العنوان عاشوا مع القرآن- الشيخ عبد الباسط عبد الصمد.. الصوت الذهبي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007
مشاهدات 66
نشر في العدد 1771
نشر في الصفحة 50
السبت 29-سبتمبر-2007
يقال: إن «القرآن الكريم نزل في مكة، وقرئ في مصر، وكتب في إسطنبول» .... ويعد الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أحد أصحاب الأصوات الرائعة والنغمات العذبة.. ورغم شهرة عشرات القراء خلال العقدين الأخيرين، إلا أن صوته ظل في الصدارة، بل ويزداد تألقًا من خلال تسجيلاته التي ما برح المسلمون يقبلون على اقتنائها وسماعها حتى يومنا هذا.
كان الطفل الموهوب «عبد الباسط» محظوظًا منذ ولادته في العام ١٣٤٦ هـ الموافق ١٩٢٧م بقرية «المراعزة» التابعة لمدينة «أرمنت» بمحافظة قنا بجنوب مصر...
التحق بكتاب «الشيخ الأمير» بالقرية فاستقبله شيخه أحسن ما يكون الاستقبال، إذ لاحظ عليه نبوغًا وجملة من المواهب تتمثل في سرعة استيعابه لما يتلقاه من القرآن، ودقة التحكم في مخارج الألفاظ ومواضع الوقف والابتداء، وعذوبة في الصوت تشنف الآذان بالسماع والاستمتاع .. وظل الشيخ يتابع تلميذه النجيب داخل الكتاب وخارجه، واعتبره جوهرة، يجب الاعتناء بها والمحافظة عليها.
عائلة قرآنية: وقد كان القرآن الكريم زاد أسرته ورأس مالها، حتى سميت عائلة والده الحاج محمد عبد الصمد بـ«العائلة القرآنية»... وأطلق على بيتهم اسم «بيت القرآن» وأصبح الشيخ عبد الباسط حديث أهل المنطقة كلها، وتناقل الناس أخباره، وتوقع كل من استمع إليه أنه سيحدث نقلة كبرى في عالم القراء.
ومن العوامل التي شجعته على الإبداع في تلاوته، حب الناس له واعتزازه بنفسه.. وبعد بلوغه الثانية عشرة من عمره انهالت عليه الدعوات من كل مدن وقرى محافظتي قنا وسوهاج لقراءة وتلاوة القرآن بصوته الشجي في المآتم والمناسبات الدينية المختلفة، ثم ذاع صيته في كل محافظات الوجه القبلي.
وفي عام ١٩٥٠م، قرر السفر إلى القاهرة وكانت المناسبة هي الاحتفال بمولد السيدة زينب رضي الله عنها «وهي بدعة قديمة في مصر تحتفل فيها الطرق الصوفية بما يسمى مولد الأولياء، ومنهم آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم» والذي كان يشارك في إحيائه مشاهير القراء آنذاك..
وعند منتصف الليل والمسجد الزينبي يموج بأفواج من المحبين لآل البيت القادمين من كل أرجاء مصر، استأذن أحد أقارب الشيخ عبد الباسط القائمين على الحفل في أن يقدم لهم هذا الفتى الموهوب ليقرأ عشر دقائق فأذن له وبدأ في التلاوة وسط جموع غفيرة، وكانت القراءة من سورة الأحزاب.. عم الصمت أرجاء المسجد واتجهت الأنظار إلى القارئ الصغير، وما هي إلا لحظات وانقلب السكون ضجيجًا وصيحات هزت أرجاء المسجد: «الله أكبر ... فتح الله عليك»... وبدلًا من عشر دقائق امتدت القراءة إلى أكثر من ساعة، ونصف الساعة، وخرج الشيخ عبد الباسط من المسجد محمولًا على الأعناق، ليبزغ نجم جديد ساطع، ويفرد صوت ذهبي لامع في سماء التلاوة.
استقبال رسمي.. وأوسمة
كانت له رحلات متعددة حول العالم وزار بقاعًا شتى من العالم في رمضان وغيره، ومن أشهر المساجد التي قرأ بها القرآن، المسجد الحرام، والمسجد النبوي الشريف، والمسجد الأقصى، والمسجد الإبراهيمي بالخليل بفلسطين، والمسجد الأموي بدمشق، بالإضافة إلى أشهر المساجد بآسيا وإفريقيا وأوروبا ... وزار الولايات المتحدة في الأعوام ١٩٦٨ و۱۹۸۱ و۱۹۸۷م وقرأ القرآن في معظم ولاياتها بدعوة من الجاليات المسلمة وأسلم عشرات من الأمريكيين تأثرًا بصوته وأدائه... وهو ما جعل الإمام الأكبر الدكتور «عبد الحليم محمود» شيخ الأزهر الأسبق يقول عنه: «لقد أوتي الشيخ عبد الباسط مزمارًا من مزامير آل داود».
وقد نال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد نصيبًا وافرًا من الشهرة والمنزلة والتقدير والتكريم لم يحصل عليه قارئ غيره على امتداد نحو نصف قرن من الزمان.. حسبه في ذلك أنه كان إذا حل بدولة ما استقبل فيها استقبالًا رسميًا، وتتسابق وسائل الإعلام لتعلن عن مقدم هذا الضيف الكبير، وكان الرئيس الباكستاني الجنرال ضياء الحق يعانقه فور نزوله من الطائرة.. وعرض عليه الملك محمد الخامس أن يترك القاهرة ويذهب معه إلى المغرب ليستقر هناك، لكنه رفض.
ولم تنسه الأمة الإسلامية حيًا ولا ميتًا، فكرمته سورية عام ١٩٥٦م بمنحه «وسام الاستحقاق» وقلده الرئيس اللبناني «وسام الأرز» كما منحته الحكومة الماليزية «الوسام الذهبي» في افتتاح المسجد الكبير بالعاصمة كوالالمبور وسط احتفال مهيب عام ١٩٥٦م، بالإضافة إلى أوسمة أخرى من السنغال والمغرب وغيرهما.
وتوفي الشيخ عبد الباسط عبد الصمد في يوم الأربعاء ٢١ من ربيع الآخر ١٤٠٩هـ الموافق ٣٠ من نوفمبر ۱۹۸۸م، وبعد رحيله، منح الرئيس المصري «اسم الشيخ» وسامًا في الاحتفال بليلة القدر عام١٩٩٠م.
رمضان شهر اصطفاء... وإيحاء
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (القصص: 68). وبنظرة تأملية فاحصة فإنك تجد في سياقها، مصداقها واضحًا جليًا أن لله خواص: في الأزمنة والأمكنة والأشخاص.
وعلى هذه السنة اختار الله شهر رمضان، واصطفاه على سائر الأزمان، فرمضان هو الشهر الوحيد الذي صرح الله باسمه في القرآن الكريم، وهو الشهر الوحيد الذي أفاض الله فيه نعمه على عباده بأن أنزل القرآن الحكيم.
ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.. الذي سما بالعقل الإنساني عن الوثنية المظلمة، والخضوع لغير الله.. إلى التوحيد الخالص ليعتقد الإنسان أن ليس له إلا رب واحد.. له تعنو جميع المخلوقات، فقال سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: 185) فشرع فيه الصيام، وبين سبحانه بنفسه أسلوب تكريمه ومظهر تعظيمه.. فافترض على المسلمين في جميع بقاع الأرض صومه، وجعله ركنًا من أركان دينهم، وعنصرًا من عناصر الشخصية الإسلامية، وصوم رمضان عبادة تلتقي في هدفها مع أهداف القرآن الكريم في تربية العقول والأرواح وتنظيم الحياة، ويوحد بين جميع المسلمين في أوقات الفراغ والعمل، وأوقات الطعام والشراب، فتمتلئ قلوبهم بمحبة الخير لعباده، ويغرس في نفوسهم خلق الصبر والتكامل فيما بينهم، فقال تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: ١٨٥).
إن لكل شيء في هذه الحياة.. إيحاء، فلأسماء الأزمنة إيحاء وليس رمضان شهرًا زمنيًا معروفًا في السنة الهجرية القمرية يقع بين شعبان وشوال فقط، إنما له عند المسلمين إيحاء تهتز له قلوبهم وتنشرح به صدورهم، وتسمو به أرواحهم وتكثر خطوط إيحائه..
كلما اتسعت معارف الإنسان بخصائصه وحوادثه وآثاره حتى الأطفال وهم في الشوارع يلعبون.. فما يكادون يعلمون بحلوله حتى تراهم متجمعين يحملون المصابيح مرددين الأهازيج التي يحفظونها، معلنين الفرح والابتهاج بحلول رمضان بحفاوة طبيعية بريئة بالتآلف والتجمع.
أما الذين يفهمون رمضان ويعرفون خواصه وأحداثه... فكلمة رمضان توحي لهم برحلة إلهية ميقاتها شهر، يخلع فيها المؤمن نفسه من حياة مادية مظلمة إلى حياة روحية مضيئة، فيبدأ: يومه باسمك اللهم صمت، ويختم نهاره: باسمك اللهم أفطرت، ويبقى فيما بينهما لله قانتًا: يركع مسبحًا معظمًا، ويسجد داعيًا شاكرًا، ولكتابه تاليًا .. فيظل متمسكًا بما فرض عليه من عبادة الصوم وترك المشتهيات، وتجميد الشهوات، يعتقل وساوس الشياطين التي تختبئ في عتمة النفوس بسلاسل الإيمان هذا هو رمضان، وتلك بعض إيحاءاته.