; الشهيد سيد قطب وعبرة للتاريخ | مجلة المجتمع

العنوان الشهيد سيد قطب وعبرة للتاريخ

الكاتب د. محمود خليل

تاريخ النشر السبت 09-سبتمبر-2006

مشاهدات 59

نشر في العدد 1718

نشر في الصفحة 42

السبت 09-سبتمبر-2006

القاهرة: 

من أقواله:

إذا حورب الإسلام فليس لأحد رخصة. وإذا حوربت الشريعة فليس لأحد أن يترخص 

إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة

المفكر العملاق سيد قطب «١٣٢٤- ١٣٨٦هـ/ ١٩٠٦- ١٩٦٦م»، هو المفسر الاستراتيجي لكتاب الله عز وجل، وهو القطب الأشهر لدائرة العمل الحركي الإسلامي المعاصر، وقد مر عطاؤه الفكري بمركز الدائرة، ووصل ما بين أطرافها من المحيط إلى المحيط، ومن ثم ستظل الأقطار، وأنصاف الأقطار التي تلاقت معه عند نقطة مركز الدائرة تتعدد وتتمدد، وهي شاء الله لأسرة آل قطب، ولعطائها المجيد أن يمتد على ساحة العمل الإسلامي كله. فكرًا وعملًا وجهادًا واستشهادًا

شاء الله عز وجل لهذه الأسرة آل قطب ولعطائها المجيد أن يمتد على ساحة العمل الإسلامي كله. فردًا وأسرة وجماعة. فكرًا وعملًا وجهادًا وشهادة. رجلًا وامرأة، ونسبًا وصهرًا. لتقدم في ساحة الصبر والجهاد شقيقته الكبرى «نفيسة» (۱۹۰۳) معتقلة بسجن القناطر لمدة ستة أشهر، مع جميع أفراد عائلتها، وأمًا للشهيد رفعت بكر من شهداء محنة ١٩٦٥م، وأمًا لمعتقل آخر هو د. عزمي بكر، وشقيقته التي تصغره أمينة قطب الداعية الأديبة الشاعرة كمعتقلة وزوجة للشهيد الداعية الكبير «كمال السنانيري» «من شهداء۱۹۸۱م» وقد خطبها وهو خلف القضبان سجينًا في قضية الإخوان المسلمين «١٩٥٤م» وظلت تنتظره حتى خرج بعد ۲۱ عامًا عام «١٩٧٥م» في خطوبة ملحمية رائعة، وعاشت معه بعد ذلك ست سنوات فقط، حتى اختطفه زبانية الطغيان فلقي ربه بعدها شهيدًا، وقد رثته بديوانها الخالد «رسائل إلى شهيد»، وكذلك شقيقه المفكر المجاهد الكبير «محمد قطب» «۱۹۱۱م» بارك الله في عمره، الذي تتحدث أركان الدنيا بجهاده وفكره لأكثر من ستين عامًا، أما شقيقته الصغرى حميدة، فشريكة الصبر والثبات في رحلة الأهوال عام ١٩٦٥م، وقد حكم عليها بالسجن عشر سنوات قضت منها سبعًا عجافًا، كسبع يوسف الصديق، متنقلة من سجن إلى سجن، ومن جلاد إلى جلاد. حتى كانت هذه العائلة ومن شابهها من عوائل الدعوة الراشدة، كآل «ياسر»، رضي الله عنهم وأرضاهم.

 والحديث عن سيد قطب. أخاذ وذو شجون، لأنك من أي ناحية دخلت إليه استولى عليك العجب، وتحول ذلك العجب إلى إعجاب كامل. بهذا الرجل الأمة. ذلك لأنه كان صورة صادقة لإيمانه ومثالًا رائعًا لكل من أعمل الفكر وأمسك القلم، وسار على درب الدعاة قائلًا: «إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة».

ولسنا هنا بصدد الحديث عن رحلة الجهاد والاستشهاد لهذه الأسرة السامقة ولا لعطائها الفكري الضخم الأصيل.

 ولكننا أمام إحدى المفارقات العجيبة لقدر الله عز وجل الذي ينطق بجلاء ووضوح: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾( الفجر:14)

وكم هي المواقف والمفارقات في حياة هذه الأسرة التي يصلح كل سطر فيها أن يكون منارة في سفر الجهاد المعاصر. ولكن هذا الذي سنرويه لم يكتب أو يُرو من قبل.

بين سيد قطب وهاشم العطا

كان الشهيد سيد قطب غاية في الشجاعة بانضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين وثباته معهم في وقت تستعد فيه الحكومة للبطش بالجماعة، وهو يعرف ذلك بحكم قربه الشديد من عبد الناصر ورجال الثورة «انضم رسميًا أوائل عام ١٩٥٣م». وقد أنزلته الجماعة منزله المناسب، فأشرف على جريدة الإخوان المسلمين وأصدر منها ۱۲ عددًا أسبوعيًا من «20/5/1954 -5/8/1954م» حتى أغلقت، وشرفته الجماعة بإلقاء حديث الثلاثاء من المركز العام للجماعة أسبوعيًا وجاب مع الإمام حسن الهضيبي ربوع الجمهورية في مؤتمرات إخوانية حاشدة وأوفده الإخوان لحضور مؤتمر الدراسات الاجتماعية الذي عقد في دمشق في 2/3/1953م، وألقى فيه بحثه القيم عن التربية الخلقية كوسيلة لتحقيق التكافل الاجتماعي، كما أوفده الإخوان مندوبًا عنهم في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في «بيت المقدس»، في ديسمبر ١٩٥٣م والذي حضره قادة الفكر والحركة الإسلامية في العالم.

وقد تم اعتقاله مع قيادات الجماعة. رغم حداثة عهده بالإخوان المسلمين-حين أعلن عبد الناصر حل الجماعة في ١٥يناير ١٩٥٤م، وأمضى شهرين بالمعتقل حتى أفرج عن قيادات الجماعة في مارس ١٩٥٤م. ثم أصبح سيد قطب أحد أهم العقول المفكرة في الجماعة بإشرافه على قسم نشر الدعوة، وبعد مسرحية المنشية في 26/10/1954م. حوكم أكثر من ألف شخص من قيادات الجماعة، كان سيد قطب أحدهم، وأمضى بالمعتقل عشر سنوات عذب فيها تعذيبًا رهيبًا وضاريًا، حتى ضوعفت أمراضه الشديدة كالذبحة الصدرية، والأزمات القلبية. ولكنه آثر العزيمة قائلًا: إذا حورب الإسلام فليس لأحد رخصة، وإذا حوربت الشريعة فلا يجوز لأحد أن يترخَّص!!

وبعد التدهور الشديد في صحته أفرج عنه عام ١٩٦٤م، فاستأنف عمله الإسلامي بأنقى وأقوى ما يمكن رغم كل القيود والسدود. مجسدًا أروع صورة حية لنشيده الخالد:

أخي أنت حر وراء السدود

                                              أخي أنت حر بتلك القيود 

إذا كنت بالله مستعصمًا

                                                  فماذا يضيرك كيد العبيد

أخي هل تراك سئمت الكفاح

                                               وألقيت عن كاهليك السلاح

فمن للضحايا يواسي الجراح

                                            ويرفع رايتنا من جديد

أخي إنني اليوم صلب المراس

                                              أدك صخور الجبال الرواس

غدًا سأشيح بفاس الخلاص 

                                                 رؤوس الأفاعي إلى أن تبيد

وعندها. أعيد اعتقاله في أغسطس ١٩٦٥م. وصبوا عليه العذاب صبًا حتى أصبح قاب قوسين من الموت أو أدنى رغم سنه وأمراضه. ومكانته الفكرية المرموقة حيث ألقيت عليه تهمة قيادة التنظيم الجديد «تنظيم ١٩٦٥م». إضافة إلى حقد عبد الناصر الدفين عليه، بعد أن أيقن أن احتواءه مستحيل. وأن جميع خططه معه قد فشلت فشلًا ذريعًا، وحكم على الأستاذ سيد قطب بالإعدام. وتم تنفيذ الحكم يوم الجمعة 29/8/1966م. 

ولقد كان إعدام الشهيد سيد قطب حدثًا مزلزلًا، اهتز له العالم العربي والإسلامي أجمع، وأقض مضاجع الدعاة والعلماء والزعماء والمنظمات والهيئات فتواصلت البرقيات والوساطات إلى الطاغية عبد الناصر لإيقاف حكم الإعدام قبل تنفيذه، فتوسط «الملك فيصل» رحمه الله، والرئيس العراقي عبد السلام عارف، واجتمعت الجمعية الوطنية السودانية «مجلس الشعب»، ووافقت على إرسال وفد رفيع المستوى بصورة عاجلة إلى عبد الناصر لرجائه إرجاء تنفيذ حكم الإعدام. وتمت الموافقة بالإجماع ما عدا النائبة الشيوعية، «فاطمة المحجوب»، التي صاحت وناحت وصرخت بأعلى صوتها. «هذا الرأس المجرم يجب أن يحطم». «وهذا الرأس المدبر يجب أن يعلق على أعواد المشانق»، وتم سفر الوفد بأقصى سرعة. ولكن عبد الناصر تقاعس عن مقابلة الوفد. حتى استقبله بعد تنفيذ حكم الإعدام. مبديًا أسفه أن الوفد جاء متأخرًا.

ودارت الأيام. وقام جعفر نميري بحركة ٢٥ مايو ١٩٦٩م، وكان من أهم المشاركين معه في هذا الانقلاب الرائد هاشم محمد العطا، الذي كان عضوًا في التنظيم السري لحركة نميري، وكان قبلها مساعدًا للملحق العسكري في بون بألمانيا الغربية، واستدعي للخرطوم بعد نجاح حركة ٢٥ مايو، واستقبله نميري في مطار الخرطوم في الساعة السادسة من صباح ٢٩ مايو ١٩٦٩م، وفي 26/5/1969م عين في مجلس الثورة السوداني برئاسة نميري. وتزوج هاشم العطا من فاطمة المحجوب النائبة الشيوعية السالفة الذكر. وكما هو الشأن في كل مكان. أن يقفزوا على الأحداث لجني الثمار لحساب ساداتهم وأمرائهم. 

وسرعان ما شغل هاشم العطا منصبًا مهما في الوضع الجديد، فشغل منصب مساعد رئيس الوزراء للقطاع الزراعي. إلى أن أقيل من مجلس الثورة في ١٨ نوفمبر بتهمة عقد صلات مع عناصر مخربة امتد نشاطها إلى داخل المجلس. فلجأ هاشم العطا إلى التآمر من الداخل حيث دبر انقلابًا على نميري بقوات من المدرعات باللواء الأول للحرس الجمهوري بالاشتراك مع مجموعة من الشيوعيين وسرعان ما تمت السيطرة على الانقلاب وألقي القبض على الانقلابيين، وتمت محاكمتهم في 23/7/1971م. ولم يعش الانقلاب سوى ٧٢ ساعة. وصدرت الأحكام المشددة بإعدام الانقلابيين. اجتمع مجلس الشعب المصري وقرر إرسال وفد عاجل إلى السودان لرجاء الرئيس نميري تأجيل حكم الإعدام وإعادة النظر فيه. وذهب الوفد الشيوعي المصري. ولكن الأقدار أعادت فتح الصفحة نفسها حيث تقاعس الرئيس نميري عن استقبال الوفد. بنفس طريقة عبد الناصر، مع وفد الرجاء في الشهيد سيد قطب. ولم يستقبل نميري الوفد إلا بعد إنفاذ حكم الإعدام في الشيوعي الرائد هاشم محمد العطا، زوج النائبة الشيوعية فاطمة المحجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني وإعدام، «فكما تدين تدان»

والأعجب من هذا، أن تنفيذ حكم الإعدام تم في نفس اليوم من أيام الأسبوع الجمعة!!! وفي نفس الفترة من اليوم الصباح!!! وفي نفس اليوم من أيام الشهر يوم (۲۹)!!! ولكن القدر كان أعجل بشهر إلى الشيوعي هاشم العطا، حيث أعدم في ٢٩/٧/۱۹۷۱م، بينما كان استشهاد المفكر العملاق. رجل الظلال والمعالم الشهيد سيد قطب. في 29/8/1966م. 

وصدق الله العظيم إذ يقول:﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (آل عمران:13)

العدد القادم

الدكتور عماد الدين خليل يكتب. «بين سيد قطب والمودودي»

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2059

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

192

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟