العنوان الشيخ فيصل مولوي: قصور الوعي والعمل يجعل الصحوة تتحول إلى عكس المطلوب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مارس-1987
مشاهدات 59
نشر في العدد 810
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 24-مارس-1987
- الأجانب يصفون كل عمل إسلامي
بالتطرف، والإعلام في بلادنا درج على استعمال هذه التسمية.
فضيلة الشيخ فيصل مولوي من القطر اللبناني الشقيق أحد الدعاة الإسلاميين البارزين،
ومن أصحاب القدم الراسخة في مجال التوعية والتثقيف والإرشاد والتوجيه، كان معه هذا
اللقاء حيث أجاب على تساؤلات تهم الشباب المسلم في هذا العصر.
- هل لفضيلة الشيخ أن يحدثنا
عن بداية عمله في الدعوة الإسلامية؟
- يصعب على الإنسان التحدث عن نفسه وخاصة بالنسبة لي، فأنا أنسى كثيرًا
ما يتعلق بنفسي.
أما بفضل الله عز وجل فأنا عشت في مجال الدعوة الإسلامية منذ الصغر، كان عمري
اثنتي عشرة سنة عندما بدأنا نعمل مع إخواننا عباد الرحمن (ما يسمونه في ذلك الوقت أشبال)
ثم نشأنا بهذا الجو، وكانت دراستي للبكلوريا (المرحلة الثانوية) دراسة عادية غير شرعية،
ثم في المرحلة الجامعية درست الحقوق ودرست معها الشريعة، فقد كنت أدرس في جامعة دمشق
بكلية الشريعة، وبنفس الوقت كنت أدرس بالجامعة اللبنانية في بيروت الحقوق، وقد انتهيت
منهما في وقت واحد تقريبًا، وحينما أنهيت الدراسة كان هناك امتحان لاختيار قضاة شرعيين،
ودخلت الامتحان ونجحت، ودخلت القضاء عام 1968، وما يزال عملي في القضاء الشرعي من ذلك
الوقت إلى الآن، وأنا مكلف حاليًا بالمحكمة العليا كمستشار، وأما في مجال الدعوة فقد
كان لنا مشاركة واسعة بحمد الله في كل أبواب العمل الإسلامي بالدعوة.
ومن أهمها: إنشاء جمعية التربية الإسلامية في لبنان التي تشرف على مدارس الإيمان،
وعندنا الآن حوالي أربعة آلاف طالب في مدارس الإيمان المختلفة في طرابلس وفي الشمال
وفي بيروت، وبفضل الله عز وجل فإن هذه المدارس سدت ثغرة كبيرة أمام المدارس الأجنبية
التبشيرية، وأعطت فكرة أو صورة واضحة بأن المسلمين يمكنهم أن ينشئوا مدارس إسلامية
على مستوى عصري جيد لا يقل عن المدارس الأجنبية مع المحافظة على التربية الإسلامية
في هذه المدارس.
الشباب والصحوة الإسلامية
- هل ترون في الشباب الإسلامي
صحوة إسلامية؟ وإن كان هناك صحوة فكيف توجهونها؟
- من فضل الله أن الصحوة الإسلامية تعم العالم كله.. الشباب والشيوخ
وحتى الأطفال، والجو العام بالنسبة للمسلمين هو جو نهضة وصحوة ورجوع إلى الإسلام، لكن
واقع هذه الصحوة حتى الآن هو اندفاعة عاطفية ينقصها الكثير من الوعي والعمل.
هناك رغبة للإسلام قوية جدًا لكن هناك قصورًا كبيرًا في الوعي والعمل يجعل هذه
الصحوة في كثير من الأحيان تتحول إلى عكس المطلوب منها، وتستغل من قبل أعداء الإسلام
في تنمية وتقوية التيارات الإسلامية التي لا تخلو من انحرافات وأخطاء لاستغلالها في
ضرب الإسلام والعمل الإسلامي.
لذلك لابد من حملة توعية واسعة على كل المستويات حتى يمكن أن تحول هذه الصحوة
إلى اتجاه يفهم الإسلام فهمًا صحيحًا.
وجود الدعاة وتوجيه الدعوة
- بالنسبة لتوجيه الدعوة..
لابد لها من دعاة يبثون العلم وحقائق الإسلام وتحذير أهله ممن يستغل العاطفة الإسلامية..
هل في لبنان من الدعاة ما يكفي لسد الفراغ الموجود؟
- للأسف ليس هناك من الدعاة ما يسد 1% من الفراغ الحالي، وللأسف أيضًا
فإن الأوضاع في لبنان كلها تتعاون لإبعاد الدعاة من لبنان.
وقد لاحظت بعض الإخوة الذين درسوا الشريعة، وأصبحوا قادرين على هذه الدعوة تجدهم
مشغولين بكسب العيش ولا يجدون وقتًا للدعوة.
الواقع في لبنان صعب جدًا خاصة كثرة الأحداث والتقلبات التي أحاطت بلبنان وبمسلمي
لبنان، جعلت دور الداعية صعبًا للغاية؛ لأنه إما أن يكون له دورٌ في المسائل العسكرية
والسياسية، ويستطيع أن يعيش مع الناس وقضاياهم، وإما أن يكون له دورٌ فيصبح قيامه بواجبه
صعبًا، لأن الناس بطبيعتهم مشدودون لمن يرفع راية إنقاذهم والوضع شديد عليهم، وطالما
أن الدعاة لا يستطيعون أن يكون لهم دور في هذا المجال، لذلك يكون دورهم في مجال التوعية
والوعظ دورًا ضعيفًا لا يتجاوب معه من الناس إلا القليل.
عقبات في وجه الدعاة
- هل من عقبات أخرى تقف في
وجه الدعاة؟
- بلا شك هناك عقبات أخرى، ولكن هذه العقبة تتجلى أكثر؛ لأن
الداعية عندما يريد التكلم مع الناس لا يستطيع أن يلهب قلوب الناس وعقولهم للنصح، لأن
الناس مشغولون بالضغط والجرائم التي تنزل عليهم في هذا البلد، هل سيبقون فيها أو يهجرون
منها؟ زد على ذلك الأزمات الاقتصادية الحالية والقادمة.. فالناس عقولهم غير مستعدة
أو متفتحة لتستمع إلى وعظ مجرد أو دروس علمية مجردة.
قلة من الناس يمكن أن تستمع لمثل هذه الدروس، وحتى هؤلاء.. قد يقيم العالم درسًا
فيقع انفجار فيتعطل هذا الدرس والناس تخاف فالحضور للمساجد قليل، والناس تأتي للصلاة
وتنصرف بسرعة خوفًا من وقوع شيء، أضف إلى ذلك أنه من أهم العقبات أيضًا وضعهم المادي
فلا يمكن أن تجد واحدًا من الدعاة العرب يستطيع أن يتفرغ للدعوة مقابل الراتب الذي
يأخذه من الأوقاف أو من الجهات التي تدعمه؛ لأن مثل هذه الرواتب أصبحت دون الحد الأدنى
للأجور التي يتقاضاه الحاجب والعامل في أي مجال من المجالات، فيضطر هؤلاء ليبحثوا عن
موارد أخرى، وهذه تستنزف الجهد والوقت والأعصاب، وهي من أكبر العقبات.
انشغال الدعاة بالكسب مخطط استعماري
- أستاذنا الكريم هل نستطيع
أن نقول إنه من خلال انشغال الدعاة خاصة والمسلمين عامة بالسعي وراء الرزق وانشغالهم
عن الإسلام هو مخطط استعماري موجود ضمنًا؟
- هو بلا شك يحقق ما يريده الاستعمار، ولكن هل هذا هو الذي خططه الاستعمار
أو أبناء جلدتنا الذين تحكموا بالمسلمين منذ عشرات السنين وجعلوا العلماء والدعاة بهذا
الشكل؟
وهذا أمر مسؤول عنه في المرتبة الأولى حكامنا والأجيال السابقة، والعلماء تتحمل
نصيبًا من المسؤولية، كما أن الشعوب تتحمل مسؤولية أيضًا.. ربما من مئات السنين كان
من عادة الناس أن يتفقدوا علماءهم بالهدايا في كثير من المناسبات بحيث إن العالم كانت
تأتيه مؤنة السنة من كل أنواع الطعام والحاجيات، لكن هذه العادة لم تعد معروفة هذه
الأيام فأصبح دخل العالم متوقفًا على الراتب المحدود، ثم الأوقاف في الواقع لا نريد
أن نحملها هذه المسؤولية لأنها في مدينة كبيروت مثلًا فيها أوقاف موقوفة لعشرين مسجدًا
بنيت من قديم وحدد لكل مسجد أوقاف للإنفاق عليه.. وأما الآن فعدد المساجد تضاعف من
العشرين إلى الأربعين دون أن يوقف للمساجد الجديدة أوقاف جديدة فأصبحت أوقاف مساجد
العشرين تنفق على المساجد الأربعين، ثم كانت الأوقاف تنفق فقط على المساجد، ولكن الآن
أصبحت تنفق على التعليم الديني في المدارس الحكومية، والسبب في ذلك أن التعليم الديني
أيام الدولة العثمانية كان على الدولة باعتبارها دولة إسلامية، ولكن أيام الاستعمار
الفرنسي امتنعت الدولة عن الإنفاق على التعليم الديني في المدارس.. وكان على الأوقاف
أن تتحمل ذلك لئلا ينقطع التعليم الديني من المدارس، كما أن أوقاف لبنان كما هو معلوم
كلها عقارات، والعقارات في لبنان متى أجرت بعد عشر سنوات أو عشرين سنة يصبح الإيجار
أقل من 1% من الإيجار الحالي، فكل الإيجارات القديمة لا تكفي للإنفاق على مسجد واحد،
كما أن أوقاف المسلمين في المنطقة التجارية، وهي معطلة منذ بداية الحرب الأهلية سنة
1975، وهذه النتائج المجتمعة جعلت الأوقاف في وضع مؤسف جدًا، وهذا الواقع انعكس على
الدعاة، وبالتالي على العمل الإسلامي، ولولا أن هناك حركات إسلامية من الشباب المسلم
غير العلماء يقومون بشيء من الواجب تجاه العمل الإسلامي والنشاط الديني لكان الأمر
ينتهي إلى مأساة، ولكن وجود الحركات الإسلامية الكثيرة التي تتحرك كل منها في مجالها
واتجاهها أدت فعلًا إلى الصحوة الإسلامية في لبنان وجعلتها تقوى وتقف على رجليها وتحقق
شيئًا من الوعي لا بأس به.
موانع اتفاق جهود الدعاة
- لماذا لا يكون هناك اتفاق
فعلي بين جهود الدعاة في كل أنحاء لبنان.. فلو حدث أمر معين أو أن المسلمين يحتاجون
لمعرفة شيء بعينه يتفق فيه الدعاة للتركيز عليه في شتى المجالات وبذلك يكون الوعي
قد اصطبغ بصبغة عامة وشاملة؟
- هناك ثلاث عقبات تحول دون تحقيق هذا الاتفاق، العقبة الأولى: أن لبنان
مقطع ومن الصعب أن يجتمع العلماء والدعاة من مختلف المناطق اللبنانية ليبحثوا أو يتشاوروا
حول خطة عمل محددة.
وهذا الأمر قبل عام 1975، كان يمكن وقوعه، وقد قامت محاولات لإقامة رابطة للعلماء
المسلمين في لبنان، رابطة تشمل الجميع لكنها في الواقع ما استطاعت أن تتقدم بسبب الأحداث
الأمنية التي ظهرت في لبنان، فكانت النتيجة أنه نشأت عدة تجمعات من العلماء والدعاة
متباعدة عن بعضها البعض.
والعقبة الثانية: أن الدعاة إذا كانوا مختلفي المشارب والاتجاهات من الصعب أن
يتفقوا على طريق واحدة في الدعوة، أو على رأي واحد في مسألة سواء كانت المسألة فقهية
بحتة أو كانت المسألة معيشية معاصرة، وذلك لأننا هنا في لبنان موجود لدينا كل الاتجاهات
الإسلامية الموجودة في العالم، وكل منها لها دعاتها ولها علماؤها ومن الصعب أن يتفق
هؤلاء على شيء، ولكن لو كانت الظروف الأمنية مساعدة لربما وقع استماع وتساير وتفاهم
على بعض المسائل ولو بقي خلاف على البعض الآخر، ولكن العقبة الأمنية هي التي تمنع مثل
هذا الاجتماع.
الرأي في كلمة التطرف في الدين
- شاع في زماننا المعاصر
استعمال كلمة التطرف في الدين، وإذا أريد التخلص من جماعة مسلمة قالوا عنهم متطرفين..
فهل استعمال هذه الكلمة صحيح؟
- في الواقع هذه الكلمة ترجمة لكلمة أجنبية يستعملها الإعلام الأجنبي
يعني المتطرفين، والأجانب هم الذين يصفون كل عمل إسلامي أنه متطرف؛ لأنهم يعتبرون أن
الدعوة للرجوع إلى الحكم الإسلامي هو تطرف وهذا هو فهمهم للتطرف، والإعلام في بلادنا
درج على استعمال هذه التسمية ليحارب بها الحركات الإسلامية والدعاة المسلمين.
الواقع كل عقيدة من العقائد يمكن أن يوجد بها متطرفون، بمعنى أنهم متشددون (يعني
مغالون) كما هو وصف الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء، وعلى سبيل المثال إنك لتجد في
تاريخنا الخوارج يحكم أحدهم صلاته ومع ذلك يمرقون من الدين مروق السهم من القوس.. فوجود
المغالين المتطرفين يمكن وطبيعي في أية عقيدة.. ولكن أن يعطى هذا الوصف لكل من يطالب
بالعودة إلى الإسلام فهذا غير صحيح؛ لأن الإسلام في الأساس إنما هو تطبيق شريعة الله
عز وجل.
فأنا واجبي كمسلم أن أطالب بتطبيق شريعة الله.. والتطرف يكون عندما أريد أن أطبق
شريعة الله بالشكل المغالى الذي لا يساير فكر الناس ولا يراعي ظروفهم، ولا يأخذ أحيانًا
بالرخص الشرعية ويتشدد على العزائم والسنن، وربما يهمل بالفرائض، فلما يكون محتوى تطبيق
الشريعة الإسلامية بهذا الشكل يمكن أن يكون تطرفًا، ولكن مجرد المطالبة بتطبيق الشريعة
الإسلامية يسمى تطرفًا فهذا مرفوض وليس صحيحًا البتة.
ختامًا نشكر فضيلة الشيخ فيصل مولوي على هذا اللقاء الطيب.