; الشيوعيون العرب وقضية فلسطين قبل النكبة وبعدها | مجلة المجتمع

العنوان الشيوعيون العرب وقضية فلسطين قبل النكبة وبعدها

الكاتب سامي عطا حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 29-مارس-1988

مشاهدات 78

نشر في العدد 860

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 29-مارس-1988

تناقلت وكالات الأنباء منذ أيام أن الشيوعيين في فلسطين أصدروا منشورات تطالب المجاهدين في أرضنا المحتلة بالخلود إلى السكينة، وعدم قذف اليهود بالحجارة.

ومع أن الشيوعيين نفوا أن تكون لهم صلة بهذه البيانات والمنشورات -إرضاءً للرأي العام وخوفًا من وطأة أقدامهم- إلا أننا على يقين بأنهم وراء تلك المنشورات؛ لأنهم لم يوجدوا في الساحة العربية الإسلامية أصلًا إلا للمساهمة في إيجاد الكيان اليهودي في قلب أمتنا العربية المسلمة.

وأصول وممارسات هذا الحزب الخبيثة تؤكد ذلك، واليوم يحاول بعض مرتزقة الكتاب الإيماء للجماهير بأن هذا الحزب تهمه مصلحة الأمة، وأنه من المشاركين في الانتفاضة المباركة في أرضنا المحتلة.

وهذه السلسلة من المقالات تبين موقف الشيوعيين العرب من القضية الفلسطينية عمومًا قبل النكبة وبعدها، وتبين بالوثائق أنهم أول من دعا للاستسلام لليهود، وإن كانوا يهاجمون فكرة الصلح مع اليهود من خلال بعض مقالات ذيولهم في الصحف اليومية.

تعتبر كارثة فلسطين من أكبر كوارث التاريخ بوجه عام، والتاريخ العربي والإسلامي بوجه خاص؛ لأنها أفظع خطب حل بالعرب المسلمين في تاريخهم الحديث، وأعنف صدمة تلقوها منذ قرون.

وهذه الكارثة عميقة الجذور، بعيدة الآثار، دائمة الأخطار، لذلك لا بد من الإسراع في معالجتها ودفع أخطارها.

ولا يستطيع أحد أن ينكر أن أبناء فلسطين كانوا أول من تنبه لهذه الأخطار، فحاولوا دفعها بوسائلهم المتاحة، متحملين ظلم ذوي القربى وطغيان اليهود، واكتووا بنار فظائعهم، وتسنموا أعواد مشانق الانتداب البريطاني البشع، وذهب الكثير منهم -ولا يزالون- إلى رحمة الله ورضوانه، في لقاء كريم مع الرصاص في صراع الثورات الرهيبة، فتضحياتهم امتدت عبر التاريخ وما تزال، وكأن القدر فرض على سكان ذلك القطر العربي المسلم أن يكون على حلف مع التضحية، وعلى وقفة مستمرة مع الجهاد والاستشهاد.

وبينما كان أبناء فلسطين يحملون أرواحهم على أكفهم لمنع قيام دولة لليهود على أرض فلسطين، كان الشيوعيون العرب يعتبرون اليهود أمة لها حق الحياة في فلسطين، وأن الشعب اليهودي شعب ديمقراطي، وأن إسرائيل ("واحة للديمقراطية في الشرق الأوسط")، وأن الدولة اليهودية الجديدة ستكون ذات ملامح اشتراكية واضحة، وأن الوقوف بوجه التقسيم ومنع قيام دولة لليهود في فلسطين ليس إلا مؤامرة يديرها الاستعمار الأنجلو أمريكي. وكان الشيوعيون يرون في الحرب التي كان يخوضها أبناء فلسطين ومن معهم من شرفاء العرب والمسلمين حربًا عنصرية دينية، يجب إيقافها حالًا، وأن الجيوش العربية جيوش عدوانية محتلة، يجب تسريحها فورًا وكل من يتطوع في الحرب لقتال اليهود إنما يخون الحركة التقدمية الإنسانية.

لقد أعطى الشيوعيون العرب في موقفهم من حرب عام 1948 صورة صارخة للخونة والخيانة، ولعل القارئ يظن أننا نبالغ فليتمعن في الحقائق التالية:

1.     في كانون الأول سنة 1947 نظم (الحزب الشيوعي العراقي) مظاهرة حشد فيها كل قواه وطاقاته في الشوارع تأييدًا لقرار التقسيم، ومطالبة بإقامة دولة لليهود في فلسطين، وتصدر المظاهرات شيوعيان أحدهما عربي اللسان، والآخر يهودي، وقد رفعا يديهما متشابكتين عاليًا، كرمز للصداقة والمحبة العربية اليهودية.

2.     في 15 أيار سنة 1948 دخلت جيوش الحكومات العربية فلسطين لتمنع بالقوة تنفيذ جريمة اغتصاب فلسطين، وإقامة دولة يهودية، ومهما قيل في الحكومات العربية المنحرفة المتخاذلة التي قادت تلك الحرب، وكانت السبب الرئيسي في النكبة، فمما لا شك فيه أن دخول جيوش الحكومات العربية إلى فلسطين قد كان تعبيرًا عن السخط الشعبي الجارف الذي اعتمل في نفوس الشعب العربي في كافة أنحاء الوطن ضد تمزيق فلسطين وإقامة دولة لليهود فيها.

وفي تلك الفترة الحاسمة وفي هذا الجو الملتهب عقد الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان اجتماعًا مشتركًا في مدينة بيروت، ثم أصدر بيانًا مشتركًا بعنوان: (بيان إلى الشعوب العربية) حدد فيه موقفه من الحرب بقوله:

أ. إنها حرب دينية عنصرية.

ب. إن على الجيوش العربية أن تنسحب من فلسطين فورًا.

3.     وفي هذه الفترة كذلك أصدر الحزب الشيوعي العراقي نشرة داخلية لأعضاء الحزب تحت عنوان: (توجيهات بشأن الحرب الفلسطينية القذرة) جاء فيها:

أ. على الديمقراطي العربي أن يحارب ويشجب الحرب الفلسطينية القذرة.

ب. على الديمقراطي العربي أن يتعاون مع القوى الديمقراطية في إسرائيل لمنع هذه الحرب. "وقد نشر نصوص هذه الوثائق والنشرات الأستاذ عبد الهادي الفكيكي في كتابه: "ثورة 14 تموز بين الانقلاب الشيوعي وثورة الموصل". "الحرب الفلسطينية القذرة"، هذا هو الوصف الذي أطلقه الشيوعيون العراقيون على الكفاح الذي كان يخوضه الشعب العربي المسلم للحفاظ على وطنه، وليس لنا أن نعلق على هذا الوصف ولا على المشاعر غير النبيلة التي يكنها الشيوعيون العراقيون لفلسطين. ثم من هي القوى الديمقراطية في إسرائيل التي يجب على الديمقراطي العربي أن يتعاون معها؟ أهي عصابة الأرغون، أم شتيرن، أم الهاغاناه؟ أم لعله الحزب الشيوعي اليهودي الذي وجد أن أفضل طريقة يدلل بها على ديمقراطيته هي أن يخوض الحرب جنبًا إلى جنب مع عصابات اليهود ضد العرب؟

4.     أما الشيوعيون الفلسطينيون رفاق الشيوعيين اليهود القدامى فقد كانوا ينظرون بعين الإكبار إلى إخوانهم الشيوعيين اليهود، الذين يقاتلون ببسالة "الجيوش العربية المحتلة لوطنهم".

وهكذا بينما قضت الخنادق الواحدة -التي كان الشيوعيون يحاربون فيها جنبًا إلى جنب مع كافة اليهود والمنظمات اليهودية الأخرى- على آخر أثر من خرافة التفريق بين اليهودية والصهيونية في فلسطين، وبينما وجد المقاتلون العرب أنه لم يكن هناك فرق بين رصاصة صهيونية ورصاصة يهودية، كان الشيوعيون الفلسطينيون مشغولين بكتابة المنشورات التي تطالب بوقف الحرب ضد اليهود، وفعلًا قاموا في 1948/7/11، أي بعد يومين من انتهاء الهدنة الأولى واستئناف القتال، بتوزيع منشورات على السكان والجنود يهاجمون فيها استمرار القتال، ويطالبون بوقف الحرب حالًا، والاعتراف لليهود بحق إقامة دولة في فلسطين.

وفيما كانت الصحف العربية تضج بأخبار القتال الدائر، ظهرت صحيفة ("الاتحاد") لسان حال ("عصبة التحرر الوطني") تقول: "إننا ندعو إلى مفاوضات مباشرة مع حكومة إسرائيل والحكومات العربية، ولكن على أي أساس؟ على أساس إنهاء الحرب الدائرة، التي فرضها الاستعمار على سكان فلسطين، وعلى أساس سحب الجيوش وتسريحها.

إننا ندعو إلى مفاوضات مباشرة تستهدف إنقاذ عرب فلسطين من الاحتلال الأجنبي". وتحدد الصحيفة ما تقصده بالاحتلال الأجنبي فتقول: "إن احتلال جيوش الحكومات العربية الموالية للاستعمار هو احتلال أيضًا". ونشرت هذه المقتطفات في صحيفة "الاتحاد"، الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الفلسطيني ("عصبة التحرر الوطني") في العدد الصادر بتاريخ 1948/11/22.

هذه بعض مواقف الشيوعيين في سوريا ولبنان وفلسطين والعراق التي توضح كيف سارعوا إلى الاعتراف بحكومة إسرائيل مؤكدين اعترافهم بشرعية قيام دولة يهودية مغتصبة في فلسطين، وهم يعتبرون الحرب في فلسطين ضد قيام دولة لليهود فيها، حربًا أملاها الاستعمار ويحركها الاستعمار، بل نسي شيوعيو فلسطين كليًا -وهم يتحدثون بوقاحة عن الاحتلال الأجنبي للقوات العربية- الإشارة بكلمة إلى الغزو اليهودي الذي كان في هذا الوقت قد ثبت أقدامه في فلسطين.

 فمثل هذا الموقف هل تكفي كلمة "خيانة" للتعبير عنه؟

يتبع في العدد القادم إن شاء الله.

 

الرابط المختصر :