العنوان الشورى في خلافة سليمان بن عبد الملك (امن ۳)
الكاتب د. رعد محمود البرهاوي
تاريخ النشر السبت 01-مارس-2008
مشاهدات 63
نشر في العدد 1791
نشر في الصفحة 38
السبت 01-مارس-2008
الشورى ليست وصفة جاهزة بل مشروع مفتوح يستند للرؤية الإسلامية، ويترك المجال للواقع ليضع لمساته
موضوع الشورى رغم خصائصه الإسلامية، يلتقي مع الديمقراطية المعاصرة في بعض الجوانب المهمة على صعيد حق الأمة في اختيار ممثليها في الحكم، تحقيق العدالة، وضمان حقوق الإنسان الشرعية.
إن تاريخ بني أمية قد عانى من التشويه، ويعود ذلك إلى كثرة الحركات التي عارضت الحكم الأموي، خاصة في المشرق العربي، فضلاً عن الأخطاء التي ارتُكبت من قبل بعض الخلفاء، ومن ولاتهم أثناء التعامل مع هذه الحركات، وهكذا وجد أنصار هذه الحركات الفرصة سانحة للتعبير عن أنفسهم من خلال الروايات التي حاولت التعتيم على النقاط المضيئة في هذا العصر، أو تشويه سياسات خلفائه وقياداته، وكان هذا السبب هو الذي دعاني لاختيار هذا الموضوع، فضلاً عن كون عصر الخليفة سليمان بن عبد الملك ٩٦-٩٩هـ يمثل محاولة جادة لتفعيل دور أهل الحل والعقد من صالحي الأمة، في اتخاذ القرارات المهمة والصعبة لدولة تمتد من جبال البيرنيه غربًا إلى حدود الصين شرقًا .
• نظرة سريعة للشورى لدى خلفاء بني أمية قبل سليمان بن عبد الملك
لقد حاول الخليفة معاوية بن أبي سفيان ٤١ - ٦٠هـ رضى الله عنه وهو رجل الحلم والمقدرة السياسية أن يرضي معظم الأطراف، وأن يشعرها بدورها في قراراته المتخذة، وفي قرارات ولاته، أما على صعيد الشورى في اتخاذ القرار، فقد كان الخليفة يعتمد على كبار مستشاريه من زعماء أجناد الشام المخلصين له ومن آل بيته، حيث كان يضمهم مجلس شوری خاص [1](۱) فضلاً عن ولاته كتاب الدواوين[2] (۲)، فضلاً عن الوفود التي كانت تأتي من الأمصار: مبايعة، أو مهنئة أو متظلمة، وكان بعضها يأتي بصورة شخصية، وكانت صريحة أثناء مقابلتها للخليفة في طرح مشكلات مصرها[3] (۳). وهناك ما يؤيد أن معاوية، كان لديه استعداد لقبول آراء قد تتعارض مع طروحاته، إذا كانت تخدم المصلحة العليا للدولة [4](٤).
وكانت خلافة معاوية الثاني القصيرة التي انتهت بوفاته أو تنازله ، فرصة كبيرة للعودة إلى الشورى في انتخاب الحاكم المسلم، وأخيرًا جاء مؤتمر الجابية الذي قرر فيه زعماء أجناد الشام الوصول إلى مرشح تسوية أموي، إلا أن المفاجأة التي جعلت هذا المؤتمر يفقد الكثير من قدرته على الوصول إلى مرشح إجماع كانت من خلال رفض أنصار ابن الزبير بقيادة الضحاك بن قيس حضوره، ومن ثم دخل مروان المؤتمر بعد وقعة «مرج راهط» کمرشح وحيد يدعمه النصر المؤزر الذي حققه مع أنصاره، ورغم أنه قد طرحت قوى غير معروفة على الصعيد النظري اسمي عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وهما اللذان لم يجدا من يزكيهما ويدعمهما [5](٥)، فان مجرد الطرح كان حالة صحية، وإن لم يؤد إلى نتائج عملية.
يمكن وصف خلافة مروان القصيرة التي لم تتجاوز تسعة أشهر [6](٦) ولم تتجاوز سلطاتها الشام ومصر، أنها كانت تستند إلى مشاركة واسعة وفاعلة من كبار زعماء أجناد الشام الذين دعموا وصوله إلى الخلافة، أما في خلافة عبد الملك بن مروان الطويلة نسبيًّا ما بين عامي ٦٥هـ- ٨٥هـ، فقد أشير إلى وجود مستشارين أكفاء، ساعدوه في اتخاذ قراراته الصعبة، وفي تسيير شؤون الدولة اليومية، وكان هؤلاء يضمهم مجلس يسمى (مجلس أصحاب الخليفة)[7] (۷).
ومن قنوات الشورى في عهده أيضًا كتاب الدواوين وموظفو القصر الكبار [8](۸) كما أن الولاة كانوا يشكلون إحدى قنوات الشورى المهمة، حيث كان من خلال البريد ومن خلال الزيارات يتبادلون الآراء مع الخليفة [9](٩)، وكانت الوفود قناة مهمة لطرح الشورى فيما يتعلق بشؤون أمصارهم [10](۱۰)
وكان الصالحون يقدمون نصائحهم إلى الخليفة مكتوبة أحيانًا، وفيها دعوة إلى العدل ومحاربة الظلم والطغيان، وهناك ما يشير إلى أن هذه النصائح كانت تلقى آذانًا مصغية [11](۱۱).
وفي خلافة الوليد بن عبد الملك ٨٥هـ -٩٦هـ لم يرد ما يشير إلى الممارسات الشورية في عهده بصورة كبيرة، فقد أشير إلى أن من مستشاريه المقربين عمر بن عبد العزيز وعباد بن زياد (۱۲)[12] فضلاً عن طبقة كتاب الدواوين الفاعلين في دمشق [13](۱۳)
ورغم أن المصادر أشارت إلى التزامه بقيمه الإسلامية وسلوكياته الأخلاقية العالية [14](١٤) فإن عقيدته السياسية كانت تتجه إلى تركيز السلطة بيد الخليفة، وأن على الآخرين الطاعة فحسب [15](١٥).
الشورى في خلافة سليمان
يتضح من خلال ما أوردته المصادر عن سليمان أنه كان تقيًّا، عبر عن تقواه في حجه وهو ولي عهد ثاني في حياة أبيه عام 82هـ، وهناك زار آثار الرسول ، وأمر بكتابة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم [16](١٦)، وعبر عن هذه التقوى من خلال تقريبه للصالحين والفقهاء [17](۱۷)، كما يظهر هذا الالتزام بالقيم الإسلامية في خطاب البيعة الذي ألقاه في بيت المقدس [18](۱۸)، ومن سمات شخصيته الإيمانية استعداده لسماع وجهات نظر الآخرين، وعبر عن ذلك بقوله : « إنا نجود بسعة الاحتمال، على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه [19]»(۱۹).
لم يشهد عصره إراقة الدماء، إلا في مستوى محدود، ولم يأمر بها شخصيًّا، وكان المؤرخون على حق عندما وصفوه أنه كان كارهًا للدماء [20](۲۰) وامتاز أخيرًا بمقدرته البلاغية، فقد كان خطيبًا مفوها [21](۲۱) وهي سمة إيجابية للسياسي، حيث يستطيع من خلالها كسب الآخرين، والحصول على محبتهم وطاعتهم ولكل ما ذكر آنفًا استحق لقب (مفتاح الخير ) [22](٢٢)..
المراجع
(1) المسعودي، مروج الذهب : 3/86)
(2) خليفة، تاريخ: ٢٢٦-۲۲٨، الطبري، تاريخ 5/17-177، المسعودي، مروج روج الذهب 3/ ٢٩، اليعقوبي، تاريخ 2/۲38 ابن عبد ربه، العقد الفريد:4/87
(3) الطبري، تاريخ : 5/212 ([3](
(4) المصدر نفسه ۵/ ۲۳۹ ([4](
(5) البلاذري: أنساب: 5/134 : الطبري، تاريخ 5/536 ([5])
(6) خليفة: تاريخ ٢٦١ ([6])
(7) الذهبي سير: 6/138 ([7])
(8) خليفة، تاريخ ص ۲۹۹ ([8])
(9) الطبري، تاريخ : 6/393-413 - ٤١٤-٤١٥ ([9])
(10) المصدر نفسه : ٦/ ۲۰۰، ٤١٣ ([10])
(11) البسوي، المعرفة والتاريخ ٢/ ٣٦٦. ابن عساکر، تاريخ ٤٢/ ٢٧٥ ([11])
(12) الطبري، تاريخ: 6/465 - ٤٦٦ ،٤٨١،499 ([12])
(13) خليفة، تاريخ ص ۳۱۲ ([13] )
(14) الطبري، تاريخ: ٦/ ٤٣٥ -437 ، ٤٦5 -466، 496-497 ([14])
(15) الطبري، تاريخ: 6/423، ٤٥١ ([15])
(16) ابن بكار، الأخبار الموفقيات ص ۳۳۲ ([16])
(17) الذهبي، سير : ٦/167 ([17])
(18) ابن قتيبة عيون الأخبار : ٢/ ٢٤٧، المسعودي مروج الذهب: 3/174 ابن عبد ربه العقد الفريد 4/91: مجهول، العيون والحدائق: 3/٣5
(19) المسعودي ، مروج الذهب: 3/178 ([19])
(20) مجهول، المصدر السابق: 3/234. ابن خلكان المصدر السابق : ٢/ ٤٢٢ ([20])
(21) الجاحظ، البيان والتبيين 1/353 ([21])
(22) ابن قتيبة المعارف: ص ،٣٦٠ ابن عبد ربه، المصدر السابق: 4/325 ([22])
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل