; الشيخ عبد العزيز ملا زادة -رحمه الله- ودور علماء السنة في إيران | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ عبد العزيز ملا زادة -رحمه الله- ودور علماء السنة في إيران

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1988

مشاهدات 50

نشر في العدد 864

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 26-أبريل-1988

  • عارض الشيخ عبد العزيز المادة الدستورية الـ 13 والتي تنص على كون المذهب الاثنا عشري في إيران مذهبًا رسميًّا.

     

    المناطق السنية في إيران كلها تعاني اليوم من التمييز الطائفي، كما تشهد هذه المناطق جهودًا حكومية مكثفة وحادة لإقامة ستار حديدي بين أهل المنطقة ومصادر العلم الشرعي لعقيدة أهل السنة، وتتمثل هذه الجهود بعرقلة بناء المساجد وتحقير لعلماء السنة، وبمنع طباعة كثير من كتب العلم بدعوى مخالفتها لمذهب الدولة، وأحيانًا منع أبناء السنة من الدراسة في الجامعات الإسلامية في الدول السنية من العالم الإسلامي.

     

    وفي الطرف الآخر نشط علماء السنة في إيران تجاه حملة الحكومة الطائفية وأخذوا يقيمون حلقات العلم الشرعي في المساجد، وقاموا بتأليف الرسائل الصغيرة والكتب، ونظموا دروسًا للوعظ والإرشاد من أجل الحفاظ على عقيدة أهل السنة في هذه البلاد.

     

    ففي مناطق الأكراد قام المجاهد المسلم أحمد مفتي زاده للدفاع عن حقوق السنة والمطالبة بتحسين أوضاعهم، فقامت حكومة الثورة بزجه في السجن ورفاقه. وفي البر العربي من فارس «المطل على الخليج» قامت مجموعة من علماء السنة بنشاط مكثف للحفاظ على العقيدة ولكن واجهوا حقدًا طائفيًا دفينًا أدى إلى هجرة سلطان العلماء من (بندر لنجه) واعتقال الشيخ ضيائي لفترة من الزمان. أما في بلوشستان فقد كان لنشاط الشيخ عبد العزيز ملا زاده الأثر الكبير في ازدهار العلم الشرعي في المنطقة. ولكن في إحدى ليالي ذي الحجة 1407هـ وبالتحديد في الـ 16 منه «17 أغسطس 1987» فارق هذا العلم حياته الفانية وانتقل إلى الدار الباقية بعد أن قضى من حياته 71 ربيعًا حافلًا بالتعليم والدعوة والجهاد، ومحاربة الانحراف الفكري والفساد الخلقي والاضمحلال الاجتماعي.

     

    والمجتمع يقوم بتسليط الضوء على حياة هذا العالم الجليل اعتقادًا منه بأهمية تلك المنطقة ورجالها وإعلامها وللدور الذي يقومون به في خدمة العقيدة.

     

    ولد الشيخ عبد العزيز ملا زاده في ولاية بلوشستان الإيرانية في شهر مارس 1916 في أسرة معروفة بالتدين والعلم وبالوجاهة بين سكان المنطقة، حين كان والده الشيخ عبد الله السربازي في منصب القضاء وكان ذا نفوذ وكلمة مسموعة بين الأهالي.

     

    وقد تلقى الشيخ عبد العزيز التعليم في طفولته على يد والده ثم سافر إلى مدينة كراتشي والتحق بأحد المعاهد الدينية المرموقة هناك حيث درس العلوم الشرعية الإسلامية إلى جانب العلوم الأخرى. ونظرًا لشغفه بالعلم وحبه له فقد واصل دراسته العلمية في مدينة دلهي بالهند وأخذ العلم عن المشايخ الكبار من منسوبي دار العلوم بديوبند.

     

    كما عاصر الفقيد أثناء إقامته بالهند الحركات السياسية التحررية وتابع ما تكتبه الصحافة والإعلام عن ذلك ومشاركة مشايخ ديوبند المسلمين فيها.

     

    وحالما عاد الشيخ إلى بلاده بلوشستان أدرك بوضوح ما يعانيه هذا الإقليم من العزلة والجهل والمعاناة، فشرع بقوة وحماس لنشر النور والعلم بين الأهالي وقام بحملة كبيرة وناجحة في بناء المساجد انتهت بإقامة 150 مسجدًا في مدينة «زاهدان» وأنحاء الإقليم ومنها انتشر نور القرآن ورسالة الإسلام والعلم.

     

    ثم عُرض على الشيخ عبد العزيز أن يكون أستاذًا في الكلية الحكومية بمدينة «زاهدان» فعمل في الكلية فترة واتصل بجيل الشباب ووجد الفرصة مواتية لغرس العقيدة الإسلامية الصافية في قلبه وتلقينه تعاليم الكتاب والسنة. لكن الجو العام في الكلية كان يسير في غير اتجاه الشيخ فما لبث أن ترك العمل في الكلية.

     

    ونجح الشيخ في افتتاح معهد شرعي في المدينة ليحقق هدفه في التعليم والتربية والدعوة وكان يُعرف باسم «المدرسة العزيزية» ولا تزال هذه المدرسة تؤدي دورها إلى اليوم في تخريج أهل العلم وبعض خريجيها استمر في دراسة العلم الشرعي في باكستان وبعض البلاد الإسلامية والعربية.

     

    ولم تقتصر جهود الفقيد على التدريس فقد كان -رحمه الله- كثير التنقل في القرى والمدن في الإقليم للوعظ وإلقاء الدروس. وعندما بدأ دروسه وخطبه في أول الأمر كان عدد الحضور لا يزيد عن 12 شخصًا ولكن لم تمض فترة قصيرة حتى أصبح عددهم بالآلاف لما كان يتمتع به من موهبة في الخطابة وبراعة في الإلقاء.

     

    ورفع الشيخ عبد العزيز ملا زاده لواء إحياء السنة الشريفة في العبادات والمعاملات، بعد أن ماتت السنة واختلط الحابل بالنابل، فعلّم الناس الطريقة الصحيحة في أداء الصلاة والصيام، كذلك عودهم على أداء الزكاة بعد أن نُسيت وحث الأغنياء منهم على أداء فريضة الحج، وكان هو بنفسه يذهب كل عام إلى الحج ويستغل مناسبة الحج في الاتصال بالحجاج من البلوش وغيرهم وتربيتهم التربية الروحية.

     

    وقد وفق الله الشيخ -رحمه الله- في القضاء على الكثير من البدع والخزعبلات التي تعمقت جذورها بين الناس إما لجهلهم الشديد بشؤون الدين أو بتأثرهم بالمذاهب المنحرفة المجاورة لهم في تلك البلاد. وبهذا الجهاد الكبير المصحوب بالعلم الغزير والحكمة البالغة تحولت بلوشستان إلى إقليم يخلو إلى حد كبير من العادات والتقاليد المنافية للشريعة والتي نراها في كثير من البلاد الإسلامية.

     

    مواقف للشيخ في عهد الشاه

     

    وللشيخ عبد العزيز مواقف من الحكومة المركزية في طهران تدل على صلابته في الحق والتزامه الدقيق بالآداب الإسلامية وأحكام الشريعة ولو على حساب غضب الحكام والمسؤولين.

     

    ويُروى عنه أن قبائل في منطقة شيراز الإيرانية قامت بتمرد كبير على الحكومة أيام الشاه. واقترح شخص اسمه «خزيمة» وهو من المقربين من الشاه تجنيد أعداد كبيرة من شباب ورجال بلوشستان للاستعانة بهم في قمع التمرد فوافق الشاه على الفكرة، وتم تعيين «خزيمة» حاكمًا لإقليم بلوشستان. وطفق هذا الرجل في جمع المقاتلين من البلوش وتوزيع الأموال استعدادًا للتوجه إلى المتمردين. وكان ذلك قبيل عيد الأضحى.

     

    وعلم الشيخ بأمر هذه الفتنة الدامية وغرور «خزيمة» الذي يريد التقرب من الشاه بدماء أبناء بلوشستان وعرقهم. فما كان منه إلا أن اعتلى المنبر لصلاة العيد وأعلن معارضته لتجنيد الشباب في بلوشستان وقال: «لسنا بقوم يستغلنا عبد من عبيد الشاه، ولسنا متاعًا موروثًا ويأتي شخص ويأخذ رجالنا ويذبحهم كالأغنام.»

     

    وحينما كان الشيخ أستاذًا في الكلية الحكومية في زاهدان، جاءت وزيرة التعليم والتربية -آنذاك- بروين اعتصامي؛ لزيارة الكلية، فتقدم جميع الأساتذة في الكلية نحو الوزيرة يصافحونها، غير أن الشيخ امتنع عن وضع يده في يدها، فاحمر وجهها غيظًا، إلا أن الشيخ قال لها: «لا يجوز في شرع الله أن يصافح الرجل المرأة، وأنا على استعداد لأن أترك العمل في الكلية، ولكنني لست على استعداد أن أعصي الله ورسوله.» فلم يسع الوزيرة إلا أن سكتت على مضض.

     

    مواقف في عهد الخميني

     

    ولم تكن مواقف الشيخ عبد العزيز الجريئة في عهد الشاه فحسب، بل وفي عهد الثورة الحالية كانت له مواقف جريئة جدًا، فقد عارض الشيخ -وبشدة- المادة الدستورية الـ 13 والتي تنص على كون المذهب «الاثنا عشري» في إيران مذهبًا رسميًا في كافة شؤون ومجالات الحياة «إلا في الأحوال الشخصية التي يلتزم بها كل طائفة على مذهبها وفقهها» وطالب بأن يكون الإسلام «لا المذهب» هو الدين الرسمي للدولة.

     

    وتبرئة لذمته أمام الله ثم أمام الشعب، قام الشيخ عبد العزيز بمقابلة الرئيس الإيراني «خامنئي» وأبدى جميع ملاحظاته على ممارسات النظام الإيراني الجديد التعسفية، وقرأ -خلال حديثه مع خامنئي- الآية الكريمة: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (الأعراف:129). وعلّق قائلًا: «لا أظنك بحاجة إلى أن أفسر لك الآية التي تعلم أنت مضمونها. إنك أيها الرئيس في اختبار شديد عند الله، وعليك أن تجعل اهتمامك بالإسلام لا بالقضايا المذهبية.»

     

    وقابل الشيخ عبد العزيز كذلك الإمام الخميني وقال له بجرأة: «أود أن أتكلم معك فيما لا يتكلم معك فيه حتى أقرب الناس إليك، إن فئة من الإيرانيين كانوا يجاملون الشاه في عهده خوفًا من بطشه، ولما قامت الثورة تحولوا منه إليها، وقدموا تضحيات جسيمة، ولكنهم اليوم يقتلون ويذبحون بحجة أنهم كانوا فيما مضى من رجال الشاه. ألم يكن من الأفضل أن تُقبل تضحياتهم ويُنسى ماضيهم؟» سمع الخميني ما قاله الشيخ، فلم يرد عليه بشيء!

     

    رحمك الله

     

    وهكذا فقد أهل السنة في إيران أحد أعلامهم من الذين وقفوا في وجه الطغيان في عهد الشاه وفي عهد الخميني الآن. نسأل الله له الرحمة، وأن يعوض المسلمين من يحذو حذوه ويواصل مسيرته. وما ذلك على الله بعزيز.

     

    السنة ثلث السكان

     

    أهل السنة في إيران أقلية كبيرة وموزعة على أطراف الجغرافية الإيرانية. وهذا نتيجة أن إيران كانت منطقة سنية مزدهرة بمراكز العلم والأدب. وعندما حكمها إسماعيل الصفوي اعتنق المذهب الشيعي كمبرر ديني له لإقامة دولة خارجة عن الخلافة العثمانية. وأخذ يكرس هذا المذهب في إيران ما استطاع إلى ذلك سبيلًا لدعم مبرره الديني في الانفصال عن الوحدة الإسلامية تحت راية العثمانيين. وأجبر السنة في إيران على تبني المذهب الشيعي وتحقق له ما أراد. ولما كان أثر سلطة الحاكم المركزية يبرز في المراكز أو العاصمة وما جاورها من مدن كبرى، فقد ظلت كثير من المناطق البعيدة عن السلطة المركزية محافظة على مذهبها السني.

     

    فقد ظل البحر العربي في فارس والمطل على الخليج سنيًا وعربيًا يضم مجموعات كبيرة من القبائل العربية. وهم اليوم يتجاوزون مليون سني في البر العربي من فارس (أو البر الفارسي من الخليج) كما ظل البر الإيراني المطل على بحر العرب سنيًا يقطنه السنة البلوش. كما أن الحدود الشمالية «خراسان» يقطنها التركمان الذين بعضهم تشيع والبعض الآخر ظل على المذهب السني. والبلوش والتركمان يمثلون 20% من سكان إيران أي ما يقارب 10 ملايين معظمهم من السنة. أما في الشمال الغربي من إيران فيقطنه ما يقارب من 5 ملايين كردي كلهم من السنة (الأصناف) أي ما يقارب 13% من تعداد السكان. وهذه الأرقام أخذت كلها من كتاب «السكان 1988» مما يؤكد أن تعداد السنة يقارب ثلث سكان إيران.

الرابط المختصر :