; الشيخ عبد الحميد كشك يرد على مصطفى محمود | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ عبد الحميد كشك يرد على مصطفى محمود

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 08-فبراير-1977

مشاهدات 39

نشر في العدد 336

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 08-فبراير-1977

من هو السارق الذي يستحق قطع اليَد؟!

نشرت مجلة صباح الخير مؤخرًا مقالًا للدكتور مصطفى محمود، تضمن رأيًا لمستشار في تفسير الآية الكريمة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (سورة المائدة: 38)، بين فيه أن الآية تعني السارق الذي تعود السرقة ولم يقف عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى الآية الكريمة: ﴿الزانيَةُ وَالزاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (سورة النور: 2).

قال إن الزاني الذي يجلد هو من احترف الزنا، وليس من ارتكبه مرة مضطرًا، وأخذ يتخبط في قوله، فقال: والدليل على ذلك أن الألف واللام هي التي تبين المعنى الذي يريده، ولو كان يريد الله أي زانٍ، أو أي سارق لقال: وزانية، وزانٍ، وسارق وسارقة.

فتصدى له الشيخ الفاضل عبد الحميد عبد العزيز كشك في درس الجمعة رقم ۲۰۰.

قال فيه مخاطبًا الدكتور مصطفى محمود الذي احتفى بتفسير المستشار وسارع بتمجيده والتهليل له، فسطر ذلك المقال الذي نشر في مجلة صباح الخير القاهرية، فرد الشيخ قائلًا:

الألف واللام من قوله -تعالى-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وفي قوله -تعالى-: ﴿الزانيَةُ وَالزاني لو كان المقصود أي زانٍ أو أي سارق وسارقة، ما قال الله -تعالى- والسارق والسارقة، لقال وسارق وسارقة فاقطعوا أيديهما، وزانية وزانٍ فاجلدوا كل واحد منهما، أما هذه الألف واللام فمعناها زانٍ مخصص، وسارق مخصوص.

الألف واللام هنا أريد أن أشرحها شرحًا يرضي الله:

القرآن عربي ولا يفهم إلا بقواعد العربية، كما أن الطب علم ولا يفهم إلا بأجهزة الطبيب، ولذا يقول -سبحانه وتعالى-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (سورة النحل: 43).

الألف واللام في السارق والسارقة والزانية والزاني لا بد أن ترجع إلى كتب اللغة؛ فالألف واللام لها قصة طويلة في كتب اللغة.

إذا دخلت على النكرة فإنها قد تكون بمعنى الاستغراق ،كما في قوله -تعالى-: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (سورة النساء: 28) أي كل إنسان خلق ضعيفًا.

وقد تكون الألف واللام لإظهار الحقيقة وبيانها، كما في قوله -تعالى-: ﴿يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ (سورة يوسف: 17).

فالألف واللام لا تفيد ذئبًا بعينه، بل إنهم يريدون، أكله الذئب أي أكله ذلك الحيوان المفترس.

الألف واللام قد تكون بمعنى العهد، والعهد قسمان، عهد لفظي وعهد ذهني، أي عهد ذكري وعهد ذهني.

فالعهد الذكري كما في قوله -تعالى-: ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ (سورة النور: 35).

فالألف واللام في (الزجاجة) كأنها تفيد أن المقصود بالزجاجة هي الزجاجة السابقة، «المصباح في زجاجة الزجاجة» هذه الزجاجة كأنها كوكب دري.

وقد يكون العهد ذهنيًّا، كما إذا قلت لصاحبك «نجحت في العلم»، والمقصود بالعلم هنا علم معهود بينك وبينه.

والمعرفة إذا أعيدت معرفة كانت عين الأولى، والنكرة إذا أعيدت نكرة كانت غير الأولى، فإذا قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (سورة الشرح: 5-6).

فإن العسر الأول هو نفس العسر الثاني، أما اليسر الثاني فغير اليسر الأول، ولذلك قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لن يغلب عسر يسرين اثنين».

أما الألف واللام في والزانية والزاني، والسارق والسارقة، أهي للاستغراق؟ أم لبيان الحقيقة؟ أم لبيان العهد؟ والحقيقة أن الألف واللام في السارق والسارقة والزانية والزاني لها معنى خاص بها، يقول العلامة ابن مالك: وصفة صريحة صلة ال وبيان هذا أن الألف واللام، إذا دخلت على اسم الفاعل أو اسم المفعول، فإنها لا تكون للتعريف، إنما تكون بمعنى «الاسم الموصول».

فابن مالك يقيس الموصول إلى قسمين:

١- موصول اسمي.

۲- موصول حرفي.

١- الموصول الاسمى: الذي للمفرد المذكر، التي للمفردة المؤنثة، اللذان للمثنى المذكر، اللتان للمثنى المؤنث، الذين للجمع المذكر.

٢- الموصول الحرفي: فالألف واللام إذا دخلت على اسم الفاعل كما في قوله -تعالى-: «والسارق والسارقة»، وكما في قوله تعالى: «والزانية والزاني».

إذًا فمعنى الألف واللام في هاتين الآيتين «الذي سرق، والتي سرقت، فاقطعوا أيديهما»، «التي زنت، والذي زنى، فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة».

ولو أراد الله -سبحانه وتعالى- أن يقول لا تجلدوا الزاني لأول مرة ولا تقطعون يد السارق لأول مرة، لجاء بصيغة المبالغة بدل الاسم الموصول، ولقال: «السراق والزنائون» بصيغة المبالغة هكذا، على وزن فَعَّال، أما على وزن فاعل فيفيد ذلك أنه فعل الفعل ولو مرة واحدة.

كما إذا قرأت قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (سورة نوح: 10)، لم يقل إنه كان «غافرًا»؛ لأن (غافر) اسم فاعل، أما غفار فصيغته مبالغة تفيد كثرة المغفرة، ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (سورة نوح: 11)، مدرارًا على وزن مفعال، لم يقل يرسل السماء عليكم «دارة»، وإنما قال: «مدرارًا» أي كثيرة الإدرار، كثيرة المطر.

وكما في قوله -تعالى-: «غفور رحيم» فعول فعيل.

وكما إذا قلت: «المؤمن كيس فطن» فعل.

وإذا قال الله: «السراق والسراقة والزناءة والزناء»، قلنا إنها صيغة مبالغة، وما دامت صيغة مبالغة فلا يفيد ذلك أن من زنى مرة يجلد، أما الله فقد قال: «والسارق والسارقة».

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الجمل فتقطع يده». 

فالألف واللام إذا دخلت على اسم الفاعل كانت موصولًا حرفيًّا، والسارق والسارقة، أي الذي سرق والتي سرقت، والزانية والزاني أي التي زنت والذي زنى.

ولو كان الله يريد أن من زنى أول مرة أو سرق أول مرة لا يجلد ولا يقطع لجاء الكلام بصيغة المبالغة.

ولماذا لم يقل الله: «وسارق وسارقة فاقطعوا أيديهما».

الرد على ذلك في كتب اللغة والقرآن الكريم يقعد به ولا يقعد له، «فهو معنى حامل، ولفظ به قائم، ورباط بينهما ناظم».

سارق وسارقة نكرة، والابتداء بالنكرة غير جائز، يقول العلامة ابن مالك: 

ولا يجوز الابتداء بالنكـــــــرة 

ما لم تفد كعند زيد نمـــــــــــره 

وهل فتى فيكم فما خل لنا 

ورجــــل مــــــــن الكــرام عندنــــــــــا

فسارق تكون مبتدأ، والابتداء بالنكرة لا يجوز إلا في حالات بينها العلامة ابن مالك في ألفيته.

هي إذا تقدم الخبر على المبتدأ بقوله: «عند زيد نمره»، أو إذا تقدم على المبتدأ نفي أو استفهام أو إذا كان المبتدأ بالنكرة كانت النكرة موصوفة، كما إذا قلت: «فتى من الكرام عندنا»، فمن الكرام جار ومجرور صفة لنكرة؛ لأن الجمل بعد النكرات صفات، وبعد المعارف أحوال.

والدليل على أن الألف واللام في السارق والسارقة والزانية والزاني موصولان حرفيان وجود الفاء في قوله -تعالى-: «فاقطعوا»، «فاجلدوا». 

هذه الفاء واقعة في جواب الصلة؛ لأن الموصول كالشرط في إفادة العموم، والجمل التي يجب أن تقترن بالفاء إذا وقعت جوابًا يجمعها عالم النحو في قوله: 

اسميـــــــــة طلبيـــــــــــــــــة وبجــــــــــامد

 وبما ولن وبقد وبالتنفيس

 فلو كانت الألف واللام في السارق والسارقة حرف تعريف فقط، لقال مولانا: «والسارق والسارقة اقطعوا أيديهما»، «والزانية والزاني اجلدوا كل واحد منهما».

بل لكان النصب هنا أرجح، ولقال الله -تعالى-: «والسارق والسارقة اقطعوا أيديهما»؛ لأن اقطعوا فعل أمر، ومن باب الاشتغال إذا تقدمت الكلمة على فعل الأمر واشتغل الفعل بنصب مفعول آخر، فمن الراجح نصب ذلك الاسم بفعل محذوف وجوبًا يفسره المذكور، لقال الله: «والسارق والسارقة اقطعوا أيديهما» بالنصب هكذا، ولما جاز أن يؤتى بالفاء في فعل الأمر هنا.

ما الذي جعل القرآن يأتي بالفاء؟ الألف واللام في السارق والزانية تفيد الموصول، والموصول كالشرط في إفادة العموم.

أما في كتب أصول الفقه فإن القاعدة تقول:-

«إن الحكم على المشتق يؤذن بعلية مصدر الاشتقاق».

أي إذا قال الله -تعالى-: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما».

أي أن العلة في القطع هو السرقة، لم يقل مرة ولا مرات.

«الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة».

أي أن العلة في الجلد هو الزنا؛ لأن الزنا مصدر والسرقة مصدر، وهما أصل الاشتقاق، والزانية اسم فاعل والسارق اسم فاعل، فالحكم على المشتق يؤذن بعلية مصدر الاشتقاق.

 

الرابط المختصر :