العنوان الشعوبية قادمة: مشكلة النزاع بين السنغال وموريتانيا
الكاتب عبيد الأمين
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 916
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 16-مايو-1989
الأحداث المأساوية التي شهدتها السنغال أثارتها مجموعة (الفرانكو) الفرنسية الثقافية خوفا من سيادة الثقافة الإسلامية.
فرنسا تبني وجودها في إفريقيا معتمدة على توسيع الشقة بين العرب والأفارقة.
أحداث العنف المتبادل التي شهدتها مؤخرًا كل من العاصمة السنغالية داكار والعاصمة الموريتانية نواكشوط دللت على ثغرات بالغة في الأوضاع الأمنية بين دول الجوار العربية الإفريقية، وعلى المستويين الإقليمي والقومي، فقد اصطبغت الأحداث بطابع استفزازي مشحون بترسبات النعرة العنصرية مما أضحى معه الحديث عن حسن العلائق وترابط الشعوب نغمًا نشازًا لا يكاد يخلص إلى مبرراته الأساسية..
فقد كانت درامية الأحداث المأساوية الشاهد والنتائج، ففي البدء كان الحادث مجرد واقعة فردية، اشتباك في الحدود بين مزارعين ورعاة من مواطني البلدين أسفر عن موت شخص من السنغال، وحدث متكرر لا يلفت انتباه سلطات الأمن المحلية، وإنما قد يعالج وبكل بساطة في المخافر الحدودية، غير أن الاشتعال المتولد عنه يتم عن لا معقولية التلقي والتقويم لحجم الأحداث فاشتعلت الفتنة العصبية في داکار وهجمت جموع غفيرة من العامة ورواد الشغب على المنطقة التجارية الرئيسة في العاصمة السنغالية، واختلت دواعي الأمن وساد الهرج والسلب والنهب وكانت الضحية التجار الموريتانيين والمنشآت التي يمتلكونها وسقط من الضحايا ٥٠ أو أكثر - لا أحد يملك حقيقة الإحصاء وسبق جموع غفيرة من المواطنين الموريتانيين إلى المركز الإسلامي الإفريقي في داكار طلبًا للحماية، كما احتمى آخرون بالسفارة الموريتانية وبعض المساجد الكبرى، وفي الجانب الآخر استاء سكان نواكشوط من رد الفعل اللامعقول لمقتل أحد الرعاة السنغاليين وانتشرت روح مماثلة لتلك العدائية الفجائية، وقامت أسباب العنف فضرب بعض العمال السنغاليين المقيمين في نواكشوط وربما تعرض بعضهم للموت، وهكذا تشاكلت ردود الفعل معرضة علاقات جوار شهدت تمازجًا وتلاقحًا ما كان في الحسبان تهزه مثل ذلك الحدث الفردي... وهنا تبدو عدة تساؤلات منطقية عن مبررات الانفجار الشعبي ذي السمة الشعوبية بين جارتين مسلمتين ودلالات الصمت الرسمي في الدولتين بل أكثر من ذلك الردود المتماثلة حتى لا يكاد المحكم يجد ما يرافع عن المخطئ والمصيب!! ورغم كل هذا فإن المسألة لم تكن وليدة لحظتها وإنما ساعدت تراكمات الماضي في استعار أوارها...
الحدود:
نظرًا للقسمة الاستعمارية في ترسيم الحدود بين الدول الإفريقية وما اتسمت به من فقدان الموضوعية فإن نهر السنغال اعتبر الحد الفاصل بين السنغال في الجنوب وموريتانيا في الشمال، بغض النظر أن سكان الإقليمين لم يتخذوا من النهر فاصلًا بينهم، وإنما كان أحد أسباب التواصل، فالأكثرية من السنغاليين سكنوا في تخوم إقليم موريتانيا قبل مجيء المستعمر الأبيض، ويوم أن كانت الدولة الإسلامية في المغرب لا تفرق بين المسلمين إلا بتقوى الله وتمثل الحسنى والعمل الصالح... والعرب بعامة كانوا يمثلون على الدوام حملة وحفظة الرسالة الإسلامية وكانت إفريقيا الغربية والوسطى تكن احتراما واسعًا لسكان الشمال المسلمين العرب منهم والمستغربين لما يمثلونه من وعي ودعوة في سبيل الله ولهذا كان يطلقون عليهم لقب الأشراف، وكان من الطبيعي أن تجد شريفا موريتانيًا أو جزائريًا يحظى بسلطة روحية في أي من دول المغرب الإفريقي تضاهي السلطة المركزية هيبة ونفوذًا، وحتى بعد خروج المستعمر فإن عائلات من أصول جزائرية أو ليبية أو موريتانية ما زالت تتمتع بوضع قيادي في مجال الدعوة غير أن المستعمر ومن سلك نهجه زلزل تلك الصورة المشرقة وسعى لإفساد صورة العربي المسلم الداعية ليطمسها بالعربي التاجر والمستنزف لموارد الدول الإفريقية المتعالي بنسبه وأصوله على الأفارقة الزنوج، وهكذا أعيد صياغة الحدود لتشكل فاصلًا يصعب التواصل عبر حواجزه واحتمت دولة الإقليم المتصل في موريتانيا والسنغال إلى عزلة بتضخم مع مر الأيام معتمدة على التفرقة الإثنية العرفية وما يتصل بها من اختلاف في اللسان واللون والجنس، وبدأت العرقية تنمو وسط الأقليات العرقية في كل البلدين فما عاد الموريتاني (المعلم والشريف الذي تحصل بصحبته (البركة) وتنشر - بفضل مجهوداته علوم الفقه المالكي وتربية المشايخ والصوفية، كما أن الإفريقي الزنجي في جنوب موريتانيا لم يعد هو الآخر يحس بإخاء الإسلام الذي جمع بين المسلمين في بوتقة الإخاء دونما تفرقة عرقية لونية، ومن آثار تلك المشاعر التي تحولت إلى مفاهيم وقواعد اتسعت شقة اللقاء بين مسلمي السنغال وموريتانيا وتحول الجوار إلى لقاء خلاف بدلا من لقاء إخاء وتواصل لهذه القضايا جذورها السياسية والدولية.
المعارضة:
منذ سنتين تقريبًا فشلت محاولة عنصرية الاستيلاء على السلطة في موريتانيا وكان مؤشرات الحدث تنم عن حجم الاغتراب الذي يلقاه المواطن الإفريقي غير العربي في موريتانيا، فقد كانت قيادة الانقلاب تنتمي إلى قبيلة التكارير الإفريقية والتي لها فروع في السنغال والذين يعيشون في الجنوب الموريتاني ومن يومها بدأت معزوفة النشاز على أوتار النعرات الشعوبية تخرج جهارا نهارا على الملأ لتتهم سكان موريتانيا العرب بأنهم يضطهدون إخوانهم الزنوج، والتفتت الأوساط المعارضة في السنغال للوضع الذي أفرزه الاحتكاك بين الزنوج والعرب على السلطة في موريتانيا، وبدأت المعارضة في السنغال تنادي بضرورة إعادة التوازن المفقود في الخطاب الموريتاني ذي المفردات الأحادية والذي يرفض الوجود الإفريقي في أرضه بهذا التضخم وبدأ إعلام المعارضة السنغالية التي يمثلها الحزب الديمقراطي بقيادة (عبد الله ولد وادي) يغذي طويلًا عن السنغال بالعصبيات الشعوبية وعاد يسترجع التاريخ ويقف طويلًا عند لحظات الضعف المظلمة والاسترقاق للعنصر الإفريقي، وازدادت بذلك الحساسيات وتعمقت هوة المفارقة وعظمت دلالاتها، وبتجاوز مرحلة الالتهاب النفسي والاستعداء ضد العرب الموريتانيين جاءت مرحلة النقد للتوجه الحكومي الرسمي، فدعت جريدة الحزب الديمقراطي المعارض في السنغال إلى ثورة ضد (البيضان) أي الموريتانيين، لأن ذلك يؤدي إلى ثورة على الاستكانة والذل وبحسب زعمهم، ودعت إلى تصفية الوجود التجاري الموريتاني في السنغال، واعتبرته جزءًا من سلوك استعماري وهكذا كانت أدوات التعبئة الإعلامية والسياسية تؤجج الفتنة العصبية وتراودها كوابيس الانتقام وقد زاد من إمكانية الاستجابة لتلك الدعاوي في أوساط السنغاليين الأوضاع الاقتصادية القائمة والتي تجعل حتى رجل الشارع البسيط يفكر في مسببات شفائه والتي تبرعت جريدة وسياسة الحزب الديمقراطي بتبيانها.... فالموريتانيون يمتلكون أكثر من 95.000 منشأة اقتصادية كما أن ٦٠٪ من تجارة التجزئة بيدهم وهو وضع يثير الغيرة ويغري بالمراجعة من أجل الحقوق الوطنية - اللغة السائدة بعد سيطرة الإقليمية - فالقضية ليست نظرية ضيقة الاتصال بالواقع ولكنها قضية بيئة المعالم بارزة في النطاق الاقتصادي على وجه الخصوص وغير الاستخدام لهذا العنصر كان أكبر بكثير من حجمه وذلك بسبب النضج السياسي العنصري وربما استغلال آخرين للحقائق والأوهام في إطارها الشعوبي....
أصابع دولية:
تعد السنغال واحدة من دول الغرب الإفريقي المعتبرة في السياسة الفرنسية وهي تنتمي ثقافيًا إلى المجموعة (الفرنكوفونية الناطقة باللغة الفرنسية ورئيسها السابق (المسيحي) ليوبولد سنغور بعد الأجنبي الوحيد في مجمع الإقليمية الفرنسية العليا وعضو مجمع الخالدين وأحد الرموز التي عملت فرنسا إلى تجليتها عالميا تمهيدا منها لخلق القبول لدى الأفارقة والزنوج، وسنغور صاحب نظرية عنصرية تضخم من الجانب العرقي الإثني في الإنسان الإفريقي خاصة، وبمجيء الرئيس (المسلم) عبدو ضيوف بدأت مرحلة الربط (الفرانكو) تضمحل أو إنها لا بد آيلة لذلك فالرئيس والحزب الحاكم يدعو للتقارب مع المسلمين والعرب من باب أولى، وبدرجة تجعل من السنغال دولة داعية إلى التضامن الإسلامي، فهي الدولة المضيفة للقمة الإسلامية لدول المؤتمر الإسلامي في سنة ۱٩٩١، وهذا الحدث له دلالاته الإقليمية في غرب إفريقيا والوطنية، حيث إنه يشكل تظاهرة إسلامية كبرى تدفع بالعمل الإسلامي والانتهاء الإسلامي إلى مشارف كيري وهو أمر مخيف على الاستراتيجية الفرنسية بالإضافة إلى أن الدول الغربية بعامة وفرنسا بخاصة تتخوف من (الاتحاد المغاربي) وتخوف أصدقاءها الأفارقة من تلك الخطوة التي يجعل من دول الشمال قوة ضاربة ربما تنفرد بالدول الإفريقية المجاورة لفرض سياستها... ولعل هذا ما حدى بالفرنسيين إلى إرسال ۱۲۰۰جندي من المغاوير إلى السنغال، وتأتي هذه الاضطرابات لتضع بعض الحواجز بين الدول العربية الإسلامية وبين السنغال وخاصة دول اتحاد المغرب العربي، وهو ما يبذر في أرض القمة الإسلامية قليلا أو كثيرا من الأشواك وهو هدف المجموعة (الفرانكوفونية) حتى لا تتسع دائرة التعامل مع الثقافة والحضارة الإسلامية مما يؤثر مباشرة على جهودها الفكرية..
وهو موقف يجد الترحيب من أعداء المسلمين بدءًا بالولايات المتحدة الأمريكية وانتهاءً بالكيان الصهيوني، وهذا ما يجعلنا إذًا لا نستبعد العنصر اليهودي من النفخ في الفتنة العنصرية... وأما الفرنسيون فإن مشروعهم تجاه إفريقيا جنوب الصحراء شديد التصعيد تجاه الإسلام والعروبة وهو موقفها في تشاد وفي جنوب السودان وفي إفريقيا الوسطى وأخيرًا السنغال.....
فتنة شعوبية:
إن علائق التواصل بين العرب المسلمين وإفريقيا كانت باستمرارهما مسيحيًا أوروبيًا طاغيًا فإن أوروبا الغربية تحذر لقاء الفكر والمصالح بين إفريقيا جنوب الصحراء وشمالها، حيث العرب المسلمون ولهذا كانت حريصة على خلق الإشكاليات في جنوب السودان منذ بدايات عهد الاستعمار وحتى يومنا هذا، كما أنها زرعت أسباب الشقاق بين ليبيا وتشاد منذ عهود سابقة وتوجهها بالوجود الفرنسي الأمريكي الضخم إبان السنوات الأخيرة - الثمانينيات - ويمكن في هذا إضافة الحرب الصومالية - الحبشية ومشكلة الاستعمار الحبشي لإريتريا - العربية المسلمة - وفي ذات الإطار تأتي مشكلة زنجبار واغتيال ۳۰ ألف عربي مسلم إبان سيطرة الديكتاتور العميل عبيد كارومي، وتتفجر حاليًا قضية الوجود الموريتاني في السنغال ليضيف إلى ملف العلاقات أوراقًا قائمة... ويجيء سعي أوروبا الصليبية في اتجاه إشعال الفتنة العربية - الإفريقية منها لانتشار الثقافة الإسلامية التي كانت تسود إفريقيا جميعًا فمن المعلوم أن إفريقيا كانت تكتب لغاتها بالحروف العربية، كما أن الدين السماوي السائد فيها قديمًا وحديثًا هو الإسلام وما جاءت المسيحية إلا غطاء لتمرير الاستراتيجية الاستعمارية وهو موقف يستحق من الأمة العربية الإسلامية أن تستشعر خطر المخطط الأوروبي وتعمل على تلافي أسباب الفتنة حتى لا تشتعل حرب هوجاء تعود بالتاريخ الإسلامي القهقري..
فالمسألة ليست حدثًا عرضيًا عابرًا
وإنما هي جزء من استراتيجية لها تكتيكها وأولوياتها.…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل