العنوان الصحافة الإسلامية بين الواقع والممكن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-نوفمبر-1987
مشاهدات 74
نشر في العدد 843
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 17-نوفمبر-1987
بل إننا نرى أنه حتى هذا العدد
(35 صحيفة ومجلة لكل مائة ألف مواطن) غير متحقق في كثير من أقطارنا العربية والمسلمة..
المحسوبة من أقطار العالم الثالث.
فإذا أردنا أن نحصي عدد المجلات
والصحف الإسلامية بين تلك الصحف والمجلات التي تصدر في العالم الثالث فإننا نكاد ألا
نحصي أكثر من واحد في المائة منها!
ولا شك في أن هذه الندرة، أو
هذا الغياب للصحافة الإسلامية، في عصر الصحوة الإسلامية، يثير تساؤلًا ملحًا كيف تتراجع
الصحافة الإسلامية، أو على الأقل: لا تتقدم الصحافة الإسلامية، ويزيد عددها.. في الوقت
الذي ينمو فيه الوعي الإسلامي ويزيد فيه الحركيون الإسلاميون، ويتقدمون فيه خطوات؟!
نريد- في محاولتنا الإجابة عن
هذا السؤال- أن نميز بين الصحافة الإسلامية والصحافة الدينية (إذا صحت تسمية الصحافة
الثانية بتلك التسمية).
فالصحافة الإسلامية هي تلك التي
تصدرها الحركة الإسلامية بصورة دورية، أما الصحافة الدينية فهي تلك تصدرها جمعيات أو
جهات رسمية أو غير رسمية.
الصحافة الدينية الرسمية
ولقد نشطت تلك الصحافة في غيبة-
أو تغييب- الصحافة الإسلامية من قبل السلطات التي حاربت الحركة الإسلامية، وأغلقت صحفها،
وضيقت على أبنائها، فأرادت أن تظهر على شعوبها بمظهر الحريص على الإسلام، الداعي له.
ولقد كانت تلك الصحف مثيرة للرثاء
حقًا، إذ كانت أغلب موضوعاتها تمجد الحاكم، وتبرر أعماله، وتجعلها متفقة مع الشرع،
دون أن ننسى نشر بعض الموضوعات الدينية التقليدية، ولعل مجلة «منبر الإسلام» في الخمسينيات
والستينيات أحد أمثلة تلك الصحافة.
الصحافة الدينية المستقلة
أما الصحافة الدينية المستقلة،
فقد كانت مجلات معظمها شهرية تتحاشى النقد، وتحاول التوعية والتثقيف الدينيين دون اقتراب
من قضايا الحكم والتشريع، ودون معالجة لقضايا الأمة المعاصرة، أو تحليل المستجدات والأحداث
السياسية من وجهة نظر إسلامية.
الصحافة الإسلامية
فإذا كان هذا حال الصحافة الدينية
المسالمة، عرفنا، أو اقتربنا من معرفة كيف يمكن أن تكون عليه الصحافة الإسلامية ذات
المواقف الثابتة، الداعية إلى تحكيم شرع الله، المعالجة للأحداث والمستجدات من خلال
رؤية إسلامية غير مجاملة وغير مدارية في الحق أحدًا أو جهة.
لقد نجحت الصحافة الإسلامية
على الرغم من إيقافها في عدد من الأقطار، في تحقيق غايات أساسية كان لها دور رئيسي
في بزوغ فجر الصحوة الإسلامية المعاصرة. ومن هذه الغايات:
1-
شكلت مع الأيام رأيًا عامًا إسلاميًا، واضح
التصور تجاه قضايا مختلفة، له تأثيره في توجيه كثير من الأحداث، وفي الحيلولة دون صدور
عدد من القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية.
2- كشفت كثيرًا من أعمال
ومحاولات الاتجاهات الأخرى، التي كانت تقوم بها، أو تحاول القيام بهاء بسبب ولاءاتها
للشرق أو الغرب، وقدمت للمواطنين في كل قطر الصورة الحقيقية لتلك الاتجاهات وانتماءاتها
غير الوطنية.
3-
نجحت في إقامة جسور حوار مع عدد من الأنظمة
غير المعادية للإسلام مما جعل الأخيرة تتعاون معها في بعض الأحيان، فيما فيه مصلحة
البلاد والعباد.. وفي الوقت نفسه كانت الصحافة الإسلامية بالمرصاد لمحاولات أنظمة أخرى-
معادية للإسلام- لوأد الحركة الإسلامية في البلاد التي تحكمها.. بسجن قياداتها، بتهم
كشفت الصحافة الإسلامية بطلانها وتحامل واضعيها وملفقيها.
4-
كانت الصحافة الإسلامية بمثابة مدارس تربوية
وتعليمية، وجبرت بعض نقص المناهج الدينية في المدارس، بنشرها قضايا فكرية وتربوية وعلمية
وفقهية واجتماعية واقتصادية إسلامية.
مضامين
نجحت الصحافة الإسلامية بتوفيق
من الله في تحقيق الغايات المشار إليها من خلال المضامين التي تقوم عليها أو تضمها
بين غلافيها، وهي مضامين سياسية ثقافية تربوية اجتماعية، اقتصادية.
لكنها، على أي حال مهدت من خلال
تلك المضامين، لقيام كثير من الهيئات والمؤسسات والجمعيات الإسلامية، فمن خلال المضامين
الاقتصادية التي كانت تؤكد على قدرة الاقتصاد الإسلامي على تقديم الحلول والبدائل نبتت
فكرة المصارف الإسلامية التي هي الآن ملء السمع والبصر، ومن خلال المضامين الاجتماعية
التي أكدت على دور المرأة المسلمة قامت الجمعيات النسائية الإسلامية، ومن خلال المضامين
الفكرية والثقافية أنشئت الاتحادات المختلفة: اتحاد الكتاب المسلمين، اتحاد الأطباء
المسلمين، اتحادات الطلاب.. إلخ.
ولهذا فإن استمرارها قوية أمر
واجب ولازم وضروري، وينبغي أن يتم العمل على تقليل ما يواجهها من عوائق، وما يعترضها
من عقبات.
ومن أهم تلك العوائق وهذه العقبات:
1- التضييق والمصادرة.
2-
ندرة الإعلامي الإسلامي.
3- ضعف التمويل.
التضييق والمصادرة
ثبات الصحافة الإسلامية على
الحق، وجرأتها في إعلانه، وعدم مداراتها الباطل في كتاباتها، جعلها عرضة للمصادرة والتضييق
في كثير من الأقطار وكانت مصادرتها نتيجة طبيعية للحرب التي كانت تشن على الحركة الإسلامية
نفسها، ولعل مجلتي «المعرفة» و«المجتمع» اللتين كانت تصدران عن الحركة الإسلامية في
تونس.. خير مثال على هذا، فحين اعتقل قادة الحركة الإسلامية هناك مع كثير من أفرادها،
أوقفت المجلتان ومنعتا من الصدور.
وقد تضطر الصحيفة الإسلامية
نفسها إلى التوقف عن الصدور حين لا تتمكن من قول كلمتها صريحة واضحة، مثل ما حدث لمجلة
«الإيمان» التي كانت الحركة الإسلامية في لبنان تصدرها.
وعلينا أن نشهد للخليج العربي
إتاحة المجال أمام صدور صحافة إسلامية لديها قدر كبير من الحرية في الكتابة والتعبير،
وفي مقدمة هذه المجلات «الإصلاح» التي تصدر في دبي بالإمارات العربية المتحدة، و«المجتمع»
التي يسعد كاتب هذه المقالة بنشرها على صفحاتها والتي كان لها دور متميز في الصحوة
بصدورها مستمرة طوال ثمانية عشر عامًا.
ندرة الإعلامي الإسلامي
لا نحسب أن هناك من يجادلنا
في ندرة الإعلامي الإسلامي عامة والصحفي الإسلامي خاصة، ونريد أن نفرق هنا بين الكاتب
الإسلامي والصحفي الإسلامي، فالكاتب الإسلامي هو من يكتب في الفكر الإسلامي أو الأدب
الإسلامي أو الاجتماع الإسلامي، أو أي مجال من مجالات الإسلام، لكن هذه الكتابة العلمية
أو البحثية لا تعني أن صاحبها صحفي، فالصحافة شيء آخر مع القدرة على الكتابة.
ولا شك في أن ندرة الصحفيين
الإسلاميين تعود إلى عدة أسباب منها أن معظم شباب الحركة الإسلامية أمضوا فترات طويلة
من حياتهم في المعتقلات وأن الصحف العامة كانت توصد أبوابها أمامهم.. مما حال دون اكتسابهم
للخبرة والممارسة، أو أنهم أنفسهم أحجموا عن العمل في صحف لا يمكنهم أن يكتبوا فيها
ما لا يتفق مع عقيدتهم.
ولعل من الأسباب التي مازالت
تحول دون زيادة عددهم، عدم تفرغ العاملين في الصحافة الإسلامية للصحافة نفسها، فأغلب
هؤلاء له عمل أساسي في الصباح، ويأتي عمله في الصحافة الإسلامية إضافيًا، وهو ما يدعونه «بارت تايم».
وواضح أن الحل هو في تفريغ بعض
هؤلاء للعمل الصحفي، لتكون تلك المجلات الإسلامية مدارس صحفية يتخرج فيها صحفيون إسلاميون.
ضعف التمويل
فإذا انتقلنا إلى المعوق الثاني،
وهو ضعف التمويل، وجدنا معوقًا هامًا آخر.. كان السبب في توقف عدة مجلات عن الصدور،
وهو ضعف التمويل، أو قلة الدخل التي لا تكفي لسد النفقات.. دعك من تحقيق الأرباح.
وما مجلة «الأمة» التي توقفت
عن الصدور إلا مثل قريب، فقد أعلن في قطر أن قرارًا صدر بإيقاف عدد من المجلات عن الصدور
ترشيدًا للإنفاق وتوفيرًا لملايين ليست قليلة من الريالات كانت تنفق على إصدار تلك
المجلات.. وإذا كان بعض الناس قد ردوا توقف صدور «الأمة» إلى أسباب أخرى، فإن الحقيقة
هي أن الخسارة المادية للمجلة هي السبب الأول في توقف صدورها، فقد كان ينفق على إصدار
المجلة- مجلة «الأمة» وحدها- سبعة ملايين ريال قطري في السنة.. ولم تكن المبيعات تغطي
أكثر من مليون ريال من هذه الملايين السبعة.. والدليل على ذلك أن كتاب «الأمة» مازال
يصدر.. لأنه نجح في سد نفقات إصداره.. ولعله حقق بعض الدخل.
مصادر الدخل
ولابد هنا من بيان مصادر دخل
كل مجلة لا تتلقى تمويلًا من جهة أو دولة، وهذه المصادر هي:
1-
بيع النسخ في المكتبات وغيرها.
2-
الاشتراكات السنوية الفردية والرسمية.
3-
الإعلانات.
فإذا نظرنا في المصدر الأول
(بيع النسخ) وجدنا أن الموزع يحصل على نسبة ٤٠% من ثمن البيع، ويتبقى٦٠% تدفع منها
المجلة أجور النقل الجوي.
فإذا أضفنا إلى هذا خسائر المرتجعات..
علمنا كيف أن بيع النسخ يشكل قدرًا ضئيلًا من الدخل.
الاشتراكات الفردية والرسمية:
وهي أفضل قليلًا من المصدر الأول، لأن ثمن أعداد سنة كاملة تسدد مسبقًا للمجلة. لكننا
لا ننسى هنا أجور البريد الجوي التي تتزايد بين فترة وأخرى وما يحتاجه إرسال المجلة
إلى المشتركين من طباعة عناوين وتغليف... إلخ.
ولقد كانت الاشتراكات الرسمية
تساعد المجلات الإسلامية على تغطية جزء هام من نفقاتها، إلا أن الترشيد- ترشيد الإنفاق-
الذي تشهده كثير من الدول، لعب دورًا واضحًا في إلغاء كثير من الوزارات والمؤسسات لاشتراكاتها
في المجلات أو تخفيضها.
يبقى مصدر الدخل الثالث وهو
الإعلانات التجارية التي هي «عصب الصحافة» كما يقولون..
وهي قليلة في الصحف الإسلامية
لأسباب يعود بعضها إلى المجلات نفسها، ويعود بعضها الآخر إلى المعلن نفسه.
فالأسباب التي تعود إلى المجلات
نفسها.. هي أن المجلات الإسلامية لا يمكن أن تقبل بنشر إعلان فيه صورة امرأة، أو إعلان
لشركة سجائر، أو أي إعلان فيه أي مخالفة للإسلام، وأكثر من نصف الإعلانات المنشورة
في الصحف والمجلات العادية هي من هذا الصنف.
إذا كانت تلك هي المعوقات..
فكيف يمكن التغلب عليها؟ أو ما هي الحلول؟ سنحاول إيجاز تصوراتنا لتلك الحلول في النقاط
التالية:
1- لابد من توجيه كثير
من الشباب المسلم الذي تظهر لديه مواهب إعلامية مبكرة إلى دراسة الصحافة في كليات الصحافة
ومعاهدها، مع ضرورة التأكيد على أن الدراسة الأكاديمية وحدها لا تكفي.. ولابد من وجود
الموهبة وتوفر الميل.
2-
ينبغي على الصحف الإسلامية وهي معدودة لا
يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين، أن تكون مدارس يتعلم فيها الموهوبون الإسلاميون العمل
الصحفي ويمارسونه وأن يعمل على تفريقهم فلا يكون عملهم إضافة إلى عمل أساسي غير صحفي.
3- يجب حل مشكلة ضعف
الدخل في الصحف الإسلامية، وذلك من خلال ما يلي:
أ- إقناع التجار المسلمين ووكلاء
الشركات التجارية، بالإعلان في الصحف الإسلامية.
ب- التوجه لدى المؤسسات والوزارات
لزيادة اشتراكاتها في المجلات الإسلامية بدلًا من التقليل منها، وإقناعها بضرورة عدم
شمول ترشيد الإنفاق لهذه المجلات والاشتراك فيها.
ج- تصحيح ما استقر لدى كثير
من المتصدقين المسلمين من أن الصدقة للطعام واللباس وما شابههما، وبأنه أيضًا للإعلام
الإسلامي، فالإعلام الإسلامي ينضوي تحت بند في «سبيل الله»، وهناك عشرات الآلاف من
المسلمين الظامئين لصحافة إسلامية لا يقدرون على تسديد الاشتراك فيها، ويمكن لعدد قليل
من الأثرياء أن يسددوا عنهم رسوم اشتراكاتهم بندر يسير من صدقاتهم.
وهكذا.. فإن واقع الصحافة الإسلامية
يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه بكثير.. لو انتبه إليه أولو الأمر.. والإسلاميون والمسافة
بين الواقع والممكن لیست بعيدة.. إذا صدقت النيات وتبعها العمل.