العنوان الصبر والثبات.. والإيمان واليقين
الكاتب د. إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر الجمعة 06-يناير-2012
مشاهدات 55
نشر في العدد 1983
نشر في الصفحة 54
الجمعة 06-يناير-2012
التفكير.. والهجرة (٤)
الصبر والثبات.. والإيمان واليقين
هذه دعوة لكل من أراد أن يَرقى تفكيره وينضج فكره، وتنقح خواطره.. دعوة لصحبة رسول الله ﷺ في هجرته المباركة، والتجول في أروقتها، والتفكر في أرضها، والسياحة في سمائها، ففيها غذاء الفكر، وفيها دواء السقم، وهي للمُحِب شفاء. أن يُمنع من تبليغ رسالة ربه وهو رسول، وأن يطلب النصرة وهو نبي، وأن يبحث عن المأوى وهو في موطنه، لهو أمر يستحق النظر ويستحث التفكير، ويهيج العواطف ويبعث على التأمل الكبير.
ضرب لنا نبي الله ﷺ خير مثال يُحتذى به.. فما ضعف قط وما يأس وما وهن ساعة وما قنط.
عند المِحَن تظهر المعادن ويُعرف زيفها وأصلها.. كما حدث من المنافقين في المدينة.
لقد وعد الله تعالى نبيه ﷺ النصر المبين، والعز والتمكين، فما باله الآن يبحث عن تلك النصرة سنين عددًا فلا يجدها، ويطلب المأوى زمنًا طويلًا فلا يجيبه أحد؟! وما له اليوم يدع بلده وبيته متخفيًا ويخرج منه مطاردًا يتعقبه المشركون كلّ يريد جائزة الإمساك به حيًّا أو ميتًا؟؟ أليس هو بنبيّ مؤيّد من ربه؟! ألم يخبر الناس أنه على الحق؟! فلماذا لا يأتيه النصر على أعدائه سهلًا دون عناء، سريعًا بلا إبطاء؟!
هكذا يقول أصحاب القلوب المريضة، إن لم يكن علنا ففي أنفسهم، وهذا ظنهم السقيم، حيث تكون نار البلاء لهم فتنة تنقلهم إلى مزيد من الشك وسوء الظن بربهم -والعياذ بالله- بدلًا من أن تطهرهم وتصقلهم ليتفكروا في أنفسهم ويعيدوا النظر من جديد فيما هم فيه ويغيروا ما بها من مرض، ويحدث ذلك في كل عصر ومصر، فعند المحن تظهر المعادن وتطهر، ويعرف زيفها وأصلها، كما حصل فيما بعد من المنافقين حين قالوا: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (سورة الأحزاب: 12)، وذلك حين قال طعمة بن أبيرق ومعتب بن قشير وجماعة نحو من سبعين رجلًا يوم الخندق: كيف يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يستطيع أحدنا أن يقضي حاجته؟!
أما المؤمن الحق فلا يزيده البلاء إلا قوة، ولا يتمخض إلا عن الصبر والثبات، والإيمان واليقين، كما كان من المؤمنين قبل الهجرة من أمثال بلال وصهيب وخباب، وعمار وياسر وسمية، وكما كان من المؤمنين فيما بعد عند زلزلة الإبتلاء بالأحزاب فكان ما حكاه الله تعالى عنهم: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (سورة الأحزاب: 22)
وقد ضرب لنا نبي الله ﷺ خير مثال يُحتذى به، فما ضعف قط وما يأس، ما وهن ساعة وما قنط، والعبرة بالخواتيم والعافية بالنصر والخاتمة بالعز هي موعد الله له والعباده المؤمنين، مصداقًا لقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة النور: 55).
وكان النبي ﷺ يربي أصحابه على عدم إستعجال النصر، ويحثهم على الإنشغال بأخذ أسبابه، مع الإنتظار حتى تنضج ثمرته، ويأتي في حينه المقدر من عند الله، بالعمل الجاد الدؤوب، والصبر على عوائق طريق الوصول إلى هذا النصر الغالي، ومن ثم تتحقق البشارة يسوقها إليهم وإلينا مؤكدًا: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون» «أخرجه مسلم»، «إن الله زوي لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» «رواه مسلم».
الأنصار.. والنصرة
وقد نال الأنصار من أهل يثرب شرف النصرة والصحبة لرسول الله ﷺ، فعن جابر بن عبد الله الأنصاري: أن النبي ﷺ لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم، ومجنة، وعكاظ، ومنازلهم من منى: «مَن يؤويني، مَن ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة»، فلا يجد أحدًا ينصره، ولا يأويه، حتى أن الرجل ليرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رحمه، فيأتيه قومه، فيقولون له: أحذر غلام قريش لا يفتننك، ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله -عز وجل- يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب، فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإسلام، وبعثنا الله إليه، فائتمرنا، وأجتمعنا، وقلنا: حتى متى رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة، ويخاف؟ فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم، فواعدنا بيعة العقبة، فقال له عمه العباس، يا ابن أخي، لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك، إني ذو معرفة بأهل يثرب، فأجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا، قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله، علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليك، وتمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة» «أخرجه الحاكم».
إلى المدينة
وقد رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، فحذروا خروج الرسول ﷺ إليهم وخافوا أن يكون قد أجمع لحربهم، فأجتمعوا له في «دار الندوة» يتشاورون فيما يصنعون، فأجتمع رأيهم أخيرًا على أن يأخذوا من كل قبيلة فتى شابًا جلدًا، ثم يُعطى كل منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، كي لا يقدر بنو عبدمناف على حربهم جميعًا، وضربوا لذلك ميعاد يوم معلوم، فأتي جبريل عليه السلام رسول الله ﷺ يأمره بالهجرة، وينهاه أن ينام في مضجعه تلك الليلة.
فأمر النبي ﷺ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينام في فراشه قائلًا له: «تم في فراشي وتسجّ ببردي هذا الخضري، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم».
وقد غادر النبي ﷺ بيته في ليلة ٢٧ من صفر سنة ١٤ من النبوة، الموافق ۱۲/ ۱۳ سبتمبر ٦٢٢م، وأتى إلى دار رفيقه -وأمّن الناس عليه في صحبته وماله- أبي بكر رضي الله عنه، ثم غادرا منزل الأخير من باب خلفي، ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أن يطلع الفجر.
خرجا وكمنا في الغار -غار «ثور»- ثلاث ليال، ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد.. وفي يوم الإثنين 8 ربيع الأول سنة ١٤ من النبوة -وهي السنة الأولى من الهجرة- الموافق ۲۳ سبتمبر سنة ٦٢٢م نزل رسول الله ﷺ بـــ «قباء»، وأقام بها أربعة أيام، وأسس مسجد «قباء» وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى، فلما كان اليوم الخامس -يوم الجمعة- ركب بأمر الله له وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار -أخواله- فجاؤوا متقلدين سيوفهم، فسار نحو المدينة، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل، وبعد الجمعة دخل النبي ﷺ المدينة، ومن ذلك اليوم سميت بلدة يثرب بمدينة الرسول ﷺ.
فدخلها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وخرجت ولائد من بني النجار فرحات بمقدم النبي ﷺ وجواره لهن وهن ينشدن: «نحن جوار من بني النجار.. يا حبذا محمد من جار».
روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي ﷺ بمكة، ثم أمر بالهجرة فنزلت ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 80)، قال قتادة: «وقل رب أدخلني مدخل صدق» يعني المدينة، «وأخرجني مخرج صدق» يعني مكة، وقال الضحاك: هو خروجه من مكة ودخوله مكة يوم الفتح آمنًا.
كانت الهجرة فتحًا فتح الله به قلوب الناس فدخلوا في دين الله أفواجًا مثلما كان صلح الحديبية... وإن ظن بعض المسلمين غير ذلك.
الهجرة نصرًا.. وليست هروبًا
لقد كان خروج النبي ﷺ وهجرته إلى المدينة نصرًا وفتحًا، وإن بدا قرارًا وهروبًا، ولِمَ لا يعدّ نصرًا وقد صار للمسلمين دولة تضمهم ومأوى يأويهم وعصبة تحميهم ودرع يقيهم وقوة تذود عنهم؟ ولم لا تكون فتحًا وقد فتح الله بها قلوب الناس فدخلوا في دين الله فرادي وجماعات؟ ألم تكن الهجرة وسيلة لنشر الإسلام وقيام دولته كما كان صلح «الحديبية» فتحًا مبينًا، وإن ظن بعض المؤمنين آنذاك غير ذلك؟ فما الإبتلاء والتمحيص والإيذاء والتعذيب إلا باب النصر ومفتاح الفرج وثمن الظفر وطريق الفوز، وهذا ما تم لنبي الله ﷺ وصحبه الكرام حين صبروا على ما أوذوا في سبيل الله، وهذا ما كان لأهل النصرة والإيواء من الأنصار في المدينة حين أووا ونصروا رسول الله ﷺ دون غيرهم، فكانوا مع إخوانهم المهاجرين يمثلون الصفوة من البشر بعد الأنبياء.
المصادر
1- تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير، «الرحيق المختوم» للشيخ صفي الدين المباركفوري، الطبعة السادسة ١٤٢٤هـ / ٢٠٠٤م، دار السلام للنشر والتوزيع، الرياض.
2- فقه السيرة، د. محمد سعيد رمضان البوطي، الطبعة الحادية عشرة، دار الفكر،
دمشق ۱۹۹۱م.
3- مواقع إسلامية: «الدرر السنية» «الموسوعة الحديثية»، «المحدث»، «الإسلام دوت كوم».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل