العنوان الشيخ محفوظ نحناح كما عرفته
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر السبت 28-يونيو-2003
مشاهدات 66
نشر في العدد 1557
نشر في الصفحة 32
السبت 28-يونيو-2003
من آلاء الله على هذا الرجل الذي انتقل إلى جوار ربه يوم الخميس 19/ 6/ 2003م، أنه قضى أكثر من ربع قرن من عمره مشتغلًا بالمحاماة عن الإسلام بأسلوب مجرد وعرض لطيف بعيدًا عن الردع والقوة والإكراه فكان صورة رائعة للحق والخلق، والعبادة والمعاملة.
دخل السجن عام ١٩٧٥م في عهد الرئيس الأسبق هواري بومدين، بعد أن أعلن معارضته للتوجه الماركسي والمد الاشتراكي، وحكم عليه بـ ١٥ سنة، قضى منها أربع سنوات مع بعض إخوانه، ثم خرج وفيًا لدعوته التي استأنفها بقوة ونشاط، وكان السجن أكسبه مناعة ضد التراجع عن الحق، وأعطاه حيوية تستثير الإعجاب، فكان يتنقل بين المدن والقرى والمساجد يلقى الناس بأرائه وأفكاره ولا يبالي أن يناقشوه ويناقشهم حتى يستبين وجه الحق.
تعرفت إليه عام ۱۹۸۹م وهو في قمة النشاط والحيوية بعد محاضرة ألقاها بالمسجد الكبير بمدينة بسكرة جنوب الجزائر، حيث كنت قد بدأت الدعوة إلى الله عن طريق الخطابة.
أغراني بالتعرف إليه أسلوبه اللطيف في تعريف الناس بدينهم، وفك أثارهم النفسية والاجتماعية بشرعه، لقد كان زكي الفؤاد، عالي المروءة، ظاهر العفة، صادق الإخلاص في النصح للأمة، وإرشاد الحكام، وكان من صفاته.
التقى والذكاء
كان محفوظ نحناح عليه -رحمة الله- ذكيًا في فهم الإسلام، وتقدير منازل الرجال والإفادة من الإمكانات والوسائل المتاحة لبلوغ الغايات الكبرى، أيده في ذلك جنان نقي تقي، جنبه الطمع والتطلع إلى المناصب الكبرى والأغراض الدنيئة التي كان يحاربها بصرامة وغضب، اختار لنفسه ولإخوانه من أول الطريق ألا يكون مثار فتنة، أو مصدررذيلة، أو نواة لفوضى.
كان يحدثنا عن هذه الأمور بدقة ووضوح فيمحو ما يفهمه البعض عن الدعوة من أنها متعةومجد كان يقول إن الدعوة إلى الله مسؤولية فادحة لا يتعرض لها فيفرط فيها إلا أحمق سيئ الظن بالله.
لقد كان رجلًا من صميم الأمة يطلب منا أن نعينه على الحق وأن نمنعه من الباطل، وبعد أن شاركه بعض أبناء الحركة في السلطة عن طريق الوزارة كان يوصيهم بتقوى الله، ويرى أن السلطة المخولة لهم هي سياج للمصالح العامة، لا مصيدة للمنافع الخاصة، ولا باب إلى البطر والطغيان، وذلك هو أدب الإسلام.
عرض على مرة الاستوزار أي أن أكون وزيرًا -ورفضت لأسباب ذكرتها له، فكاد يختنق من شدة البكاء وهو يقول: عاش من عرف قدر نفسه.
الدين والدنيا
كان يرى أن البراعة في الشؤون المدنية والمعارف الكونية والعلوم الحديثة، ضرورة ملحة لبناء الأمة، وإقامة الحضارة، بل كان يراها فرائض مؤكدة أسبق في حياة المسلم من نوافل الأذكار والقراءات.
ولأنه كان جريئًا في توضيح هذه الفكرة، فقد تعرض لحملات شنيعة قادها ضده بعض الجاهلين الذين رأوا فيها خيانة للثقافة الإسلامية السائدة، وطعنة نافذة إلى صميم الإسلام.
حدثته مرة في هذا الموضوع راجيًا منه تخفيف الوطء في إقلاق بعض الجهلة، قال وعلى وجهه مسحة من حزن: إن الذين تشغلهم النوافل عن إتقان صناعة، أو زراعة، أو تجارة، أو علم لا يستحقون الاحترام، والذين تزداد خبراتهم بفنون الحياة المختلفة إنما يتجاوبون مع منطق دينهم، «ونحن نريد بناء حياتنا على قواعد رسالتنا العتيدة».
الوسطية والاعتدال
عندما عزمنا على تأسيس حركة المجتمع الإسلامي (۱۹۹۱) في أجواء سياسية وأمنية متدهورة يسودها التناقض والاستقطاب، كان -رضي الله عنه-، حريصًا على إقناعنا بضرورة تأسيس حزب سياسي معتدل يعيد الأمل للناس في الإصلاح، ويحفظ التوازن المطلوب كي لا تتعرض الدولة إلى التفكك.
ومازلت أذكر الحوار الطويل الذي دار بينه وبين الأستاذ أبو جرة سلطائي حول الأدوات والوسائل والأفكار التي ستستعملها الحركة الناشئة للتعبير عن نفسها، وجدوى الفائدة التي ستحققها من رعايتها لدين الله ولدنيا الناس معًا فتحدث الشيخ محفوظ يومها بإسهاب عن الوسطية والواقعية والمرحلية، وتحدث عن الوسائل التي بلغت بها الأمم والشعوب مستويات إنسانية راقية في تنظيم العلاقات بين الشعوب والحكام، تنظيمًا يمنع الظلم، ويوصد الأبواب في وجه الاستبداد والطغيان وتناقشنا كثيرًا حول الشورى والديمقراطية، ولم يكن بعضنا يرى الأخذ بالديمقراطية طريقًاصحيحًا على اعتبارها «دخيلة» لا «أصيلة» لكن الشيخ محفوظ كان مصرًا على الاستفادة من جو الحرية المتاح آنذاك، والتميز عن باقي الأحزاب السياسية الموجودة، ومصرًا على الانتفاع بتجارب الآخرين في هذا المجال، ولذلك لم ير مانعًا من الاستفادة من النصوص الدستورية التي وصلت إليها الأمم الراقية شريطة أن تتفق معالقواعد والنصوص الإسلامية، وأن تكون طيعة للتشكل في القوالب التي تنسجم مع روحناومزاجنا.
ومع بداية ظهور العمل المسلح في الجزائر ۱۹۹۲م، كان ضائقًا بهذا العمل، وكارهًا لهذا التوجه مهما كانت الأسباب وراغبًا في علاقة أهدأ وأعقل بين كل الأطراف، ولذلك سعى ما وسعه الجهد في الإصلاح وتهدئة الأعصاب وردم فجوات حالات «النقيض» التي برزت بين الأطراف المتناحرة.
استشرته مرة في لقاء الأستاذ عباسي مدني -حفظه الله ورعاه- لإبلاغه بوجهة نظرنا فيما يدور في الساحة آنذاك، فرحب بالفكرة وشجع عليها، ودعا لي بالتوفيق، غير أن قوى شاذة حالت بيننا وبين إقناع الأستاذ عباسي مدني بفكرته «الوسطية».
على كل حال، كان الشيخ محفوظ لا يرى أن يحرم الإنسان حق الحياة والأمان والعدالة بسبب رأيه، مهما كان مخالفًا، وكان على درجة كبيرة من الحساسية برسالته وتبعات الإصلاح الملقاة على كاهله، ولذلك كان يشعر كأنه المعني عند كل نداء، والمطلوب عند كل نجدة.
التجرد والعفة والوفاء
بت معه ليلة في بيته عام ١٩٩٠م، فقضى ليله موصول القلب بربه، ذاكرًاومصليًا في خشوع، وبعد أن صلينا الفجر، تألقت آماله العذبة في وميض عيونه وقطوب جبينه، فحدثني برجولة ناضجة حية عن آماله في أن تعيد الأمة ثقتها بالله، وأن تستعيد دورها الحضاري في البناء والريادة الروحية، ثم حدثني عن ثورة التحرير (١٩٥٦- ١٩٦٢م) وعن الفئات النقية التقية من الشعب الجزائري التي حاربت فرنسا القوية ببأسها وحديدها قال: لقد حاربوا فرنسا بأخف الأسلحة وأردئها فمن كان وراؤهم؟ من أيدهم بنصره؟
تذكر تفاصيل حياته تلك الأيام، ثم قال: إن الدم الغالي هو الذي يكتب اليوم تاريخ بلادنا، لكننا نريد شيئًا واحدًا نريد أن يطمئن الشهداء إلى أن الحق الذي يعتز بتضحياتهم لم ولن يهتز بعد ذهابهم، وأن الغايات النبيلة التي ماتوا من أجلها، سنسهر عليها حتى تمتد جذورها في الأرض، وتعلو فروعها في السماء.
ولعل الذكريات الأسيفة سبحت به، وتراءت له أمام عيينه صور التعذيب التي نزلت بالشعب الجزائري يوم الاستعمار، فهتف:
شعب الجزائر مسلم
وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله
أو قال مات فقد كذب
كان يقول دائمًا: إن الأهداف التي من أجلها مات مليون ونصف المليون من الجزائريين ينبغيأن تبقى وتصان وإن الأمور بعدهم ينبغي أن تسير في هذا المجرى العتيد». أي وفاء بعد هذا الوفاء؟
ولا تزال الكلمات التي نطق بها محفورة في ذاكرتي قال عليه -رحمة الله-: «إن عائلات الشهداء يجب ألا تفقد من رجالها الراحلين إلا وجوههم فحسب، وما عدا ذلك فالأمة تقوم نيابة عنهم»
حين حرم من الترشح للانتخابات الرئاسية عام ١٩٩٩م، بدعوى أنه لم يكن أحد مجاهدي أو مناضلي حزب التحرير الوطني، هاتفته غاضبًا من هذا الإجراء الظالم، فرد على كعادته وهو يضحك: ل «أن أحرم من الترشح للرئاسة خير لي من أن أكون مجاهدًا مزورًا».
ضبط النفس والجلد: بعد أن اختطف صديقه المقرب الشيخ محمد بوسليماني، ثم ذبح على يد الجماعة الإسلامية المسلحة، أظهر الشيخ محفوظ جلدًا قلما يصبر عليه الرجال، مع أن ضبط النفس بإزاء حادث كهذا ليس بالأمر الهين، إنه يحتاج إلى صلابة فذة وعزم من حديد.
التقيته بمكة المكرمة في موسم عمرة، وكنت متأثرًا بحادثة الشيخ بوسليماني الذبيح، فحدثته عن الثأر لدم هذا الرجل الكبير، وعن استعدادي للقيام بهذه المهمة مهما كان ثمنها، فبكى وتألقت في جبينه أشعة شتى من فضائل الصبر والثبات والحكمة، قال لي: يا فلان إننا في فتنة ولا نريد معالجتها بفتنة أخرى.
افترقنا وأعدت التفكير بأناة في دلالات كلماته الهادئة، فأدركت أن للرجل حسًاعميقًا، وحكمة بالغة لا يؤتاها إلا مثله من الرجال، ولا نزكي على الله أحدًا.
الدقة والبساطة والوضوح
كان خطابه مع العامة والخاصة يمتاز بالدقة والبساطة والوضوح، وكان عندما يتحدث، يتحدث بعقل الفيلسوف، وعاطفة الأديب، ودقة المشرع، وشجاعة الفارس، وبر الوالد، وإيناس الصديق.
كان طلي العبارة وإن لم يزور القول، وشاعر الفؤاد وإن لم يقل شعرًا، وهذه وظيفة قيادية لا يرشح لها إلا أولو النباهة والذكاء، وذوو المعادن الفكرية والخلقية الصافية، وكان -رحمه الله- يحب المزاح وبه يدخل إلى القلوب بعيدًا عن الحواجز التي يخلقها بعض الناس بينهم وبين غيرهم.
لما علم بمرضي بمرض -السكري- عافاكم الله منه- وقد كان هو الآخر مصابًا به، قال لي مازحًا: أعطيك وصفة تبعدك عن الحلويات، وتحول بينك وبين ما تشتهي قال لي: لما ترى التمر -وكان يعلم أني أحب التمر كثيرًا- أقسم بالله ألا تأكله، وبذلك تكون قد أمنت من حلاوته.
وداعًا أيها الحبيب
وداعًا أيها الحبيب أيها الأب والصديق ونعدك أننا لن نتوانى في أداء واجباتنا التييسرنا الله لها، وأعاننا عليها، وسنظل من بعدك نساند قضايا الحق، وننصر أهله حتى تلقى الله -إن شاء سبحانه- صادقين أوفياء.
سنتذكرك لتعود لنا في عصر الشهوات المهتاجة ذكرياتك الطيبة في التقى والورع وجمال الإيمان، وتحيا في أرواحنا معاني الفداء والوفاء والرحمة.
لقد اختارك الله إلى جواره، ونحن بحاجة إليك وعواطفنا المتناقضة تتصادم في الأفئدةمقبلة ومدبرة.
عرتني رعشة يوم سمعت بوفاتك، لكن لن أقول إلا ما يرضي الله، وسابقى كما عرفتني حريصًا على وحدة الصف، فاطمئن إلى استقرار الأهداف التي تفانيت لإقرارها، وأن الحركة التي أسستها ستظفر بوضع متناسق في الداخل وكرامة موفورة في الخارج، بإذن الله، ولن نكون طلاب متعة ولا شهرة وإنا لله وإنا إليه راجعون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل