوق ويلفظه الوجدان. وإن
أردت بالصنعة الصبر على العمل الفني، وتكرار النظر فيه، والقيام على معالجة جوانب
الضعف أو التكرار أو توارد الخواطر، فهذا وإن كان يحرم العمل الفني من العفوية،
إلا أنه في النهاية يمكن أن يعطي بناء إبداعيًّا محكمًا يصمد أمام النقد، ويشق
لنفسه طريق البقاء. وأين منا مبدع يجمع بين العفوية وتماسك العمل وقوة بنائه في
زمن ابتلينا فيه بشعراء لا يحسنون النحو- في أولياته- وقصاصين يهربون إلى العامية-
إفلاسًا وقلة حيلة، ومخدرين لا يأتي عطاؤهم إلا تحت سلطان المخدر؟!
الحاذقون كمصانع الملابس الجاهزة!
المجتمع: وماذا عن الصنعة إن أردنا
بها الحذق والتمرس الذي يعين الشاعر على الإنتاج السريع؟
البسيوني:
أنا
أزعم أن كثيرًا من الحاذقين يقعون في مشابهة لصيقة لمصانع الملابس أو الأحذية
الجاهزة التي تخرج مئات القطع في وقت وجيز، لكنها تكون جميعًا متشابهة، ويمكنك أن
تتصفح دواوين بعض المشاهير الذين يقرضون الشعر من عقود كثيرة، فإنك لَواجد قاموسهم
اللغوي معادًا مكررًا وصورهم الفنية هي هي- وإن اختلفت عناوين القصائد وتواريخ
كتابتهاـ وإنك لتسمع القصيدة الجديدة من بعضهم فتحس أنك سمعتها من قبل مرات كثيرة،
وأنها مكررة في أعمال الشاعر نفسه، ربما مع اختلاف العنوان أو الروي!
الكتابة وعي وليست غيابًا عن الوعي
المجتمع: هل تولد القصيدة لديك في
اليقظة أم يأتي بعضها منامًا؟
البسيوني:
الإبداع
حالة من التحفز والتألق الفكري، والانقداح الذهني المتميز، وبدهي أن هذا يحصل يقظة
لا منامًا، ولو حصل شيء منه في المنام- ويحدث أحيانًا- فاعلم أن العقل صاح، والنوم
غير مطلق، بل إن المرء يكون في حالة التحفز هذه وإن نامت عيناه، إذ يبقى القلب
يقظًا مستوفزًا ولعلك تسلم معي أن الإنسان قد يكون منشغلًا بشيء، مهتمًّا له،
فيجده في أحلامه، وربما وجد له حلولًا، وانكشافات لم ترد على باله حال اليقظة.
المجتمع: هل حدث معك شيء من ذلك وخضت تجربته؟ البسيوني:
تمر
بذهني قصائد كاملة- وأفكار كثيرة- وأنا نائم، وأظل أعدل فيها، وأحذف كلمة، وأثبت
أخرى، وربما ضبطتني زوجتي وأنا أكتب- حال النوم- بأصابعي المجردة بعض الكلمات أو
العبارات على المخدة، فالكتابة وعي وليست غيابًا عن الوعي. المجتمع: ما هي رؤيتك لمن يفضل الإبداع وهو في غيبوبة؟ البسيوني:
أندهش حين أسمع عن كتاب يدخلون أنفسهم في غيبوبة عقلية- إذا أرادوا الكتابة
مستعينين بالمخدرات.. ولا أندهش حين أرى هذه الأعمال هذيانًا واجتراء وتطاولًا،
وصدق القائل: وكل إناء بالذي فيه ينضح.
الشعر سلطان!
المجتمع: هل هناك علاقة بين
الموهبةـ قوة وضعفًا- وإصرار شاعر على طقوس محددة للكتابة الشعرية؟
البسيوني:
لا أشك
لحظة أن الشاعر لو طرق خاطره بيت من الشعر، فإنه سيحاول تصيده وتسجيله على أول شيء
تقع عليه عينه جريدة أو ورقة ملقاة على الأرض، أو «نوتة» صغيرة في جيبه، أو- حتى-
على راحته وذراعه، إن استطاع، كي لا يطير صيد عزيز المنال، لأن لحظة الإبداع
عزيزة. وأنا لا أتخيل شاعرًا صادقًا يحرص على أن يحيط نفسه بجو معين- متكلف- اللهم
إلا إذا كان «صاحب كيف» فهؤلاء لهم إخوانهم الذين يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون.
وأعني بذلك ما سمعته أن بعضهم لا يستطيع الكتابة إلا في جو من الموسيقى مُشعلًا سيجارة
تلو الأخرى، أو ربما تعاطى شيئًا يهيج شيطانه. والأصل أن الشاعر لا يستدعي
الشعر- حتى لا يقع في التكلف- لأن الشعر سلطان، والشاعر الحق- بمعرفته نفسه- يأنس
منها أنه مهيأ للكتابة فيجلس، وقد تقع في ذهنه الخاطرة فيبني عليها، ويستولد لها
الإطار الفني اللائق بها، ولا تنس أننا نتكلم عن أنفاس إبداعية طاهرة، غير مشوبة
بخلط ولا هذيان، فلا طقوس لديها.. ولا يحزنون.
الشاعر ليس جهازًا.. والمعوقات
الصليبية والشللية
المجتمع: ما هي اللحظات أو المواقف
التي تعوق عملية الإبداع الشعري، وما هي تلك التي تدفعه؟
البسيوني:
ليس
الشاعر جهازًا إلكترونيًّا، تضغط على زر من أزراره فيسيل منه العطاء، ويتدفق
الإبداع ولكنه- أولًا وثانيًا وعاشرًا- إنسان والقريحة ليست قطعة إسفنج مشبعة
يضغطها صاحبها فَتَنز ماءً، ولكن الشاعر ذو حالات: فهو أحيانًا يتدفق كالشلال
الهادر، حتى أنه لَيَسْتَعْصِي عليه أن يلاحق الكلمات والصور والأخيلة التي تنهمر
من علياء أفكاره.. وقد يكتب صفحات طوالًا، -دون توقف- يُذكر وأحيانًا أخرى تسيل
قريحته، مطمئنة كالجدول الرقراق، هادئة منسابة، بينما هو- في أحيان ثالثة- تستعصي
قريحته حتى لو رجاها وألحف في الرجاء، فلا تطاوعه كلمة، ولا يَمُنُّ خياله عليه
بصورة. وهذه أمور نفسية خاصة بكل شاعر- فيما أعتقد- لا يستطيع ضبطها إلا بخطوط
عامة وملامح غير دقيقة، فقد يُحفِّز شاعرًا ما يثبط الآخر، وقد يسيل أحدهم قريحته
بجو اصطناعي مرفوض لا يستبيحه آخر تدينًا أو مروءة، وقد يلمح شاعر- في حدث أمامه-
ملمحًا لافتًا- يهيج قدراته، ويستنفر شاعريته، بينما يرى الآخر في ضده ملهبا
للخيال.. وقد يلتقيان في الإعجاب بشيء واحد، ينظر كل منهما إليه من زاوية مختلفة
تمامًا عن الزاوية الأخرى التي نظر منها الآخر. خذ حدثًا بعينه- أي حدث- فقد تجد
شاعرًا مدحه وشاعرًا قدح فيه.. والحدث هو هو لم يتغير..
المجتمع: هل يمكنك أن تُمَثِّل لذلك
بحدث أثر في الشعراء ذلك التأثير؟
البسيوني:
الحروب
الصليبية اعتز بها الشعراء المسلمون، وتغنوا بها، واحتفلوا ببطولات فرسانهم فيها،
بينما نسج الضمير الأوروبي- رغم الانكسارات المتتابعة لهذه الحملات وارتدادها على
أعقابها مهزومة مدحورة مذمومة- نسج منها بطولات وملاحم وخوارق قام بها الفرسان
الصليبيون «المنهزمون»، ومنها أنشودة رولاند Roland Song وما ماثلها من الأشعار الملحمية. وقد ينشط شاعر تحت وطأة أزمة يمر
بها، أو تدور حوله، فيتفتق خياله عن رؤية إبداعية، بينما لا يطيق غيره أن يكتب تحت
وطأة ضغط نفسي أو ابتلاء عابر. وعلى كل حال فربما كان ذلك من أكبر المعوقات التي
تجفف الينابيع الإبداعية في النفس.
المعوقات الشخصية والوظيفية
المجتمع: طبقًا لتجربتك الإبداعية
هل يمكننا أن نتوقف عند المعوقات التي تقف أمام عملية الإبداع الشعري، خاصة إذا
اقترنت بتجربتك الثقافية؟
البسيوني:
سوء
التقدير والجمود الذي يمكن أن يتعرض له المبدع، مما قد يدفعه إلى دفن أعماله
السابقة والتوقف عن إبداعات لاحقة، كما يُحكَى عن أبي حيان التوحيدي الذي أحرق
مؤلفاته، وكأبي الحسين الجزار الذي هجر الشعر إلى الجزارة قائلًا: كيف لا أشكر
الجزارة *** ما عشت طلابًا وأرفض الآدابا وبها صارت الكلاب ترجيني *** وبالشعر كنت
أرجو الكلابا ومنها المشكلات الشخصية من فقر شديد أو مرض معجز، أو أعباء زائدة
تزرع في نفس الشاعر القنوط، وتحصر إبداعاته- في كثير من الأحيان- في الشكوى أو
التمرد والخروج. ومنها عدم تفرغ المبدع- ولو جزئيًّاـ للإبداع، وشغله بأثقال
وظيفية رتيبة تضجره وتُهيل على إمكاناته التراب كما حصل مع حافظ شاعر النيل الذي
قل إبداعه كثيرًا لمَّا استقر موظفًا بدار الكتب المصرية، وإذا لم يحصل هذا فإن
الشاعر لا يمكن أن يكون جيدًا في وظيفته وسيقصر فيها، وفي واجباتها، كما كان من
الرافعي- رحمه الله- الذي كاد يُفصَل من وظيفته بسبب كثرة غيابه وتقصيره لولا أن
أكرمه الله بمفتش مفكر وشاعر هو حفني بك ناصف الذي طلب أن يمارس وظيفته كما يشتهي
لأن مثله لا يُقيَّد بقيود الوظيفة وأعبائها الثقال. كما أن الضغوط السياسية التي
كثيرًا ما تقصف القلم- إن لم تقصف الرقبة- لتصيب المبدع بالشلل والإحباط والجمود..
وأخيرًا الشلليات الأدبية التي تسد الطريق في وجوه بعض المبدعين نتيجة انتماءات
وولاءات فكرية أو سياسية أو مالية، مما يحجب قدرة كثيرين من أصحاب القدرة، وقد
يمنعهم ذلك عن الاستمرار في العطاء.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل