العنوان الشيوعيون العرب وقضية فلسطين «2»
الكاتب سامي عطا حسن
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1988
مشاهدات 91
نشر في العدد 861
نشر في الصفحة 30
الثلاثاء 05-أبريل-1988
نشرنا في العدد
الماضي القسم الأول من هذا الموضوع. وفي هذا العدد نتابع الحديث عن موقف الشيوعيين
العرب من القضية الفلسطينية قبل وقوع النكبة وأثنائها.
ليس هناك خائن
يتباهى بخيانته بوقاحة كما يفعل الشيوعيون المصريون.
أما الحركة
الشيوعية في مصر فلم تشذ عن نفس الخط السابق، في تقديم المبررات الفكرية والسياسية
لتأييد قيام دولة يهودية، وشجب الحرب والدعوة للصلح. واقرأ معي هذه المبررات التي
تفتق عنها تفكيرها المريض.
ففي 20/12/1947
حملت نشرة "الوعي" السرية التي يصدرها الحزب الشيوعي في عددها السابع
بحثًا بعنوان "المشكلة الفلسطينية" تحدد فيه الموقف الفكري للشيوعيين من
القضية الفلسطينية. جاء فيه: "يرجع فهم الواقع الحالي لفلسطين من تطور اليهود
فيها ونموهم كأمة جديدة. فالحالة الجديدة في فلسطين لم تكن نتيجة لبحث الوطنية لدى
اليهود في العالم كما تدعي خطأ الصهيونية. بل كانت نتيجة لمولد وطني جاء على أثر
تجمع عوامل تاريخية متعددة أدت إلى جعل يهود فلسطين أمة. وإذا قلنا أمة وجب أن
نعترف بحق تقرير المصير. وإذا قلنا حق تقرير المصير فمعنى ذلك تخويل الأمة حق
الانفصال. فإذا اعترفنا بحقيقة تكوين اليهود في فلسطين كأمة، فلا يمكن أن ننكر
عليهم حق الانفصال عن الأمة العربية وتكوين دولة يهودية في جزء من البلاد!!"
وفي 29/7/1948
أصدرت الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني "حدتو" وهي المنظمة الشيوعية
التي كان يرأسها اليهودي "هنري كورييل" بيانًا رسميًا يحدد فيه موقف
حزبه من قضية فلسطين ومن الحرب الدائرة وأسبابها. وقد استهل البيان بقوله:
"أيها المواطنون كافحوا من أجل حريتكم المسلوبة من أجل تحرير وطنكم من
الاستعمار والخونة كافحوا من أجل حياة إنسانية حرة سعيدة، من أجل تحرير الشرق
العربي من الاستعمار. ثم يقول البيان:
إن الاستعمار
البريطاني المجرم هو الذي خلق مشكلة فلسطين. فليس من المعقول أن نرسل قواتنا إلى
فلسطين ونترك أوطاننا رازحة تحت أقدام القوات الاستعمارية، وليس من المعقول أن
نرسل قواتنا لمحاربة اليهود في فلسطين، بينما نترك فلسطين بأسرها تحت أقدام القوات
البريطانية. ولكن الحكومات العربية خيبت آمال الشعوب فأمرت الجيوش العربية بالتحرك
لا لتحرير الشرق العربي من الاستعمار ولكن لإثارة حرب دينية عنصرية في
فلسطين!؟"
وتساءلت الشعوب:
لماذا كل هذا التغاضي عن الاستعمار، وهذا الحماس للحرب الدينية؟! لماذا تُكبَت
الحركات الوطنية ومطالب الشعب الاقتصادية وفي نفس الوقت تُشجَّع الحرب الدينية في
فلسطين؟! وهل هناك علاقة بين كبت الحركات الوطنية وإرهاب الشعب، وبين تشجيع الحرب
العنصرية الدينية في فلسطين؟!
ثم ينتهي البيان
بدعوة حارة لمقاومة الحرب ضد اليهود فيقول:
"أيها
المواطنون... تنبهوا... استيقظوا لمؤامرات الاستعمار وحلفائه الخونة!! واحذروا
الوقوع في دعايتهم الآثمة... المضللة... التي تستهدف حرفكم عن طريق الكفاح وتحويل
صراعكم الوطني إلى صراع عنصري عقيم!! إن هذه الحرب العنصرية حرب ظالمة يوجهها
الاستعمار والخونة ضد مصالح العرب!؟"
فالحرب في
فلسطين ضد الاغتصاب اليهودي... حرب عنصرية دينية... أي حرب تعصبية رجعية... هكذا
وبهذا الأسلوب الرخيص طمس الشيوعيون في مصر جوهر النضال من أجل فلسطين... وجعلوا
الكفاح ضد اليهود عملًا رجعيًا... وليس لنا أن نناقش هذا التآمر الفكري المتعمد...
والذي تفوح منه رائحة التآمر الوضيع على المصير العربي.
الشيوعيون
يعتبرون الحرب ضد الصهاينة حربًا عنصرية!
وفي افتتاحية
بعنوان "فلسطين... الحرب التي أملاها الاستعمار!" كتبت نشرة "صوت
البروليتاريا" لسان إحدى المنظمات الشيوعية المصرية في عددها الثاني تشرين
الثاني سنة 1948 تحدد فيها موقفها من قضية فلسطين والحرب الدائرة فيها... وأسبابها
وتعطي توجيهاتها بهذا الصدد فقالت: "مقدمة: في 15 مايو سنة 1948 غزت جيوش
البلاد العربية فلسطين. وهناك حرب قائمة في الشرق الأوسط منذ سبعة شهور ولكننا إذا
درسنا هذه الحرب بتعمق لوجدنا أنها ليست مجرد حرب عنصرية.
لقد أملى
الاستعمار البريطاني هذه الحرب وأعد لها منذ سنين طويلة ليدافع عن مركزه في الشرق
الأوسط.
إن هذه الحرب
تخدم البرجوازية العربية بكبت البروليتاريا الصاعدة والتقدمية.
إن هذه الحرب هي
واحدة من مصادر الحرائق الكثيرة التي تشعلها الرجعية العالمية؟! وذلك بهدف خلق
ترسانات من بعض المناطق التي يريدون استخدامها كنقاط للهجوم على الاتحاد
السوفيتي؟!!
وأخيرًا... فإن
هذه الحرب موجهة اليوم ضد الخطر الذي تحتله البروليتاريا اليهودية الثورية!! في
فلسطين."
وتستمر النشرة
في بيان وجهة نظرها وتوجيهاتها لأعضائها فتقول تحت عنوان: "الحرب الموجهة ضد
البروليتاريا اليهودية" ما نصه: "إن البروليتاريا المصرية يجب أن تتحد
مع البروليتاريا اليهودية ضد العدو المشترك... ضد الاستعمار!؟ وهذا هو السبب في أن
الحرب في فلسطين هي ضد مصالح الشعب على العموم وضد مصالح البروليتاريا المصرية على
الأخص".
لا أعتقد أن
هناك خائنًا يتباهى بخيانته بوقاحة كما يفعل الشيوعيون المصريون ثم تضيف النشرة
قائلة: "فإلى جانب حق تقرير المصير الذي تعترف به لليهود... فماذا ننصحهم أن
يعملوا؟ ما هو خطنا بالنسبة لهم؟ إنه التقسيم.
إن التقدميين
يرسمون خطهم على أساس اعتبارات المبادئ ومصلحة البروليتاريا وحركتها المتقدمة! وإن
اليهود اليوم يكونون شعبًا ديمقراطيًا؟! وتزداد سيطرتهم على حكومتهم يومًا بعد
يوم... في حين أن الحكومة العربية في فلسطين فاشية!؟ تعمل خادمة للاستعمار؟! وإن
القضاء على الدولة اليهودية وإخضاع اليهود لهذه الحكومة العربية معناه القضاء على
جزيرة للديمقراطية يمكن أن تكون ذات تأثير حسن على الجزء العربي في فلسطين وتلعب
دورًا إيجابيًا في الشرق الأوسط؟!!"
ثم تنتقل النشرة
إلى تحديد واجبات العمال الفلسطينيين والمصريين فتقول:
"اليوم في
وسط المعارك في فلسطين ظهرت شرارة... فمنذ بضعة أيام قرأنا في الجرائد أن جريدة
التقدميين العرب... الاتحاد- "وهي صحيفة الشيوعيين الفلسطينيين" قد
طالبت بانسحاب الجيوش العربية من فلسطين... وهي بذلك قد اتخذت الموقف الصحيح الذي
اتخذه الاتحاد السوفيتي!! إن واجب العمال الفلسطينيين العرب واليهود هو أولًا
تقوية وحدتهم في الكفاح اليومي ضد الاستغلال المشترك في المصنع... ضد البرجوازية
عربية كانت أم يهودية... وستكون هذه الوحدة هي التمهيد للوحدة السياسية ضد العدو
المشترك... أي الاستعمار... وضد البرجوازية الفلسطينية.
على
البروليتاريا المصرية أن تقوم بواجباتها الدولية بالدفاع عن حقوق الشعوب في تقرير
مصيرها.
إن على
البروليتاريا المصرية أن تنظم نفسها وأن تضغط كقوة سياسية منظمة لترغم البرجوازية
المصرية على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية".
وبعد: إن كل
كلمة في هذه النشرة مؤامرة فكرية نضالية على مصير العرب... وكل سطر فيها يرسم خطًا
في الصورة المتكاملة للجريمة القومية التي ساهم في ارتكابها الشيوعيون العرب...
والتي ستظل محفورة على جبينهم إلى الأبد.
ففي رأيهم أن كل
العالم يتجمع ضد اليهود المساكين!؟ وأن الاستعمار سلم الحكومات العربية لغزو
اليهود وسحق اليهود... بل هو يعتدي معها على اليهود... وأمريكا تخشى الدولة
اليهودية الجديدة؟! وفرنسا ترفض الاعتراف بها؟!
وهذا الثالوث
الصليبي الحاقد البغيض الذي يمثل ذروة الحقد على العرب والمسلمين وذروة تأييد فكرة
الوطن القومي لليهود في فلسطين... هو الذي اختاره الشيوعيون العرب ليقولوا أنه
يعتدي على اليهود المساكين... شعب الله المختار... ويساعد العرب ضدهم. هل تجرأ أحد
على سوق هذا الدجل المعيب بهذه البساطة؟
وهل تجرأ إنسان
على الاستهزاء بعقول العرب والمسلمين وذكائهم إلى هذه الدرجة؟ والشعب اليهودي عانى
اضطهادًا طويلًا في فلسطين..! وممن؟... من الشعب العربي بالطبع... هكذا يقول
الشيوعيون... فهم لا يستطيعون أن يسكتوا على اضطهاد اليهود المساكين... هذا
الاضطهاد الذي برز في الغزو اليهودي المنظم المتآمر على فلسطين مع الانتداب
البريطاني... وفي مجازر دير ياسين وقبية ونحالين وفي العدوان على غزة عام 1955 وفي
العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وفي المجازر البشعة التي ارتكبها اليهود في غزة
والعريش ورفح آنذاك.
والشعب اليهودي
شعب ديمقراطي... والدولة اليهودية الغاصبة دولة ذات ملامح اشتراكية، وهي ستكون
جزيرة للديمقراطية في الشرق الأوسط، ولهذه الصفات التقدمية لدى اليهود... تحاربهم
الحكومات العربية والاستعمار...!!
ترى لو أرادت
الحركة اليهودية العالمية في دعاياتها الكاذبة أن تلصق بالعرب أبشع التهم... هل
كان يمكنها أن تقول أكثر مما كانت تقوله نشرات الشيوعيين العرب؟ وهل يمكنها أن
تدافع عن الغزو اليهودي التتري الجديد بحماس أكبر من هذا الحماس؟ بل هل كان يمكن
لأي خائن أن يقول: إن النضال ضد اغتصاب جزء من الوطن العربي بالقوة هو ضد مصلحة
الشعب العربي... وضد مصالح العمال والفلاحين؟ إن هذا الموقف هو أكثر من خيانة عظمى
بكثير.
هذا باختصار
شديد موقف الشيوعيين العرب من قضية فلسطين قبل النكبة وإبانها. وفي العدد القادم
إن شاء الله سننشر موقف الشيوعيين العرب بعد حلول النكبة... فإلى اللقاء.