; الشيخ المقعد... أحمد ياسين في أقبية السجون...!! | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ المقعد... أحمد ياسين في أقبية السجون...!!

الكاتب محمود صالح

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1989

مشاهدات 76

نشر في العدد 920

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 13-يونيو-1989

اعتقال الشيخ على كرسيه المتحرك منظر مأساوي يعبر عن ضعفهم وجبنهم وتجردهم من كافة المشاعر البشرية والإنسانية..

السلطات الإسرائيلية اعتقلت الشيخ بتهمة إزالة إسرائيل من الوجود.

تسببت ثلاث عمليات بطولية، استخدم خلالها السلاح في فلسطين المحتلة، في إفقاد العدو القدرة على السيطرة على نفسه والتحكم في قراراته، وهو يسعى جاهدًا أن يحافظ على الحقيقة التي رسخها في العقلية الغربية، والتي تقول بأن (إسرائيل) هي النظام الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط.

ولا شك أن استخدام الأسلحة لأول مرة في عمليتي (بيت لحم) وعملية (جباليا) في قطاع غزة، إضافة لكشف سلطات الاحتلال لشبكة سرية في قطاع غزة مع مخبأ للأسلحة، كان له أكبر الأثر في إخراج سلطات العدو عن طورها فذهبت تبطش وتعتقل الطرف المباشر الأول من وراء هذه العمليات وهذا التصعيد، ولا بد في مثل هذه الحالة، من ضرب الرأس، فكانت اعتقالات الأسبوع الثاني من شهر مايو ١٩٨٩، وفي مقدمة المعتقلين الشيخ المجاهد الصابر أحمد ياسين.

أمن (إسرائيل) في خطر!!

لم تكن تهمة الشيخ المجاهد أحمد ياسين سوى تهديد أمن (إسرائيل) وتعريضه للخطر !!...

ويستغرب البعض هذه التهمة نظرًا لكون الشيخ أحمد ياسين من مواليد (۱۹۳۷) مقعدًا لا يتحرك إلا بواسطة كرسيه المتحرك، ويتجاهلون أن هذا هو التعبير العملي للحقيقة الثابتة، والتي لا تزول، في أن الضعف في الروح وليس ضعف الجسد، فالعقيدة الإسلامية والفهم الشامل الذي نشأ عليه الشيخ المجاهد منذ أن كان فتى يافعًا - بعد أن هاجر من مسقط رأسه في قرية (الجورة) قرب مدينة (عسقلان) التاريخية، التاريخية، إلى مخيمات اللاجئين في قطاع غزة - والذي تلقاه وتشربه من المناهل الصافية في الحركة الإسلامية، ودفع ضريبته غاليًا، حيث سقط على رأسه من أعلى أثناء ممارسته التدريبات الكشفية مع إخوانه، وأصيب من جراء هذه السقطة بالشلل التام - في جميع أعضاء جسمه ما عدا الرأس - وكان يومها لا يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، ورغم ذلك لم يهدأ أو يسكن، وأنى له ذلك وهو الابن البار للحركة الإسلامية، ابن فلسطين المسلمة التي ابتليت بالاحتلال اليهودي !!

رائدًا ومربيًا...

وحال الوضع الصحي للشيخ أحمد ياسين دون القيام بأي عمل جسدي جهادي، فركز كل اهتمامه على الجانب التربوي، وأخذ يحيي معاني الإسلام الخالدة في نفوس النشء، فعمل معلمًا وخطيبًا بعد إكمال دراسته الثانوية، وأصبح شغله الشاغل التوعية والتربية والتوجيه، حتى أصبح علمًا يشار إليه بالبنان، وحاز مكانة جليلة في نفوس الأجيال الجديدة من الشباب، وانتقل العمل الإسلامي في فلسطين المحتلة من مرحلة التربية والتوجيه إلى مرحلة المؤسسات الإسلامية الخيرية والاجتماعية التي تقدم دعوتها للآخرين من خلال المشاريع والبرامج والمساعدات، فكان الشيخ المجاهد - أمينًا للمجمع الإسلامي في غزة - وأخذ الناس في قطاع غزة يحكمونه في خلافاتهم الشخصية، ويقفون في طوابير أمام باب بيته ليقضي في مشاكلهم الشخصية، وما كان الشيخ يصل إلى هذه المكانة لولا توفيق الله له بالعمل الدؤوب المخلص، والثبات على الحق بعد معرفة الطريق.

في أقبية السجون:

ولم يكن اعتقال الشيخ المجاهد في مايو ۱۹۸۹ هو الأول من نوعه، فقد اعتقلته سلطات الاحتلال عام (۱۹۸۳) بتهمة إزالة (إسرائيل) من الوجود!! وتعريض أمنها للخطر، وذلك في أعقاب اكتشاف مخبأ للأسلحة والذخائر في مسجده في مدينة غزة، وحكم عليه عام ١٩٨٤ بالسجن لمدة (۱۳) عامًا قضى منها عامين في سجون الاحتلال ثم أفرج عنه عام ١٩٨٥ في عملية تبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية - القيادة العامة (أحمد جبريل) .... ولم تفتأ عزيمته ولما يصبها الفتور، فما كاد يمر عامان على خروجه من السجن حتى فجرت الحركة الإسلامية في فلسطين انتفاضة الشعب المباركة في ۸/۱۲/۱۹۸۷ فروى أبناء الحركة الإسلامية أرض فلسطين المباركة بدمائهم الزكية، وسجلوا في التاريخ المعاصر أول ظاهرة في التاريخ يتصدى فيها الشعب الأعزل لمحتل غاشم متسلح بأحدث أنواع الأسلحة، فقادوا الشعب الذي أسلم لهم القيادة فأخذت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تنظم مواجهة الشعب وتقودهم في تحدي سلطات الاحتلال، وفي غمرة الأحداث لم ينس جميع المراقبين والمتابعين لسير الأحداث دور الشيخ المجاهد أحمد ياسين الذي أطلقوا عليه لقب (الأب الروحي لحركة المقاومة الإسلامية "حماس") وكان الموقف الإسلامي واضحًا من خلال مقابلات الشيخ المجاهد لمراسلي الصحف والمجلات ووكالات الأنباء، حيث أعلن عن رفضه لكافة الحلول السلمية وآخرها (مبادرة شامير)، وإن الجهاد هو الحل الوحيد لقضية فلسطين وتبني حركة (حماس) لسياسة تصعيد واستمرار الانتفاضة.

إضافة لموقفها الواضح من تصفية العملاء - والإصرار على وحدة الصف الفلسطيني..

الكرسي والزنزانة:

وفي حديث لمراسل صحيفة (دباريو- ١٦) الإسبانية أجاب الشيخ المجاهد عن السبب في عدم اعتقاله من قبل سلطات الاحتلال قائلًا: "ما الفرق بين قطاع غزة والسجن "، وما كادت الأيام تمضي حتى أجابت سلطات العدو على هذا التساؤل من خلال اعتقالها للشيخ المجاهد أحمد ياسين ولم يستطع جنود العدو إجبار الشيخ على الحركة، فأمروا ابنه بدفع الكرسي المتحرك.

فاعتقلوا الشيخ المقعد على كرسيه المتحركة، في منظر مأساوي يعبر عن ضعفهم وجبنهم وتجردهم من كافة المشاعر البشرية والإنسانية من جهة، وهو منظر بطولي يلمس في استعلاء الإيمان وروح الجهاد من جهة أخرى، فرغم أن الجسد مصاب بالشلل، ويدفع على كرسي متحرك، إلا أن صاحبه يهدد أمن العدو ويزعج سلطاته وهيئات أركانه، فيعمي بصيرتهم فيثور الحقد في صدورهم فيضعوا الشيخ وكرسيه في الزنزانة في أبشع صورة يمكن أن يتخيلها إنسان أو يرسمها فنان!

 

هوان الأمة:

أمام هذه الجريمة النكراء في حق الإنسانية والتعدي الغاشم على حقوق الإنسان كإنسان - تعامل العالم أجمع مع خبر اعتقال الشيخ المقعد أحمد یاسین بصمت مريب، وغياب مذهل، وفي مقدمتها المؤسسات الفلسطينية الرسمية، التي لم تحرك ساكنًا، وكأن الشيخ أحمد ياسين ليس من أبناء فلسطين وليس من أصحاب الشأن في مقاومة الاحتلال، ولم يسبق اعتقاله !! وهنا نأمل أن يتحرك البعض بعيدًا عن ولاءاتهم الحزبية، وأن تنظم حملة منظمة للإفراج عن الشيخ المجاهد الذي أصيب بالتهاب رئوي نقل على أثره إلى مستشفى عسكري (القبس (٣/٦/٨٩).... كما نطالب بالموقف العربي الرسمي والشعبي الذي يتبنى قضية الشيخ المجاهد، ويطرحها في المحافل الدولية للضغط على حكومة العدو، وتحريك الرأي العام العالمي والمطالبة بالالتزام بحقوق الإنسان. أما إذا استمر الحال على ما هو عليه فإن أمتنا العربية والإسلامية تكون قد وضعت وصمة سوداء جديدة في تاريخها المعاصر، فالأمة التي لا تتحرك عندما يدنس كتابها المقدس، فيستعمله أحفاد القردة والخنازير في دورات المياه لا تستحق أن توصف بعد كل هذا الهوان بأنها أمة حية متحضرة.

من يهن يسهل الهوان عليه *** ما لجرح بميت إيلام

إن الأمة العربية والإسلامية مطالبة - من رأسها إلى قاعدتها - أن تثبت حيويتها، وأن تعيش أيامها من خلال مواقف فاعلة في الأحداث التي تمر عليها، وأن بقاء الشيخ المقعد في أقبية سجون العدو، يتجرع آلام السجن مع مكابدة صعوبات الحياة والأمة لا تحرك ساكنًا، دليل دامغ على موات هذه الأمة، والرسوليقول: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ".

وأخيرًا...

 

سيبقى الشعب الفلسطيني، وحده في الميدان يتحدى سلطات الاحتلال، ويعاني آلام الاغتراب والمهجر - يدافع عن رموزه، ويحمي قياداته الفاعلة الصادقة، ويثبت بالدليل العملي القاطع أن اعتقال قيادات الشعب الإسلامية لا تعني أبدًا تنكيس رايات الجهاد، وإيقاف الانتفاضة - التي أصبحت قدرهم وخبزهم اليومي...

فلك الله يا شيخ أحمد ياسين يعينك في المعتقل، ويحفظك بحفظه، ويرعاك برعايته، وهذا قدر الرجال الأوفياء لدينهم وأمتهم، والثبات والصبر هما زاد المؤمنين، وليهنك أن (حماس) تقض مضاجع المحتل، وتغرس الأراضي نارًا تأكل جنوده وآلياته، وترفض التفريط والتنازل عن أرض فلسطين، والشعار قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴾ (آل عمران: ۲۰۰).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1300

425

الثلاثاء 19-مايو-1998

أهلًا بشيخ المجاهدين

نشر في العدد 1600

452

السبت 08-مايو-2004

عندما نرجع إلى الله