; الشهرة الرخيصة | مجلة المجتمع

العنوان الشهرة الرخيصة

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 13-فبراير-1973

مشاهدات 20

نشر في العدد 137

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 13-فبراير-1973

هذه الأمة التي أثقلتها الهموم تتطلع نحو الأفق تريد أن تلمح شعاع الأمل.. وهي تقاسي من محن الضلال التي تتراكم عليها.. فلا تسلو لحظة حتى يعاودها الدوار مرة أخرى فتنتفض.. وتاريخ الأمم عوّدها أن الكبوة لا تدوم.. إذ لا بد لها من انتفاضة.. وأمتنا الآن تتفحص الطريق.. رغم كل عوامل الشك والظلام وما يراد بها.. من ترصد وإهلاك..

في هذه الأمة فريق من الناس وجد أنه مكلف بمهمة إخضاع النفوس واستغلال عقيدتها حتى لا تتمكن من النظر إلى المستقبل.. أو أن تفكر حتى لمجرد التفكير!

وما لعبه الاستعمار من دور لا ينكر.. إذ استطاع بطرقه الخبيثة أن يبث فكره وينفث سمومه واستطاع أن يبلغ مما يريد مبلغًا عظيمًا.. إن كان على صعيد عمله أو عن طريق صنائعه من أبناء هذه الأمة الذين رضوا بالحياة الدنيا مغنمًا دون الآخرة.. أو حتى لاعتبارات أرضية كان بإمكانهم أن يخجلوا منها.. تحتم عليهم حفاظ ذممهم من الخيانة. هؤلاء أرادوا الظهور.. وأرادوا الشهرة.. وتكفل الأعداء بذلك لأنهم يملكون أن يحدثوا أي انقلاب في حياة هذا البلد أو ذاك.

وتطلعت النفوس الضعيفة.. فالشهرة داء عالق بأهواء النفس.. ومن لا يريد الشهرة؟! أليست طريقًا إلى العظمة والمجد؟

وكانت بدايات.. تبعتها بعد ذلك المشاهد المتكررة إلى الآن.. والنقطة المركز التي خرقها هي الدين.. والمحور الذي يدار حوله هو سحب العقيدة من النفوس لتموت ويتجهز أصحاب المطامع ليقضوا أربهم.. ويكون للمشارك حصة إن وجد إلى ذلك سبيلًا.. إذ كثيرًا ما يخدع هذا المتحمس للهدم.. ثم تكون نهايته أنه من المطرودين!!

ولا يبعد الإنسان كثيرًا.. إذ يطالع في مجلة أو صحيفة أو كتاب فيجد العبارات المنمقة والكلمات المختارة في حق هؤلاء.. ففلان المصلح الاجتماعي الكبير الذي حطم القيود وخرج على مألوف الناس وتقاليدهم.. ثم يقلب القارئ صفحات كتاب آخر ليجد أن الشاعرة العبقرية قد قادت الثورة إلى تمزيق الحياء وأحدثت انقلابًا اجتماعيًا عظيمًا في المجتمع!

هؤلاء هم الذين يقررون تقاليد المجتمع وأعرافه.. وينهجون للناس سبيلًا نحو الهلاك.. ومع هذا فهم العظماء! آخرون فكروا في الشهرة ما دامت الشهرة بهذا الرخص ولا تكلف شيئًا..

خط أحدهم شيئًا من الكلام المفكك.. فإذا به شاعر -عند نفسه طبعًا- فلما نظر حواليه ووجد أن لا أحد يحس بوجوده على الصورة التي رسمها في ذهنه.. خمرته الفكرة التي بها يرقى هؤلاء.. وما عليه إلا أن يكون ملحدًا أو إباحيًا.. ما دامت المسألة بسيطة لا تعقيد فيها.. ولا أحد يحاسب عليها.. إذن فالموضوع لن يعطل شيئًا.. والمجلات على استعداد كما أن دور النشر تريد شهرة هي الأخرى!

ويخرج الشاعر عن المألوف أيضًا.. يبحث عن أهم نقطة قد تثير الناس وتقلقهم فيجد أن العقيدة -وإن وهنت في نفوس الكثيرين- لكنها كفيلة بأن تثير مشاعرهم.. فيصب كلماته الرديئة في هيئة سب وشتيمة.. ولمن؟ للذات العلية! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.. ويعرج على الإسلام مُعَرِّضًا به ومنتقدًا على صورة ما يصنع كل حاقد في الغرب أو الشرق..

وينبري له أصحاب النوايا الحسنة بالرد ومحاولة القصاص منه.. لكن الآذان المسؤولة تصم وتغلق بالطين والعجين.. ويصبح الشاعر بطلًا شارك في بناء المجتمع ونهضة الأمة! هذه هي العقليات التي تعيش بيننا وهي التي يحتفى بها ويقال إنها تصنع أدبًا نريد أن نطاول به الآخرين.

وهل تكون مطاولة الغير بهذا الأسلوب الذي يركن إلى هدم الداخل ليرى الناس في الخارج أنه العملاق الذي يصنع أساس البنيان العتيد!

وما يضاف إلى هذا تلك الأقلام التي تشارك -ادعاءً -بالفهم وبأنها ذات فكر ناضج، تشارك في تسطير المآثم في حق هذه الأمة.. في حق عقيدتها ودينها وربها.. هؤلاء أيضًا طبقة..

وأمر آخر.. ذلك موقف الرقابة في هذه الأمة فهي لا براءة لها مما ينتشر هنا وهناك من أمثال هذه الأمور.. لماذا؟ وما الذي صنعته الرقابة؟ وكيف تشارك في الوضع يا ترى؟!

الأمر جد يسير.. عندما يصدر ديوان الشاعر أو كتاب لأحد المخرفين تعلن الرقابة أنها منعت دخول هذا الكتاب إلى البلاد.. وتذيع هذا الكلام..

ويهمس الناس.. فأصحاب العقيدة الذين يعرفون واجبهم تسري في أنفسهم الراحة ويحمدون الله على وجود الذمة المحافظة المنتبهة.. ويتضايق المهزومون.. لأن ما يريدونه قد منع..

بعد فترة ينتشر الكتاب في الأسواق وتتلقفه الأيدي.. وتقرؤه الأعين النهمة.. لا لشيء إلا لأنه ممنوع.. وهنا تشارك الرقابة في ذلك..

إذن لماذا تمنع الكتاب ثم توافق على طرحه في السوق؟ أليس هذا من قبيل الدعاية له! وهذه النقطة أذكرها هنا وقد لمست حقيقتها أكثر من مرة.. واليوم أقرأ عن كتاب منع.. لكن يقيناً سيكون هذا الكتاب بعد فترة وجيزة من الكتب المتداولة..

هذا الشعر الشائع.. والذي بكتابته اهتز له الناس أكثر من مرة يعبر في طيات هذه النقمة القائمة على كاتبه عن أن روح العقيدة حية في القلوب.. وفي الضمائر.. لكن ران عليها ما ران من حب الدعة.. والخلود إلى الدنيا.. والتهرب من كل ما من شأنه أن يعيد الحياة الطبيعية مرة أخرى ليتنفس الإنسان الهواء النقي..

هذا الاعتداء السافر على معتقدات الأمة لا بد من كبحه ولا بد من وقوف الرقابة في وجهه بحزم ليتوقف.. ثم إن عدم اهتمامنا به سيميتُه ولن يجد له مكانًا في أدبنا الذي ننشده لإقامة أدب عريق يحيا على غرس الفضيلة.

الرابط المختصر :