; الشيخ علي الجسار: جيل الكويت الحالي ليس جديرًا بالمحافظة على المكاسب | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ علي الجسار: جيل الكويت الحالي ليس جديرًا بالمحافظة على المكاسب

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-نوفمبر-1988

مشاهدات 74

نشر في العدد 891

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 15-نوفمبر-1988

الشيخ علي الجسار... شخصية كويتية بارزة على عدة مستويات... لها حضورها في كثير من جوانب النشاط الكويتي... يعتبر من الجيل القديم... بثقافة عالية، عرفه أهل الكويت منذ القدم بآرائه الجريئة وطرحه المتميز... سواء في خطبه في المسجد أو برنامجه في التلفزيون، أو مقالته في الصحف الكويتية أو عمله رئيسًا للجنة المناقصات... نلتقي اليوم مع الشيخ الفاضل... ليدور معه حوار شيق في مختلف الجوانب... التي تمثل سعة اطلاعه وامتداد خبرته في الحياة.

المجتمع: فضيلة الشيخ... بصفتك شخصية تنتمي إلى جيل ما قبل النفط... فما هي أبرز ملامح ذلك الجيل؟ وبماذا يتميز عن هذا الجيل؟

الشيخ الجسار: لا شك أن الفرق بين الجيلين لمثلي واضح وضوح الشمس في رابعة النهار.. يمكن أن أسبق قولي بأن هذا الجيل يفسر قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (العلق: 6، 7) لا شك أن الجيل السابق كان جيلًا يعيش عيشة الكفاف، لا يحصل على لقمة العيش إلا بعد كد وجهد واسع إما في الغوص وإما في السفر، وإما في قطع الصخور وإما في البيع في الأسواق من طلوع الشمس إلى غروبها وإما في البنيان، وكأن الحصول على لقمة العيش من الأبواب التي ذكرتها لك هي كفيلة بأن يكون تطلعه لا يتجاوز الراحة، بالإضافة إلى أن الإنسان الكويتي في ذلك اليوم كان نهاره نهار وليله ليل، وليس مثل اليوم الكهرباء حولت الليل إلى نهار والإنسان لا يفرق بين الساعة الأولى من الليل والساعة الأخيرة منه لأن الليل أصبح كالنهار بفضل الله.

إذًا الفرق بين الجيلين واضح كما قلت لك، الجيل الماضي لا يأتي الليل إلا وهو منهوك القوى تعبان يريد مس الأرض حتى ينام، فكل إنسان ذلك اليوم يستطيع أن يأخذ حظه الوافر من النوم، وبالتالي فإنه يستطيع أن يستيقظ ويصلي الفجر في المسجد، فكان الناس في ذلك اليوم يصلون الفجر في المسجد وبعد الصلاة كل واحد منهم يتوجه إلى عمله.. البناء بناء، وناقل الرمل ينقل الرمل.. كانت حياة الناس حياة بسيطة جدًّا فنجد أن الإنسان بحكم البيئة يحافظ على الصلاة في المسجد، وحين يأتي أذان الظهر تقفل الدكاكين ويصرف البائع ويروح؛ فيجد الإنسان نفسه لا شعوريًّا متوضئًا وذاهبًا إلى المسجد يصلي. ومما هو جدير بالذكر كان الناس في ذلك الوقت لا يغلقون أبواب دكاكينهم فكان صاحب الدكان يضع شبكة على باب دكانه وهو مظهر كريم من مظاهر الأمن، وكذلك لم يكن في الكويت غير الكويتيين.

أما اليوم بعدما أفاء الله على الناس من خيراته سبحانه وتعالى من كنوز الأرض فقد تغيرت الأحوال، وكم كان بودي وبود کل إنسان مخلص أن يزداد الناس بنعم الله شكرًا له، فإذا كانوا يصلون في ذلك اليوم الصلوات المكتوبة في المسجد يجب أن يحافظوا عليها الآن في ظل النعمة، في ذلك اليوم كان الناس كل خمسة أو ستة إخوة يبيتون في غرفة واحدة، أما الآن فكل واحد ينام في غرفة واحدة ولو كان أعزب.. كم كان بودي أن يحافظ الناس على العبادة وعلى الطاعة لكي يشكروا بها نعم الله ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُم (إبراهيم: ٧) إنما مع الأسف الشديد كما بدأنا حديثنا الصورة الآن الواضحة في حياة الناس هي التفسير الحقيقي لقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (العلق: ٦، ٧)، فالفرق بين الجيلين واضح فالجيل الماضي كان يتمتع بكثير من القيم التي قد لا نجد لها أثرًا بين الكثيرين من أبناء هذا الجيل. 

المجتمع: هل تعتقد أن الجيل الحالي جدير بالحفاظ على قيم وأخلاق وتقاليد المجتمع الكويتي؟ وهل هو قادر على الحفاظ على المكاسب التي نالتها الكويت في المجتمع الدولي؟ 

الشيخ الجسار: حسب رؤيتي الآن وحسب مسيرة الكثير من أبناء هذا الجيل يظهر بأنهم ليسوا جديرين بالمحافظة على المكاسب، فالمحافظة عليها لا تحتاج فقط إلى شهادة علمية، الشهادة العلمية ممكن أن تكون جزءًا كبيرًا من قيمة الإنسان للمحافظة على المكاسب إنما هناك أشياء كثيرة لم نجدها بين أبناء هذا الجيل، کاحترام الصغير للكبير وعطف الكبير على الصغير، واحترام الابن لوالديه واحترام الأخ الأصغر لأخيه الأكبر، والتعاطف بين الناس وهذه ليست موجودة في الشهادات.

 المجتمع: ما هو السبب في الاختلاف بين جيل ما قبل النفط والجيل الحالي؟ التعليم أم الثروة المفاجئة أم التغيرات السياسية في العالم العربي أم جميعها وغيرها كذلك؟ 

الشيخ الجسار: تكاد تكون مجتمعة.. التعليم والثروة والتغيرات السياسية.. التعليم في الماضي كان المعلم يمثل الأب الحنون الرؤوف على الطالب ويريد أن يعلمه، وكان الناس يثقون بالمعلم.. ما كان الأب يثور على المعلم عندما يضرب ابنه لأنه يعلم أن المعلم ما ضرب ابنه إلا لصالحه، وكانت العقوبة من المعلم والمدرسة في ذلك اليوم للمصلحة، وكانت العقوبة بحد ذاتها درسًا وليس إهانة، أنا أذكر أننا في الماضي عندما كنا في المباركية والأحمدية كان التلميذ إذا ارتكب خطأ مهما كان نوعه ورأت إدارة المدرسة أن يعاقب هذا التلميذ تمنعه عن الخروج بعد انتهاء الدراسة حجز ساعة أو ساعتين، ولكن هل يحجز هكذا؟ لا... يعطى بيتًا من الشعر ويقال له اكتب هذا البيت مائة مرة.. نعم فإذا كتبه وانتهى يخرج حيث يوضع له مراقب ويرى هل كتب الواجب بشكل صحيح وسليم فالدراسة في الماضي كانت عبارة عن غرس روح القيم والأخلاق والتعلم، ولذلك لا أكون مبالغًا إذا قلت لك إن الذي حفظ الكويت بعد إرادة الله وشهامة أبنائها هو الجيل الذي تعلم في المدارس الأولى. 

كان الناس في الماضي ينطقون اللغة العربية الفصحى بدون أن يتعلموا قواعدها إنما يتعلمونها عن طريقة قراءتهم للقرآن.. كان المعلم يأمر أحد التلاميذ بالقراءة ويأمر الباقين أن يلاحظوا فإذا أخطأ في القراءة تجد التلاميذ يرفعون أيديهم، والذي لا يرفع يدل على أنه لم يتابع فيضربه المعلم وتجد معظم الذين تعلموا من الجيل القديم أحسن بكثير في قراءتهم من الجيل الحاضر. أيضًا من ناحية الصلاة هذا شيء واضح. إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة، بمعنى أنه إذا لم يسبقه علم ينظم هذا الثراء فإنه سيكون شرًّا، وهذا هو المشاهد والملاحظ وخصوصًا بالنسبة للشباب الذين يمتلكون السيارات ويجوبون الشوارع، لا يمثلون وضعًا حضاريًّا بالنسبة للأمة الإسلامية... الأمة الإسلامية حضارتها تكمن في القيم والأخلاق وفيما يعلي مكانة الإنسان الأدبية والاجتماعية والخلقية والسياسية. 

المجتمع: الأم الكويتية اليوم... بماذا تختلف عن أمهات الأمس رحمهن الله؟ 

الشيخ الجسار: نعم يا ولدي.. تختلف اختلاف كبيرًا جدًّا.. كانت الأم الكويتية في الماضي تقوم بخدمة البيت والخياطة والتربية والكنس.. كانت المرأة في الماضي تمثل المرأة العربية الصحيحة. الأم الكويتية في الماضي هي التي أعدت الرجال الذين جابوا البحار وأتوا بلقمة العيش من أنحاء العالم بالسفن الشراعية التي كانوا يعيشون على ظهرها طويلًا فوق البحر، الأم الكويتية التي رعت البراعم وأخرجت الرجال والنساء الذين تعاقبوا على قيادة الكويت والحفاظ على الكويت، وما من شك فإن الأم تركت وظيفتها التربوية إلى أناس مغايرين لنا دينًا ولغة وأخلاقًا.

المجتمع: وبالنسبة للأسرة الكويتية هل هي مترابطة؟ وكيف ترى الرقابة على الأولاد؟

الشيخ الجسار: الأسرة الكويتية السابقة «ما قبل النفط» ربطت ما بينها الحياة الاجتماعية حيث كانت البيوت متلاصقة، وكان الرجل له خمسة أو ستة أبناء في بيت واحد، وقد يتزوج منهم اثنان أو ثلاثة أو أربعة وكلهم في بيت واحد، وإنك لتدخل البيت الكبير فتجد ثلاثة أماكن للطعام هذا للرجال وذاك للنساء وثالث للأطفال ذاك أن الحياة هي التي نمّت وحافظت على الترابط، ولكن بعد تدفق النفط ووفرة المال تفكك الناس فيها وتفرقت الأسر، وصار الوالد والأبناء كل في بیت منفرد.. إن فترة الخمسينيات إلى نهاية الستينيات شهدت تفككًا فظيعًا جدًّا ولكن من فضل الله أشعر أنه منذ أوائل السبعينيات بدأت الأسر تعود إلى بعضها وترى الوالد وأبناءه وكل واحد منهم يسكن في بيت ولكنهم يذهبون لتهنئة بعضهم البعض في رمضان وفي الأعياد وفي التعزية.

•رقابة الأبناء ضعيفة جدًّا الآن لو أردت أن تقارنها بين ما كان الكويتيون قبل النفط واليوم، وكثير من الآباء ومع الأسف ترك الحبل على الغارب لأبنائه، ولكنني لا أزال آمل خيرًا إذ أن الشباب أنفسهم بدأوا يشعرون بالضياع.. بدأوا يشعرون بضرورة الرجوع إلى ما كان عليه الأولون.

المجتمع: بماذا تفسر ازدياد عدد الراسبين في التعليم العام وقلة الكويتيين بين أوائل الطلبة؟

الشيخ الجسار: أعزو ذلك إلى الرفاهية المنتشرة فالسيارة قللت من أوقات الولد للمراجعة، وكذلك التلفزيون والفيديو، لأن أول ما يدفع الإنسان إلى الدراسة هو تطلعه إلى لقمة العيش الكريمة، فالكويتي يشعر بأن العيش الكريم بين يديه، وغير الكويتي يشعر بأن العيش الكريم يحتاج إلى شهادة علمية حتى يستطيع عن طريقها أن يلج الوزارات ويتبوأ أكبر الوظائف.

المجتمع: من هم العلماء البارزون في تاريخ الكويت الذين ترى أنهم يستحقون تقدير الأجيال المقبلة؟ ولماذا؟

الشيخ الجسار: كان هناك علماء في الكويت برزوا بورعهم وتقواهم، ولكنني للأسف الشديد لا أعرف علماء على مستوى التفقه في الدين وفهم روح الإسلام كأولئك الذين لديهم مصنفات ويذكرهم التاريخ... وربما لو سألت غيري لعدّد لك أسماء كثيرة... ولكنني أود أن أكون دقيقًا وأفرق بين العلم والورع.

المجتمع: هل تعتقد أن الكويت في حاجة إلى مجلس أعلى للإفتاء والدعوة من أجل حث الناس للإقبال على الدين؟

الشيخ الجسار: ولله الحمد جاء الإسلام دينًا واضحًا بمعالمه وتوجيهاته... ولم يكن في الرعيل الأول رجال دین... فالإسلام لا يعرف فئة رجال الدين.. ويفترض أن المسلم قادر على فهم أحكام الإسلام العامة وكثيرًا ما جاءت النصوص توصي المسلمين بأن يتعاملوا مع القرآن والسنة الشريفة مباشرة دون وسائط... وهذا ما أكد عليه الفقهاء الأربعة حين قال مالك: أنا أنقل عن صاحب هذا القبر... ولله الحمد فإن أصول الإسلام ثابتة ولا يجوز فيها الاختلاف... فلا أحد يقول إن الصلوات عشر ولا صلاة الظهر ركعتان ولا رمضان أكثر من شهر وهكذا؛ لذا فأنا أدعو المسلمين لأن يتعاملوا مع القرآن والسنة دون الحاجة إلى لجان أو مجالس.

المجتمع: ما رأيك بالشباب المتدين في الكويت؟ وما هي مواطن الإعجاب ومواطن المؤاخذة والتحفظ فيه؟ وماذا تتمنى منه؟

الشيخ الجسار: لا أعتقد أن مسلمًا مدركًا واعيًا يكره ظاهرة التدين.. هذا مستحيل... فالإنسان السوي ينشد السلوك القويم لأبناء المسلمين... ولكنني أود من أبنائنا أن يتعاملوا مع الدين برفق... وأن يحافظوا على مظهرهم اللائق... وكم أتضايق عندما أرى شابًّا يطلق لحيته دون تهذيب... لقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نكرم اللحى، ومن الإكرام إظهارها بالمظهر اللائق... أما أن يتركها الشاب على سجيتها هكذا فهذا ليس من الإكرام... إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يعتني بمظهره وصورته وكان إذا نظر إلى المرآة قال: «اللهم حسن خُلقي كما حسنت خَلقي».

وكذلك لا يعجبني من بعض الشباب الإتيان بأمور توجب الخلاف مع غيرهم من المصلين، كالذين يباعدون بين قدميهم في الصلاة أو يقوم بمشادة مع غيره من أجل وضع حاجز للصلاة «كطاولات المصاحف».. إن المسجد كله حاجز... ولو كنا في الصحراء لاستحبت السترة ولو كانت خطًّا كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.. شبابنا يجب أن يبتعد عن موجبات الخلاف لكي لا ينفر منهم المصلون في المساجد... وعمومًا كثير من هذه الأمور قد خفت.

كما أن المتدين يجب أن يكون قدوة حسنة في عمله ووظيفته وألّا يسيء إلى الصلاة دون أن يدري، فبعض المصلين يتركون وظائفهم قبل نصف ساعة من الأذان استعدادًا للصلاة ويعود بعد الأذان بساعة إلى مكان عمله... غير معقول أن تستغرق الصلاة والاستعداد لها ساعة أو ساعة ونصفًا... هذه إساءة للصلاة... إن الصلاة لا تستغرق أكثر من ربع ساعة بالكثير بوضوئها وأدائها ونوافلها... أنا لا يعجبني المتدين الذي يبين حرصه على الصلاة على حساب عمله... فالإنسان يتقاضى راتبًا عن عمله ويجب أن يكون قدوة حسنة ولا بد من إعطاء الوظيفة حقها الكامل دون الإخلال بواجبات الله، فلو قال لك رئيسك اجلس في عملك ولا تصل فلا تطعه فلا طاعة المخلوق في معصية الخالق.

المجتمع: تقوم الكويت ممثلة بمؤسساتها الرسمية والشعبية بدور خيري كبير في مجالات الدعوة الإسلامية والإغاثة وبناء المؤسسات الخيرية في العالم الإسلامي، لماذا احتلت الكويت مكان الصدارة بهذا الدور دون سائر البلاد الإسلامية الغنية؟

الشيخ الجسار: إن الله قسّم عليك أخلاقكم كما قسم عليكم أرزاقكم.. هذا توفيق من الله، ولعل ما تلهج به ألسنة الناس له حظ وافر من الصحة بأن الذي حفظ الكويت من الأخطار التي أحاطت بها- وما أراد بها الأشرار من نية سيئة- هو هذه الأعمال الحسنة والأعمال الطيبة، ولا شك أن الأعمال الخيرة لها مردود جيد، فإغاثة الملهوف ومساعدة المسكين والإحسان أعمال تأسر القلوب وتدفع الشر وتقي من السوء.

المجتمع: ما رأيك بالجمعيات النسائية في الكويت؟

الشيخ الجسار: أي جمعية نسائية أو رجالية إذا كانت تؤدي خيرًا يباركه الدين أما إذا كانت هذه الجمعية للنساء حتى يتجمعن بها ويتركن البيوت للخادمات يقمن بالطهي ويرعين البراعم فلا أقبله، إن الرعاية التي تقوم بها الخادمات ستظهر نتائجها بعد مدة حينما يتسلم جيل المربيات زمام الأمور ونرى ماذا يكون بها، أنا لا أوافق على هذه الجمعيات إذا كانت بهذه الصورة.

المجتمع: ما هي التحديات التي تواجه المجتمع الكويتي اليوم؟ وكيف يمكن مواجهتها؟

الشيخ الجسار: التحديات ليست للمجتمع الكويتي بل للأمة الإسلامية وللدين الإسلامي الحنيف وللتراث العربي الكريم.. كل مجتمع اليوم يحاول تقوية صلته بالله وأمامه تحديات مع الأسف الشديد، وهذه التحديات لا بد لردها أن يتماسك أبناء المجتمع أنفسهم حكامًا ومحكومين لأن هذه التحديات يقودها الشيطان، ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (ص: ٨٢) فإذا لم تقف الحكومة المسلمة الواعية مع شعبها ويقف الشعب مع حکومته لرسم معالم الطريق السليم إلى صراط الله المستقيم فستذوب هذه الأمة في قيود الذل والخنوع

المجتمع: وما الحل الذي تراه مناسبًا لذلك؟

الشيخ الجسار: الرجوع إلى الله رجوعًا صحيحًا يتمشى مع روح الإسلام، فالإسلام لم يحرم علينا الطيبات، ولم يمنع أتباعه من أن يكتشفوا أسرار الكون؛ لأننا لو نظرنا إلى الآيات القرآنية لوجدناها تخاطب العقول «أفلا يعقلون، أفلا يتفكرون» ويقول سبحانه ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ (فاطر: ٢٨) حينما ربط الله خشية العلماء مع هذه الظواهر الكونية، فكأنما أراد القرآن أن يلفت نظر المسلمين إلى أنه عليكم واجبات منها الكشف عن أسرار هذا الكون فإذا عرف المسلم كيف يتمشى مع الحياة الحاضرة ويحافظ على طاعة الله فإنه سيكون على الطريق السليم.

المجتمع: ألا ترى أن هناك أناسًا يعيشون بيننا وهم يكثرون من هذه التحديات؟

الشيخ الجسار: الاستعمار ما رحل عن العالم الإسلامي والعربي إلا بعد أن ضمن له تلاميذ، فهو رحل بجسمه أما أفكاره مع الأسف الشديد ما زالت تعبث في دنيا العروبة والإسلام، فإذا لم تتضافر جهود الحكام والمحكومين في العالم العربي لرفع شأن الإسلام وتعاليم الإسلام وقيم الإسلام فلن تقوم للأمة الإسلامية عامة والأمة العربية خاصة قائمة أبدًا ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ (محمد: ٧) هذه مادة ليست من دساتير البشر ولكنها من دستور الله الذي يريد أن تقام حدوده في الأرض.

المجتمع: ما رأيك بالتركيبة السكانية في الكويت؟ هل هي مطمئنة؟ أم تحتاج إلى إعادة ترتيب؟ وكيف؟

الشيخ الجسار: التركيبة السكانية يجب الالتفات إليها، والمحافظة على العنصر الكويتي الصحيح الذي حافظ على تراثه القديم والذي كسب رزقه من الغوص وقطع الصخر وحمل الرمل! وفي الحفاظ على التركيبة السكانية ضمان لاستمرارية عروبة الكويت وإسلام الكويت وقيمة أهل الكويت وهذه حقيقة.

المجتمع: كيف تحافظ الكويت على سمتها الإسلامي وعلى تراثها؟

الشيخ الجسار: يجب أن تحافظ على قيمها القديمة وتحافظ على الكلمة الطيبة وتحافظ على أوامر الإسلام وتحافظ بالدرجة الأولى على المنهج الدراسي الذي يكفل إبراز الكويت كبلد مسلم عربي فتختار المدرسين الذين يغرسون القيم الكريمة في نفوس الطلبة، والاعتناء باختيار المدرس كالاعتناء باختيار الدواء لمرضى الأجسام... كما يجب على الحكومة الكويتية أن تضع القيادات الاجتماعية الكويتية بيد الذين يعرفوا الكويت حملًا وولادة ونشأة، ولا تسلم القيادات- لا سمح الله- لمن لم يكونوا قد عرفوا الكويت إلا من قريب.

المجتمع: هل تؤيد إعادة فتح ملفات الجنسية للتحقق من الذين حصلوا عليها دون حق؟

الشيخ الجسار: نعم يجب أن يعاد النظر إذا كان بالإمكان، خصوصًا فقد ثبت عمليًّا أن بعض الذين حصلوا على الجنسية لا يستحقونها وأقول هذا من واقع عملي.

المجتمع: ما موقفك من قضية «بدون جنسية» في الكويت؟ لماذا نشأت هذه القضية؟ وما هو حلها؟

الشيخ الجسار: هذا شيء لا يقبل به عاقل، نحن نعرف أن «الطرائيث» ينبت في البر ونعرف أن العشب ينبت في البر ولكن لا نعرف أن برتقالة أو نخلة نبتت في البر.. لا بد لهذه الشجرة المثمرة من غارس قد غرسها، فكيف بالإنسان؟ يوجد إنسان بدون؟ لا يوجد إنسان بدون.. في الستينيات عندما بدأت الدولة تستخرج جنسيات لمواطنيها كنا نعرف بعضنًا بعضًا ولم نكن نعرف شيئًا اسمه بدون.

المجتمع: كيف نشأت؟

الشيخ الجسار: لا أعرف.

المجتمع: وما هو حلها؟

الشيخ الجسار: الحل إلغاء صفة «بدون» لأن «بدون» تجني على الكويت.

المجتمع: بصفتك رئيس لجنة المناقصات، هل تعتقد أن المناقصات صورة من صور توزيع الثروة الوطنية على الكويتيين؟

الشيخ الجسار: لا.. أعوذ بالله.. هي صورة من الصور التي تضبط المعاملات في طريق سليم.. معاملات الدولة مع الآخرين، الحكومة توزع الثروة عن طريق تقديم الخدمات كلها بالمجان للكويتيين وغير الكويتيين.

المجتمع: ما رأيك في المقولة التي تقول إن نظام لجنة المناقصات أدى إلى تدني مستوى الخدمات والصيانة حيث إن البحث عن أدنى الأسعار وعدم التعامل مع المنتج الأجنبي مباشرة أدى إلى تأخر هذه الخدمات أو استيراد أقلها سعرًا وأقلها جودة؟

الشيخ الجسار: لا يقول هذا القول إلا إنسان بعيد كل البعد عن فهم المناقصات، المناقصات يحكمها القانون ويحكم المناقصات شروط ومواصفات وعندما تطرح العطاءات مثلًا يوم الأحد نفتحها يوم الإثنين، أو يوم الإثنين ونفتحها يوم الثلاثاء، وأثناء فتح العطاءات «الظروف» نجد أسعارًا مختلفة فتنظر اللجنة إلى جميع العطاءات وتضعها في كشف، وكل مشترك يقدم المناقصة في نسختين، نسخة تبقى عندنا ونسخة نبعثها إلى الوزارة، الوزارة تقبل عروض أقل المتقدمين سعرًا مع موافقته على كل الشروط والمواصفات ولا تتحفظ عليه ولا مانع لديها من التريث ولا بد من موافقة اللجنة الفنية؛ لأن اللجنة الفنية في الوزارات الحكومية هي مكملة للجنة المركزية في لجنة المناقصات؛ لذلك مع الأسف الشديد هذا الكلام أسمعه كثيرًا حتى من بعض الجهات الحكومية يقولون هذا الكلام، ولكن هذا الكلام مغلوط... المسألة كما قلت لك لها شروط ولها مواصفات.

المجتمع: نعود مرة أخرى إلى المجتمع الكويتي... ما هو في رأيك الحل الأمثل لأزمة الزواج؟

الشيخ الجسار: إنني أنا شخصيًّا لو كانت عندي بنت وأكملت الثانوية العامة وتقدم لها زوج كفء لا شك بأنني سوف أقنعها ولا أجبرها، فإن حياة الفتاة في ظل الزوج الصالح أفضل لها من ألف شهادة، وإن عزة المرأة وكرامتها في حياتها الزوجية «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة وفساد كبير»، وأنا لا أريد أن أخدش شعور أحد من الناس ولكن أقول إن الفتاة التي تمتنع عن الزواج بحجة إكمال التعليم تضر نفسها إذ قد يفوتها القطار، وأنا لا أعتقد بأن الشهادة العلمية بالنسبة للفتاة العربية المسلمة تغنيها عن الزواج الصالح، لا شك أن اليوم أصبحت الشهادة العلمية رصيدًا أو وسيلة يحملها معه الإنسان لطلب الرزق بإرادة الله لكن أنا أعرف أن كثيرًا من الفتيات اللواتي تعلمن ثم تزوجن هن الآن يعشن حياة كريمة في ظل الأزواج الفضلاء، وهذه ليست دعوة لترك التعليم.

المجتمع: وما هو سبب العنوسة في الكويت؟

الشيخ الجسار: هذا هو سببها... أن يتقدم لخطبتها شاب وتقول أنا أريد أن أكمل تعليمي فقد تكون فتاة فاضلة طيبة من بيت طيب ولكن هذا الشاب الذي أتى رغبة بها يصدم، ويجيئها الثاني فيصدم والثالث كذلك، ويشيع هذا الموقف فيحجم الناس عن التقدم لها فهي بعدما تكمل دراستها وتصل إلى سن ٢٤ لا شك بعضهم يأتيها من فضل الله ولكن الكثير من العنوسة هذا سببها في تصوري.

المجتمع: وماذا عن ارتفاع نسبة الطلاق في الكويت؟

الشيخ الجسار: الجهل المطبق بين الزوج والزوجة ولم ينل كل منهم حظه من التوجيه في بيته عندما كان صغيرًا بين أمه وأبيه.

وقد سبق وتحدثت بهذا في التلفزيون وقلت إن الزواج الذي تم في الثلاثينيات حتى الخمسينيات كانت نسبة الطلاق بها ١٪ والذي تم بين الخمسينيات ونهاية الستينيات كانت النسبة ۱۸٪ وفي السبعينيات كانت النسبة ٢٥٪ وفي الثمانينيات كانت النسبة ٨٤٪ وهذه إحصائية من وزارة العدل.

المجتمع: قبل الختام هل تود شيخنا الفاضل إضافة أي تعليق؟

الشيخ الجسار: على أهل الكويت أن يستيقظوا في حاضرهم ليجددوا العهد مع الله فيبنوا البناء السليم للكويت التي حفظت أصول الكويتيين وكرامة الكويتيين، وما زال أبناء الكويت يشعرون بكرامتهم وكرامة آبائهم، وأهل الكويت يجب أن يفرحوا لأن الكويت فتحت أبوابها لطالب الرزق الشريف في الوقت الذي يجب فيه علينا أن نستيقظ وأن نعرف ضيوفنا ونعرف من يستحق الاستمرارية ونتعاون معه ونقول له أهلًا وسهلًا والذي لا يستحق نقول له لا، ويجب أن نكون عيونًا ساهرة حادة البصر لحكومتنا وأن نكون آذانًا مرهفة متعاونين تعاونًا وثيقًا مع الحكومة لحفظ الكويت حتى نسلمها للأجيال القادمة سليمة من كل الشوائب كما استلمناها من الأجداد وهذا ما أتمناه على الله.

وأتمنى على الشباب المسلم الآن أبناء الصحوة والنهضة بأن يثبتوا وجودهم بالتلاحم الصادق بينهم وبين الآخرين وليس مع المتدين فقط لا.. أبدًا.. بل أريد أن يكون هذا الشاب المتدين أخًا لكل إنسان بغض النظر عن كونه كويتيًّا أو غير كويتي، وأن يكون هذا الشاب الذي سلك مسلك المتدين قدوة وداعية في سلوكه وفي أخلاقه وفي بشاشة وجهه وبنظافة زيه ومظهره وبحركاته وسكناته، حتى نشعر نحن بأن هذه الظاهرة ظاهرة التدين فعلًا ظاهرة لها مردود طيب.

هذا الذي أريده، وأريد من الكويتيين الذين يتبوأون المناصب القيادية أن يكونوا الرعاة الصالحين لإخوانهم، وأرجو من كل كويتي يتبوأ منصبًا أن يكون الأخ الرؤوف الرحيم بأخيه، وأن يكون الأب الصادق المدرك لأبنائه، ومن رحمة الله بنا أن رزقنا رغد العيش والأمان. إن هذه السفينة يقودها رجل فاضل هو جابر الأحمد ويعاونه رجال مخلصون وفي مقدمتهم ولي العهد، نسأل الله لهم جميعًا الهداية والتوفيق وجمع الكلمة وأن يشد الله أزرهم لما فيه خير الكويتيين وغيرهم من الوافدين الصالحين، وأن يشد أزر الجميع بهم إنه على ما يشاء قدير وشكرًا لكم على هذا اللقاء.

الرابط المختصر :