العنوان قصة قصيرة:الصباح الغارق بالدم
الكاتب محمد السيد
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 85
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 42
السبت 08-ديسمبر-2007
كان الصباح يتثاءب أول تثاؤباته، فترسل الشمس طلائع ضفائرها إلى رمال صحراء تدمر الغافية على ألم ممض يبثه سجنها التاريخي.
الزمان: صباح السابع والعشرين من يونيو ١٩٨٠ م.
المكان سجن تدمر الصحراوي في بدايات استيقاظه الحزين
الهدوء يخيم على الساحات، فلا يقطع صمتها المريب إلا صرير بعض أبواب المهاجع، إذ يتفقد الجلادون الأسرى ليتأكدوا أن الجميع في أماكنهم. لم تكن هذه عادتهم فالأسرى يذكرون أن هذا التفقد لا يكون إلا ساعة الاستراحة، التي تتحول إلى رحلة عذاب.. تتناوش فيها الكرابيج والكابلات أجساد الأرقام التي حلت محل الأسماء والكيان الإنساني.
اقترب الشيخ عبد الكريم الترعاني من الدكتور أيمن وهمس في أذنه، يا رب استرنا.. الوضع غير طبيعي.. قلت له وقد سمعت همسه- ما الذي تقول يا أبا أحمد؟
أظن أن تصرفهم هذا له ما بعده توكل على الله يا رجل.
وتابع الشيخ عبد الكريم تلاوته، ولكن بصره كان لا يغادر باب المهجع، إلا ليختلس منه لحظات يتأمل فيها وجوه إخوانه المئة الذين يشاركونه المهجع الذي لا تزيد مساحته عن خمسة وعشرين مترًا، حيث ينام الواحد منا على جنبه كي يتسع المكان للعدد الكبير المحشور في هذا فمررت بمحمد السعدي المدرس الناجح يتلو ورده اليومي. كان وجهه مكسوا بغيمة من القلق، كما شاهدت المهندس محمود خضر والطالب حسين في السنة الأخيرة من كلية العلوم يتهامسان، وقد تعبأت عيونهما بالتساؤلات الساكنة على باب المهجع. ولم يكن بصري يصل إلى الأستاذ الجامعي أحمد خضر حتى وصلت إلى مسامع الجميع أصوات إطلاق نار قادمة من مهجع قريب كانت عدة رشقات تبعتها صيحات الله أكبر.. الله أكبر.. أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.. بعد تلك الجلبة عاد الصمت الراعف يلف المكان إلا من أصوات أقدام تتراكض، وهي تقترب من مهجعنا.. قال الشيخ عبد الكريم
استعدوا أيها الإخوان.
ولا تنسوا الشهادة.. إنه القتل....
وقال محمد السعدي، فليكن إنها الشهادة خير من هذا الانتظار الوحشي.
وقال الدكتور أيمن وداعًا أيها الإخوان.. اللقاء في مقعد صدق.. كانت كلماته متحشرجة فقد ابتلت بدمعة وصلت إلى حلقه للتواذ استحضر في مخيلته صورة أمه المريضة التي تنتظر رؤية وحيدها أيمن، وساد المكان دوي. كدوي النحل، فقد انشغل الجميع بالذكر والتلاوة.
وما هي إلا لحظات قليلة حتى تدافعت الأقدام عند باب المهجع من الخارج.. ودار المفتاح في الغال.. ثم دفع الباب بشدة، فإذا بعشرة من الشياطين مدججين ببنادق العديد من الأيام السالفة الزوجة الصابرة المحتسبة والأولاد الذين ينتظرون عودة أبيهم ، وقد طال انتظارهم حتى غمس باليأس، وقد مرت في الشريط صورة ولدي الأصغر أنس.. الذي كان متعلقاً لا يكاد يفارقني إلا للنوم، فهو يتمسح بجسدي، ويطلب مني الطلبات، وفجأة مرت صورة مسجدي الذي كان يلازمني، حيث ألقي فيه الدروس تذكرت يوم هاجموا خليل الحمدو، وقتلوه على باب المسجد بدم بارد لا لذنب إلا لأنه ذكر الاستبداد مرة في حلقة مسجدية وأشار في كلمته إلى الحكم...
كانت آخر كلماته، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.. تابعوا ولا تيأسوا ومرت في الشريط صورة الأستاذ الجامعي حسن محمد، وهو يهان ويهزأ به عند باب قاعة الدرس في الجامعة من قبل أعضاء اللجنة الحزبية في كلية العلوم في جامعة حلب. عدت من سرحتي على صوت انفجار في مؤخرة المهجع وصيحات الله أكبر، وأشهد أن لا إله إلا الله. استدرت بوجهي قليلًا إلى الخلف، فإذا بالدم الطاهر يغطي الجدار، وتماوجت الصفوف الواقفة، بحيث دفعتني قليلاً إلى الأمام، فأصبحت وجها لوجه أمام أحد المسلحين من سرايا الدفاع، والتقت عينانا.. ودار هذا الحوار- هل تعرفني أيها ال؟ وردت نظرات المتوحش لا.. أنا لا أعرفك... وأنا لا أعرفك أيضًا.. لم نلتق من قبل، ولا تعاملنا ولا حدث بيننا ما يجعلك تعقد على حد الموت..
ولكنه التاريخ يا هذا أنا الرقيب عيسى في سرايا الدفاع، علوي، والدي إبراهيم فياض ووالدتي جميلة من محافظة اللاذقية، إن الدور لنا اليوم ها أنت تعترف.. اسمك عربي.. ومواطن سوري من محافظة عزيزة وأنت لا تعرفني وأنا لا أعرفك، ولكني مواطن عربي سوري مثلك، ولا ذنب لي سوى أن لي رأيا لا يروق لمن أرسلوك..
فهل تقتلني ولا شيء بيني وبينك أتبيع كل شيء بدنيا غيرك؟! جالت في عينيه موجة من حيرة وتردد وقلق فواجهته بسؤال جديد قل لي لمن يجب أن تصوب هذه البندقية؟ لي ولهؤلاء الذين يمثلون أعلى مستويات العلم والثقافة فانهالت رصاصات الغدر، وسقطت القامات الرفيع توحد ربها.. كان جرحي في كتفي.. سقطت ولكني بقي حيًا، وحضر أحد الضباط من قادة هذا الإجرام، هرع إلى أحدهم قائلًا:
ملازم رئيف عبد الله.. لقد قتلنا المجرمين جميل في هذا المهجع... أبطال يا عيسى أبطال.. جميع المهاجع حدث في مثلما حدث هنا.. أكثر من ألف من هؤلاء المجرم سقطوا.. وقد قمت بتفقد الجرحى وقتلهم.. هل تفقدن هنا؟ لا، لم نفعل. اتركوا المهمة لي.. قلت في نفسي: لقد جاء الدور علي..
هل أموت هكا بلا ثمن؟ لا.. لا.. لن يكون ذلك. استغل الدكتور أيمن- وكان جريحًا- انشغال القتل فانقض على بارودة أحدهم، فخطفها، وناول صاحبه الرصاصة الوحيدة المتبقية في المكان القاتل وسمعتها يصيحون مذعورين.. هذا الجريح قتل الرقيب إسكندر أحمد، عندها هب الضابط رئيف قائلًا: ألم أقل لكم: يجب تفقد الجرحى وبسرعة فائقة تناول أحدهم بارودة زميله ورش منه الجريح أيمن، فاختلط صوت رصاصاتها بصيحة الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله... سنلتقي في محكمة الله إنه العدل الأعظم..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل