; الشهيد الذي رحل قبل تحقيق حلمه بتصنيع صاروخ مضاد للطائرات | مجلة المجتمع

العنوان الشهيد الذي رحل قبل تحقيق حلمه بتصنيع صاروخ مضاد للطائرات

الكاتب وسام عفيفة

تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004

مشاهدات 38

نشر في العدد 1626

نشر في الصفحة 20

الجمعة 05-نوفمبر-2004

وسام عفيفة

«القسام».. «الياسين».. «البتار» و«البنا» أبرز إبداعات عدنان الغول

الشهيد الذي رحل قبل تحقيق حلمه بتصنيع صاروخ مضاد للطائرات

بصماته وآثاره باقية بقوة، من خلال السلاح الذي يحمله المجاهدون اليوم يقارعون به الاحتلال الصهيوني ومع كل تكبيرة مجاهد يطلق قذيفة الياسين، أو صاروخ القسام، يضرب أعداءه حتى بعد استشهاده، ليصبح ما ابتكره بمثابة صدقة جارية له.. رحل كبير مهندسي كتائب الشهيد عز الدين القسام عدنان الغول (46 عامًا) ومساعده عماد عباس يوم 8 رمضان الجاري بصاروخين أطلقتهما طائرة استطلاع صهيونية على سيارته في شارع يافا وسط مدينة غزة، ليحط أبو بلال رحاله في شهر رمضان المبارك كما كان يتمنى، حيث روت عنه شقيقته أنه دعا الله أن تكون شهادته في شهر رمضان بعد سيرة جهادية عظيمة.

الغول -الشهيد المطارد- استطاع أن يطور المقاومة الفلسطينية من خلال تصنيع أسلحتها محليًّا في ظل الحصار المفروض على الجهاد الفلسطيني، وشح السلاح الذي يقاومون به أقوى ترسانة أسلحة في الشرق الأوسط.

صاحب الحقيبة

بدأ عمله في إعداد وتصنيع السلاح من الصفر، ومن أول تجربة أجراها كان لديه إصرار غير عادي على أن تمتلك المقاومة السلاح، بكل تواضع كان يتحرك بين خلايا المجاهدين حاملًا حقيبته.

مجاهد قسامي من أوائل الذين عملوا مع الشهيد عدنان الغول يقول عن حقيبة المهندس التي لم تكن تفارقه: كان يضع فيها دائمًا ساعة فحص وأسلاكًا وأدوات كهربية، ويضيف: منذ بداية علاقتي به عام 1988م كان رحمه الله يحرص على تدريبنا على ما يعرفه، كان شعلة نشاط لا تكل، وبدأ يذيع صيته في صفوف الخلايا التي يتعامل معها حتى أصبح المرجعية في مجال التصنيع والسلاح في كتائب القسام بل مرجعية المقاومة الفلسطينية فيما بعد.

 النقلة النوعية في مجال السلاح التي تمكن الشهيد الغول من تحقيقها كانت في إعداد أول قنبلة يدوية، حيث اجتهد في تشكيل مادة  «TNT»التي كان يضعها في كأس حتى تأخذ شكل القنبلة، ورغم شح وضعف الإمكانات المتوافرة إلا أنه تمكن من تصنيع عدد من القنابل.

أحد مقاتلي كتائب القسام قال: القنابل اليدوية كانت بمثابة البذرة لكافة الأسلحة المصنعة محليًّا بعد ذلك، وأبو بلال كان أول من أقام مصنعًا لإنتاج القنابل اليدوية التي عمل على تطويرها في وقت لاحق بشكل فني وحرفي جعل إنتاج حماس من القنابل اليدوية يضاهي الأنواع الأخرى من القنابل المعروفة.

وأضاف المجاهد القسامي: من الأسلحة التي عمل عليها من البداية قذائف الأنيرجا، حيث أجرى تجارب لهذا السلاح قبل انتفاضة الأقصى واستطاع أن ينتج منه لاحقًا آلاف القذائف.

أبو صواريخ القسام

الشهيد عدنان الغول أبو بلال انطلق بعد ذلك في تصنيع السلاح فانتقل إلى تصنيع قذائف الهاون ثم عمل على مشاريع القذائف المضادة للدروع فصنع صاروخ البنا، ثم انتقل إلى محطة في غاية الأهمية في سيرته الجهادية من خلال تصنيع صواريخ القسام على مختلف مداها، حيث استحق لقب «أبو صواريخ القسام»، وقد جد في تحسين قدراتها خلال العامين الأخيرين وتفادي الأخطار التي يمكن أن تصيب المجاهدين والمتمثلة في طائرات الصهاينة التي كانت تستهدفهم، وبعدما كان يتم الإطلاق عن طريق الدائرة الكهربية التقليدية من خلال السلك تمكن الشهيد أبو بلال من تحويل الدائرة للعمل من خلال التوقيت، حيث يتم تحديد وقت الإطلاق وينصرف المقاومون من المكان، وبهذا لا تتمكن الطائرات من اصطيادهم.

ثم واصل أبو بلال عمله في مجال الصواريخ ولكن في اتجاه القذائف المضادة للدروع، فتمكن من تصنيع البتار الذي استخدمه المقاتلون في الاجتياحات وحقق نتائج جيدة في مواجهة قوات الاحتلال.

أما آخر المشاريع التي تمكن من إنجازها قبل استشهاده وظهرت بشكل متميز في تصدي المجاهدين للعدوان الصهيوني على شمال القطاع فهو سلاح الياسين، وهو مأخوذ عن فكرة أر بي جي2، فكان هذا السلاح فعالًا في المعركة، ومكّن المجاهدين من خوض اشتباكات ومعارك مع آليات الاحتلال أعطبت العديد منها، وينقل أحد المجاهدين عن أبي بلال أنه لن يهدأ له بال حتى يغرق قطاع غزة بهذا السلاح، أما المشروع الطموح الذي كان يعد له قبل استشهاده فكان الإعداد المشروع الصاروخ المضاد للطائرات، وهو ما لم يتمكن من إتمامه حيث كان مصممًا على تصنيع سلاح يواجه هذه الطائرات.

الشهيد عدنان كان دائمًا قريبًا من الخطر والشهادة؛ لأن الخطأ الواحد في عمله معناه الموت، وقد أصيب بالفعل في إحدى تجاربه حيث انفجر صاعق في يده مما أدى إلى فقدانه عددًا من أصابع يده.

المرجعية التصنيعية

أطلقوا على الشهيد الغول أيضًا أبو انتفاضة الأقصى التي صنع سلاحها ووصلت لمختلف الفصائل والمقاتلين، كما اشتهرت وانتشرت مقولة في أوساط مجاهدي كتائب القسام أن أبو بلال يستطيع أن يصنع من الرمل متفجرات.

لقد كان المرجعية الأولى في مجال الهندسة والتصنيع، حيث ترك خلفه مؤسسة من مئات المهندسين في التصنيع العسكري. وحول ذلك يقول أبو عبيدة القائد في كتائب الشهيد عز الدين القسام: إن الشهيد القائد عدنان الغول ترك بصمات كبيرة وخرّج المئات من المهندسين الذي سيواصلون الطريق من بعده وهم على أهبة الاستعداد أن يخلفوا قائدهم.. وأضاف أبو عبيدة الشهيد: أبو بلال هو كبير المهندسين القساميين، وهو العقل المدبر الذي يقف وراء عشرات المشاريع العسكرية التي كان آخرها قاذف الياسين، وهو سلاح مضاد للدروع استخدم في رد العدوان الأخير على شمال قطاع غزة وأثبت فعاليته. 

عدنان الإنسان

يا ترى كيف ستكون الصفات الشخصية لهذا القائد الذي تعامل معظم حياته مع المتفجرات والسلاح؟

يجيب عن هذا السؤال من عملوا وتعاملوا مع هذا القائد، فيقول المجاهد أبو بلال القسامي: لقد تميز بطيبته غير العادية، لكن كان شخصية نادرة، كان حريصًا على أن يحتضن إخوانه ويجمعهم في كل الظروف.

أحد المجاهدين الذين عرفوه يقول: بعد استشهاد ابنه بلال التقيته وسألته عن شعوره وهو يرى ابنه يستشهد أمام عينيه بعدما قصفت طائرة الأباتشي السيارة التي كان يستقلها بدل أبيه، وإذا بالقائد يقهقه ضاحكًا ردًّا على السؤال وقال - رحمه الله- نحن نتمناها قبله.

ويضيف المجاهد القسامي: لقد كان الغول صاحب دعابة ودائم الضحك.

أبو بلال لم يتمكن من تشييع جثمان فلذة كبده البكر بلال لدواع أمنية، كما عايش الموقف نفسه بعد استشهاد ابنه الأصغر محمد البالغ من العمر 15 عامًا والذي استشهد في قصة لا تقل بطولة عن أخيه عندما اقتحمت قوات الاحتلال منزل الغول الواقع في منطقة المغراقة.

رحلة جهاد ومطاردة

تعرض القائد أبو بلال للاعتقال عدة مرات من قبل أجهزة أمن السلطة الفلسطينية، حيث تمكن من الهرب من سجن السرايا عام 98 ليعاود مشاريعه العسكرية، كما تمكن من الهرب مرة أخرى عن طريق خداع سجانيه.

أبو بلال بدأ نشاطه العسكري في وقت مبكر وهو في سن لم يتجاوز العشرين عامًا، حيث استأذن قيادته قبل اندلاع الانتفاضة الأولى في العام 1987م بالقيام بعمل جهادي؛ لأن الحركة لم تكن اتخذت قرارها بخوض العمل العسكري على نطاق واسع فأذنت له، وشكّل مجموعة عسكرية ونفذ عمليات طعن لجنود ومستوطني الاحتلال دون الإعلان عنها إلى أن انكشف أمر المجموعة في العام 1987 بعد اعتقال أحد أفراد المجموعة وهو شقيقه، فتمكن أبو بلال من الخروج من قطاع غزة الى الخارج وعاد إلى أرض الوطن في أوائل التسعينيات ليستأنف نشاطه العسكري.

لقد كان لأبي بلال دور بارز في عمليات الثأر للمهندس الأول في الحركة الشهيد يحيى عياش، كما أشرف على تنفيذ العشرات من العمليات الاستشهادية كونها مرتبطة بعمله، كما كان معروفًا عن الغول الحس الأمني العالي؛ الأمر الذي جعله ينجح في الإفلات من الاحتلال 18 عامًا، وعمدت المخابرات الفلسطينية إلى اختطاف ابنه بلال - كان عمره وقتها 12 عامًا- وعذبوه عذابًا شديدًا كي يبوح بمكان والده وليشكل ذلك ضغطًا على الغول ليسلم نفسه إلا أن ذلك لم يفت في عضد أبو بلال.

وعندما حاولت قوات الاحتلال اقتحام منزله وجدته محاطًا بالألغام والمتفجرات، ودخلت في معركة حقيقية مع محمد ابن القائد أبو بلال وابن أخيه وزوج ابنته عمران اللذين استشهدا في المعركة، في حين قتل وأصيب عدد من الجنود بقيت أشلاء بعضهم لدى عائلة الغول.

لقد كان أبو بلال مضطرًا للتنقل في السيارات لمتابعة مشاريعه الجهادية؛ لأنه لم يقدر على المشي لمسافات طويلة نتيجة معاناته الصحية منذ محاولة اغتيال سابقة له بالسم.

قصة السم

قوات الاحتلال التي استشعرت الخطر القادم على يدي هذا الرجل استنزفت كثيرًا في البحث عنه ومطاردته إلى أن جاءت السلطة الفلسطينية وتم اعتقاله مرتين تعرض خلال إحداهما لمحاولة اغتيال عن طريق دس قوات الاحتلال السم له في السجن.

حيث قام أحد ضباط الجهاز الأمني -وكان عميلا- بتقدبم فنجان من القهوة خلال لقاء له معه في السجن، إلا أن أبو بلال عندما وجد أن العميل لم يشرب من فنجانه سكب القهوة ورفض أن يشربها إلى أن قام الضابط العميل بتناول فنجانه وشرب منه، حينها شرب الشهيد القائد، ولكن مخطط الأعداء الخبيث مر، حيث كان السم موضوعًا في الفنجان وليس في القهوة، وهو سم يسري مفعوله بعد 3 أيام، ولولا قيام أبو بلال بسكب الفنجان في المرة الأولى -التي أدت إلى تقليل كمية السم- لنجحت عملية الاغتيال.    

وقد أدى تدهور حالته الصحية بعد ذلك جراء السم إلى عجز الأطباء عن علاجه إلى أن تمكنت امرأة بدوية من علاجه بطب الأعشاب؛ مما أوقف تدهور حالته الصحية، إلا أن آثار السم بقيت في جسده حتى يوم استشهاده.

وتستمر أسطورة أبي بلال الغول.. فقد ترجل القائد بعد أن سلم الراية لقائد جديد يخلفه في ساحات الوغى.. يقول أحد المجاهدين: لقد قال لنا أبو بلال قبل استشهاده بأيام إنه لم يبق عنده علم إلا وأعطاه، ولم يبق في جعبته سهم إلا ورماه، وبقي أن أن ألقى الله شهيدًا بإذن الله.

كما يقول مجاهد آخر: لقد حذرت أبا بلال في الفترة الأخيرة لكثرة تنقلاته إلا أنه قال: إنني الآن لا يهمني إن قتلت؛ لأنني قد وضعت أمانة العلم في أعناق المئات من المجاهدين، وأصبح كل واحد منهم أبا بلال.  

الرابط المختصر :