; الشيوعية والصهيونية وجهان لعملة واحدة | مجلة المجتمع

العنوان الشيوعية والصهيونية وجهان لعملة واحدة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-نوفمبر-1982

مشاهدات 70

نشر في العدد 596

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 23-نوفمبر-1982

* الاتحاد السوفيتي يتحرك الآن لمزاحمة الولايات المتحدة في خدمة الكيان الصهيوني.

* لو لم تتدخل الولايات المتحدة لضرب المقاومة في بيروت لتدخل الاتحاد السوفيتي لضربها.

* قضية فلسطين تزعج السوفيت كلما ارتفع صياح العرب.

يعتقد بعض المراقبين في الغرب أن الغزو الإسرائيلي للبنان كان نصرًا كبيرًا للولايات المتحدة على السياسة السوفيتية، في المنطقة، بيد أن هذا الاعتقاد يعتبر في حد ذاته هدفًا سياسيًا يسعى إليه الاتحاد السوفيتي؛ لتغليف إستراتيجية طويلة المدى في المنطقة واستيعاب عقلية جماهيرنا بشعارات كلامية وحملات دعائية هدفها تلوين الدور التاريخي للاتحاد السوفيتي الذي بدأ يؤيد الكيان الصهيوني حتى قبل احتلال فلسطين، ولم يتوقف حتى الآن وإن بدا لمن لا يقرأ التاريخ أنه دور في صف القضايا العربية.

إن الرجل الذي يرسم السياسة السوفيتية وهو وزير خارجية روسيا أندريه جروميكو ما زال حيًا يمارس المهم التي بدأها منذ عام 1947، ولم يتغير فكره ولم تتزحزح مواقفه مرة واحدة منذ أن بكى أمام مجلس الأمن وقتها مطالبًا بإقامة دولة إسرائيل وقال: «إن من الشناعة أن نترك الأمة اليهودية وهي التي نزلت بها فواجع النازية تحت رحمة عنصرية أخرى أو نسخر مصائب هذه الأمة العظيمة -ويقصد الأمة اليهودية- لمصالح البترول وأصحابه العرب» ويقصد بالعنصرية الشعوب العربية.

لقد تبنى جروميكو قضية إقامة الدولة الصهيونية خطوة خطوة ومارس شخصيًا جميع المناورات في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن لغرض الكيان الصهيوني، حتى إنه كان أول سياسي اقترح لعبة التقسيم في سنة 1947 حين شعر بالضغوط الدولية على إقامة الكيان الصهيوني وقال مبديًا الخط الاستراتيجي السوفيتي تجاه إسرائيل: «إن قضية فلسطين تهم كل اليهود وهي تزعجهم وتزعجنا نحن السوفييت أيضًا كلما ارتفع صياح العرب» وحين هب العرب في عام 1948 لنجدة أشقائهم الفلسطينيين استشاط جروميكو غضبًا، وصاح في مجلس الأمن مطالبًا المجتمع الدولي بقوله: «إن على الأمم المتحدة أن تنزل بالغزاة العرب أقسى العقاب وتعيدهم إلى الصواب» ومضى يحرض العالم المسيحي ضد الجيوش العربية، ويثير فيهم الحماس الصليبي فيقول: «هل وصل العجز بالأمم المتحدة حدًا تعبأ فيه بالضرر الذي سيصيب العقائد الدينية في القدس بسبب العدوان العربي المسلح؟ هل نسي مندوب الأرجنتين أن بلاده الكاثوليكية يهمها أن لا تصاب المراكز الدينية في القدس بأذى؟ وهل نسي مندوب الولايات المتحدة ومندوب بريطانيا أن بروتستانت بلادهم قلقون على مصير الأماكن المقدسة في فلسطين المعرضة للعدوان؟ أم أن على العالم بأسره أن ينتظر من دعاة الإلحاد وحدهم الدفاع عن حرمة الأماكن المقدسة في فلسطين خاصة، وإن ممثلي الدولة البروتستانتية والكاثوليكية في مجلس الأمن قد اختاروا الامتناع عن معونة الاتحاد السوفيتي في صون معاقل الدين في فلسطين؟! هذا الماركس الملحد ينصب نفسه حاميًا لحمى الأديان تأييدًا للصهيونية، وأصدق ما قال وذلك بمعايير الصدق الماركسي: «إن الحقيقة العربية الشعبية لا تناوئ حركة التحرير الوطني اليهودية، وإنما يناوئها نفر من الرجعيين لا يمثلون جماهير العرب، إن مصلحة الجماهير العربية مرتبطة جذريًا بمصالح حركة التحرير اليهودية الوطنية، وحين ترتفع قبضة القيادات الرجعية وعملاء الاستعمار عن الجماهير العربية، فالوفاق سيسود بين حركات التحرير الوطنية العربية وحركة التحرير الوطنية اليهودية في فلسطين وتسود بينهما صلات الأخوة» فكل من يحمل سلاحًا لتحرير فلسطين هو في نظر الاتحاد السوفيتي رجعي لا يدرك المصلحة الحقيقية للجماهير العربية ...!!

مواقف روسية من الأزمة اللبنانية

إن المدخل السابق يعكس مواقف لم ولن تتغير ولن تخضع لمؤثرات ظرفية ذلك أن الشيوعية والصهيونية وجهان لعملة واحدة، ويكفي لرافعي شعارات الماركسية من أبناء العروبة أن يعرجوا على أقرب مكتبة ليروا كم هي مليئة بالوثائق التي تسجل خط الماركسية الصارم والعقائدي في فرض إسرائيل على العرب، وإن الذين يبررون موقف الاتحاد السوفيتي أثناء حصار بيروت بأنه موقف أملته ظروف داخلية وخارجية هم قوم واهمون أو مغرضون؛ لأن وضع الاتحاد السوفيتي في عام 1948 داخليًا وخارجيًا كان أضعف بكثير مما هو عليه الآن، فلماذا صال جروميكو وجال في الأمم المتحدة آنذاك وأنذر الجيوش العربية بالتدخل العسكري ما لم تنحسب من فلسطين ولزم الصمت في أزمة منظمة التحرير في لبنان؟ وقد يقال: إن التدخل السوفيتي كان يمكن أن ينذر بحرب نووية في المنطقة غير أن هذا القول يدرج ضمن المبررات الماركسية أيضًا فلم يقل أحد ولا يمكن أن يقول إن السوفييت بلغ بهم العجز إلى حد الاكتفاء بالإدانة الكلامية تجاه إنزال قوات أمريكية على سواحل لبنان بالقرب من حدودهم دون اتفاق ماركسي- صليبي- صهيوني ثم منذ زمن بعيد ... وكان بإمكان الروس -لو أرادوا خلاف ما اتفقوا عليه- أن يرسلوا أسطولهم قريبًا من بيروت، وكان يمكنهم أيضًا أن يحذروا الأطراف المعادية من أنها ملتزمة بموجب معاهدتها مع سوريا بحماية الأجواء والأراضي هناك، وكان بإمكانهم أيضًا وضع وحداتهم المظلية في حالة تأهب قصوى ولو بحركة استعراضية، قد تكون مثل هذه الإجراءات ضعيفة التأثير عند التنفيذ الفعلي ولكن الاتحاد السوفيتي سيصبح في مركز يبيح له أن يقول إن تحذيراته منعت إسرائيل من ارتكاب عدوان أكثر عنفًا، ومن السهل في هذه الحالة أن ينتحل الإنسان فضلًا لم يفعله في الحقيقة إذن لماذا كان التردد والصمت التام؟

والجواب إن الاتحاد السوفيتي بلد عقائدي والسياسة عنده عقيدة لا تتغير أبدًا، قد يكيف الظروف ويطوعها خدمة لمبدأه، ولكن لا يمكن أن يلوي مبدأه خدمة لظروف مغايرة، ومبدأه كما هو معروف وصرح به بافلوف السفير السوفيتي في باريس في سنة 1948 في اقتراح تقدم به للجمعية العامة التي كانت تعقد جلساتها هناك في تلك الفترة «إن الحل هو التعايش السلمي بين العرب واليهود وفي ظل أنظمة ديمقراطية تقدمية تخدم جماهير العرب وجماهير اليهودي وتمثلها جميعًا عقيدة وحكمًا ...» وجاءت مبادرة بريجينيف الأخيرة لتتطابق مع هذا الخط العقائدي الصارم، والغريب أن بعض الزعامات العربية تنهج نهجًا مختلفًا في تصريحاتها تجاه الاتحاد السوفيتي وتقدمهم لجماهيرنا على أنه ما زال حامي حمى القضايا العربية، بيد أن موقفهم هذا لا يعدو كونه حلقة في سلسلة التآمر العالمي ضد قضايا شعوبهم التي يتولون أمورها، لأنه لا يمكن أن تخفى عليهم حقائق أدركها رجل الشارع الذي صاغ موقف الاتحاد السوفيتي في كلمة قال فيها: «لو لم تتدخل الولايات المتحدة لضرب المقاتلين الفلسطينيين في لبنان مع إسرائيل لتدخل الاتحاد السوفيتي لضربهم علنًا لأنهم أظهروا التمرد وتجاوزوا الخط المرسوم للاتحاد السوفيتي» ومع موقف التواطؤ السوفيتي في الأزمة اللبنانية ومعارضته المستمرة لأي مشروع وحدوي عربي كما ظهر في تحفظه الأخير على مجلس التعاون الخليجي، يقف مسئول المكتب السياسي السوفيتي أمام وفد الجامعة العربية الذي زار موسكو في الصيف الماضي يقول «إن الاتحاد السوفيتي لا يستطيع أن يخوض حربًا عربية في لبنان، في الوقت الذي يفشل فيه العرب أنفسهم في إظهار ولو قدر بسيط من التصميم والوحدة» يتحدثون عن وحدة العرب ويعترضون عليها مواقف غاية في التناقض والمناورة!!

تحركات جديدة

نشرت الصحف الأمريكية أنباء متنوعة عن اجتماعات عقدت بين ممثلين عن حكومتي تل أبيب وموسكو ف الآونة الأخيرة وعقب الغزو الإسرائيلي للبنان؛ وذلك لتقييم المواقف رغم مظاهر القطيعة المزيفة منذ حرب سنة 1967، ويذكر أنه في خلال تلك الفترة لم يتوقف الاتحاد السوفيتي لحظة عن التأكيد في حق إسرائيل في الوجود، وتضيف مجلة «بانوراما» الإيطالية واسعة الانتشار معلومات مثيرة عن وجود خطة سوفيتية جديدة لحل مشكلة الشرق الأوسط، ويعكف حاليًا فريق مختص يساعد القيادة السوفيتية على إعداد هذه الاستراتيجية غير أنا لا نود أن يفهم الخبر على أنه استراتيجية جديدة لأنه لا جديد -كما عرفنا- في الموقف السوفيتي ولكنه مزاحمة سوفيتية لإزاحة الولايات المتحدة عن موقف الصدارة في خدمة الصهيونية، وتؤكد هذه المجلة أن القيادة السوفيتية تنظر الآن للصراع العربي الصهيوني وتضم في سياقها إمكانية عودة العلاقات مع تل أبيب على أسس الخطة الجديدة المعروفة باسم «فوستوك بلاك» أو مشروع الشرق الذي عرض على أحد الزعماء العرب الماركسيين، وينص على عودة إسرائيل إلى حدود سنة 1967 مع ضمانات دولية لاستقلال كافة هذه المنطقة بما في ذلك دويلة فلسطينية وذلك في مؤتمر دولي يحضره الاتحاد السوفيتي وإسرائيل وتجري الاتصالات السوفيتية- الإسرائيلية حاليًا تحت إشراف السفير السوفيتي «دويرينين» في واشنطن الذي استطاع ترتيب لقاءات مكثفة بين يهودا بلوم ممثل الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة مع نظيره السوفيتي «تروينفكسي» وتقوم رومانيا بدور الوسيط الذي لا يكل لكي تكلل هذه اللقاءات بنتائج أكثر فعالية.

تجري عمليات المزاحمة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لاحتلال مكان الصدارة في خدمة الكيان الصهيوني ولسان حال السوفيت يقول للأمريكيين: «لقد استطعتم رعاية ودعم إسرائيل في السراء والضراء، واحتفظتم بعلاقات ممتازة مع جميع الدول العربية حتى من تزعم اليسارية فلماذا يظل الاتحاد السوفيتي حبيسًا يظل يعمل خلف الكواليس؟ فلنعمد إلى التعامل مع إسرائيل علانية وليشرب العرب من البحر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

499

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

572

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8