العنوان الشعر في صدر الإسلام.. الأصمعي: حسان بن ثابت أحد فحول الشعراء
الكاتب د. محمد عادل الهاشمي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1978
مشاهدات 80
نشر في العدد 397
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 30-مايو-1978
في طريقنا ونحن نستعرض النصوص الشعرية لعصر صدر الإسلام تتراءی أمامنا دراستان متخالفتان لهذا العهد، فهناك من أولی عصر الرسول- صلى الله عليه وسلم- كل عناية ورأى فيه ذروة شعر هذا العصر، وعبر عن أسفه لخمول الشعر بعده، بحجة أن ظروف الفتح والانهماك في مهامه ومشاقه غير مواتية لقول الشعر.
وهناك في الطرف الآخر من أولى شعر عصر الفتوح عنايته، ووجد في ميادين الجهاد المتنفس والمنطلق للشعراء الذين سكتوا في مطلع عصر صدر الإسلام- على حد زعمه- ورأى في الفتوح الميدان الذي تألقت فيه شاعرية الشعراء.
وفي رأيي إن الطريقين متكاملان، وأن كلا الميدانين في عهد الرسول وعهد الفتوح كان خصبًا مزدهرًا بالشعر، غزيرًا حافلًا بالقوة.
وهكذا ظل الشعر في هذا العصر متقد الجذوة متصل الأنقاد وإن تنقلت میادینه واتسعت أغراضه.
ونشرع اليوم باستعراض النتاج الشعري في عصر الرسول، فيتراءى أمامنا شعراء أفذاذ، نال فريق منهم حظًا من عناية الدارسين، ونظم في سلك فحول الشعراء، ولكنه ظل بمنأى عن التقويم الصحيح المنصف، وأما الفريق الآخر من الشعراء فقد ظل مغمورًا يمر به الدارسون مرورًا عابرًا، يدرس منفردًا ويترجم له بإيجاز كشاعر في عصر انتقالي.
وعلى العموم لم يقيض لهذا العصر من يدرس شعراء من خلال الفكرة التي حملوها والتيار الذي يمثلونه، ولا يزال هذا الموضوع بكرًا يرتقب الدراسة المتأنية والبحث الدقيق أما الفريق الأول وهم الشعراء الفحول، في تقويم النقاد، فحسان بن ثابت، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وهم شعراء الرسول المنافحون عنه، الذائدون عن عرين الإسلام، حين تصدى للإسلام ورسوله الشعراء الكافرون، ولكن اسم حسان بن ثابت تألق أكثر من صاحبيه لأسباب عديدة منها إن شعره كان ملائمًا للمهمة التي أوكل بها آنذاك، وهي الرد على الشعراء الكفرة بأسلوبهم وطريقتهم، مستخدمًا في ذلك براعته بالهجاء، فكان يتخذ سبيل الطعن في أحسابهم التي يعتزون بها، فيعيرهم بالأيام التي هزموا فيها، مما ينال من عزتهم الجاهلية.
كان حسان بن ثابت أحد فحول شعراء الجاهلية، وكان بيته بیت شعر، فأبوه وجده، وابنه وحفيده كلهم شعراء.
تكونت شاعريته في الجاهلية، وبرع في كافة أغراضها وتصرف. كان شاعراً مطبوعًا غزير النتاج، أثنى على شعره من النقاد أبو عبيدة والأصمعي وعمرو بن العلاء والأصفهاني، وأقر له من الشعراء بالفحولة الحطيئة والنابغة والأعشى، قال الحطيئة: أبلغوا الأنصار إن شاعرهم أشعر العرب حيث يقول:
يغشون حتى ما تهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
وإن كان الأصمعي يدعي مرة ضعف شعره في الإسلام بقوله: «الشعر آخر بفحولة حسان، وينفي عنه كل لين وضعف، حيث يقول: «حسان بن ثابت أحد فحول الشعراء» فيقول له تلميذه أبو حاتم: «تأتي له أشعار لينة» فيرد الأصمعي مبرئًا شعر حسان من اللين والضعف: تنسب له أشياء لا تصح عنه.
كان حسان من المعمرين، فقد عمر في الجاهلية ٦٠ سنة وفي الإسلام مثلها، وقد ساهم هذا العمر المديد في غزارة شعره، وتسجيله لأحداث التاريخ الإسلامي حيث لم يدع مناسبة إلا وقال فيها شعرًا، وقد ضاع من شعره الكثير. دخل حسان في الإسلام، وشارك في معرکته بلسانه، فانبری يهجو المشركين بلسانه اللاذع ورسول الله يدعو له ويحثه على ذلك قائلًا: «لهذا أشد عليهم من وقع النبل»، كما قال- عليه الصلاة والسلام- موضحًا دور حسان المتميز في دفاعه عن دعوة الإسلام بشعره: «أمرت عبد الله بن رواحة فقال وأحسن، وأمرت كعب بن مالك فقال وأحسن، وأمرت حسان بن ثابت فشفى واشتفى». ولعل خير ما تقدم لشعره، آفاق تصور حسان لمهمة الشعر الجديدة في الحياة، وعساه اقتبس ذلك من طبيعة الدعوة الإسلامية، التي تكد يقوى في الشر ويسهل، فإذا دخل في باب الخير لان وضعف، هذا حسان فحل من فحول الجاهلية فلما جاء الإسلام سقط شعره» فالأصمعي نفسه يتراجع.
هذه النظرة حينما يعترف في مكان تجعل الصدق قرين الإيمان في الحديث النبوي المشهور: «وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا» فالصدق عند حسان قيمة كبرى وكل بها فن قوله، وأزال من الأذهان شبهة الكذب في الشعر، التي أخذنا نسمعها فيما بعد في شعار: «أعذب الشعر أكذبه» وربما كانت مقاييسنا النقدية تشايع حسانًا وتناصره، إذ تؤكد صدق التعبير عن التجربة الشعرية وصدق المشاعر كشرط أساسي في تقويم كل أثر فني وفي ذلك يقول حسان:
وإنما الشعر لب المرء يعرضه
على المجالس إن كيسًا وإن حمقًا
وإن أشعر بیت أنت قائله
بيت يقال إذا أنشدته صدقًا
ويعقد حسان سبيلًا من القول يترجم فيه نصرة قومه للرسول ويعرب عن تكريس نفسه وعاطفته وشعره لصاحب الرسالة، فيكون بحق شاعر الرسول. وها كم الأبيات الجزلة الجميلة التي يروي فيها قصة إيواء الأوس والخزرج لرسول الله وتبنيهم لدعوته وتعهدهم بالذود عنه وعن رسالته، حماة أقوياء، ما عرفوا إلا الظفر والانتصار والسبق في ميادين الحرب والسلم، يقول فيها:
آتانا رسول الله لما تجهمت
له الأرض، يرميه بها کل موفق «۱»
فكنا له من سائر الناس معقلًا
أشم منيعًا ذا شماریخ شهق «۲»
مكللة بالمشرفي وبالقنا
بها كل أظمى ذي غرارين أزرق «۳»
تذود بها عن أرضها خزرجية
کأسد كراء أو كجنة تمنق «٤»
(1) موفق: رام.
(۲) شماريخ: رؤوس مستديرة طويلة دقيقة في أعلى الجب.
(۳) الأظمى: الرمح الأسمر، وغرار السنان: حداه.
(٤) كراء وتمنق: موضعان. الجنة: الجن.
تؤازرها أوسيه مالكية
رقاق السيوف كالعقائق ذلق (1)
نفى الدم عنها كل يوم كريهة
طعان کتضريم الآباء المحرق (2)
وإكرامنا أضيافنا ووفاؤنا بما كان من آل علينا وموثق (3)
فنحن ولاة الناس في كل موطن
متى ما نقل في الناس قولًا نصدق
ويصور حسان، فيجيد في قصيدة أخرى، مكانة الأنصار في نصرة الرسول ودعوته، ويستهلها على الطريقة القديمة بالمطلع الجاهلي:
أهاجك بالبيداء رسم المنازل
نعم، قد عفاها كل أسحم هاطل (4)
وبعد أن يقف على الأطلال، وبعدد مآثر قومه ومفاخرهم، ينقل إلى غرضه الأصيل، فيحدثنا بجزالة متينة ونفس ملحمي بقوله:
نصرنا وآوينا النبي وصدقت
أوائلنا بالحق أول قائل
وكنا متى يغز النبي قبيلة
نصل حافتيه بالقنا والقنابل (5)
ويوم قريش إذ أتونا بجمعهم
وطئنا العدو وطأة المتثاقل (6)
وفي أحد يوم لهم كان مخزيًا
نطاعنهم بالسمهري الذوابل
ويوم ثقيف إذ أتينا ديارهم
كتائب نمشي حولها بالمناصل (7)
ففروا، وشد الله ركن نبيه
بكل فتى حامي الحقيقة باسل
وأعطوا بأيديهم صفارًا وتابعوا
فأولى لكم حداة الزوامل (8)
وأي جديد ليس يدركه البلى
وأي نعيم ليس يومًا بزائل
(1) شبه السيوف الرقيقة بالعقائق أي بأشعة البرق اللامعة وسط السحاب- ذلق: وصفًا للسيوف الحادة الماضية.
(2) الآباء المحرق: غابات القصر الملتهبة شبه بها الحرب.
(3) الآل: العهد.
(4) الأسجم: الحساب الأسود.
(5) القنابل: جمع قنبلة بفتح القاف: الطائفة من الخيل.
(6) وطأة المتثاقل: يريد بذلك احتقارهم.
(7) يوم ثقيف: يوم الطائف سنة ثمان للهجرة- المناصل: السيوف.
(8) أعطوا بأيديهم صغارًا: استسلموا وذلوا- حداة الزوامل سوق الإبل والغناء لها.
ولعلنا نلاحظ إن هذه القطعة الشعرية ذات قيمة فنية وتاريخية فقد جمعت إلى الحديث عن أيام الإسلام العظيمة، التي انتصر فيها الإسلام على الجاهلية، إنها على مستوى فني يضارع بل يفوق نفس الشعر الجاهلي في هذا الميدان.
ولكن نظل مع هذا محتفظين ببعض ما كنا نتطلع إليه في قصيدة رائعة كهذه، يترجم فيها شاعر الأنصار مضامر قومه وبذلهم واستعدادهم، فنتساءل: هل أدت هذه القطعة وسابقتها الغرض الفني، في ظلال القيم الإسلامية والحياة الجديدة لا.
وهل عكست تلك القيم السائدة الحياة الإسلامية على صفحة الفن والشعر، فيما خلا قيم النصرة والتصديق، والاقتباس من القرآن في قوله: ﴿أولى لك فأولى﴾ (القيامة: 34).
قد يعتذر البعض للشاعر بأن طبيعة موضوعة لا تلزمه بتصوير القيم في موطن المعاضدة والكفاح ولكن يظل السؤال التالي قائمًا: لم عاضد الأنصار، ومنهم الشاعر، رسول الله؟ وما هي الحوافز والدوافع التي جعلتهم يتبنون هذه الدعوة، ويستقبلون الأخطار في سبيلها؟
ولعل الأبيات في القصيدتين تروي قصة النصرة، وتسكت عن ترجمة الرصيد الشعوري الذي دفع النفوس للموت عن رضا واغتباط فهل أجاب حسان عن ذلك في قصائد أخرى؟
هذا ما سيكون ميدانًا للحديث القادم إن شاء الله.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل