العنوان الصحوة الإسلامية والمستقبل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 11-يناير-2003
مشاهدات 68
نشر في العدد 1534
نشر في الصفحة 47
السبت 11-يناير-2003
يقرر الباحثون أن استشراف الآفاق المستقبلية لمصير الأمة الإسلامية يتقوم بالصحوة الإسلامية وتعاظمها وتناميها الحضاري؛ لأنها هي التي تتمتع برؤية مستقبلية وواقعية، ومخطط علمي مدروس، يعرف تحديدًا الدور الكبير الذي يجب أن تنهض به الأمة، ولأنها كذلك تمثل الظاهرة الاجتماعية التي تعني عودة الوعي للأمة، وتعني إحساسها بذاتها، واعتزازها بدينها وكرامتها واستقلالها السياسي والاقتصادي والفكري، كما أنها تسعى للنهوض بدورها الطبيعي في بناء حضارة الإنسانية باعتبارها خير أمة أخرجت للناس.
وهذه الصحوة المباركة لم تكن عملًا مفاجئًا، بل كانت تعبيرًا عن معاناة الشعوب الإسلامية منذ أن خضعت بلادها للهيمنة الأجنبية، واستنامت سلطاتها لها، وفرضت عليها الأحكام غير الإسلامية، وولت عليها بعض المغزوين بالثقافة الاستعمارية، وبعض الانتهازيين والفاسدين بهدف تمييع شخصية الأمة، وبث السموم المستوردة في المجتمعات الإسلامية، وتعطيل جهد الواعدين فيها وإقامة السدود أمامهم، فانطلقت صيحات الرفض من المخلصين في الأمة، وتعالت أصوات الإيقاظ من المصلحين من أبنائها الواعين، ورفعوا لواء الإسلام في وجه كل من الغاصبين والمتخاذلين، فانتشرت أضواؤه، وعمت شمسه بقاع العالم الإسلامي، وتحركت روح الإسلام في الصحوة المباركة التي تنبأ بها كثير من أساتذة الاجتماع والسياسة والإصلاح داخل الأمة وخارجها، فمن داخل الأمة قام الكثيرون ينادون بانفلاق الإصباح وطلوع الفجر من أمثال جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا وحسن البنا وسيد قطب والمودودي، والندوي، والغزالي ومن جاء بعدهم، ومن خارج الأمة الإسلامية: الأستاذ سميث في جامعة مونتريال»، وذلك من خلال كتابه (الإسلام اليوم) الذي صدر في الخمسينيات، ولفت نظر المسؤولين في بلاده إلى هذه الصحوة وكذلك العالم الإنجليزي «وات» الذي أصدر كتابًا عام ١٩٦٤م تكلم فيه عن الإسلام وحضارته، وتوقع الصحوة، ووصفها بأنها سوف تقود إلى أيديولوجية رابعة تحكم العالم المعاصر من نهاية القرن العشرين وما بعده، على أن أخطر وثيقة بهذا الخصوص تعود إلى عالم روسي هو «زوجانوسكي»، حيث كتب في أعقاب الثورة الشيوعية محاولًا تقييم تلك الثورة، ومتسائلًا متى وأين تأتي الثورة العالمية الثالثة، مشيرًا للثورتين الفرنسية والشيوعية، وأن كلًا منهما قد فشلت من نواح عدة، وأشار إلى الثورة الثالثة، فقال: إن العالم بحاجة إلى ثورة قادمة تستطيع أن تصحح من مسارات الحركة الإنسانية، ثم تنبأ بأن تلك الثورة لن تأتي إلا من العالم الإسلامي، وكان هذا التنبؤ عام ۱۹۱۹م، إلا فلا نامت أعين الجبناء والعملاء والأغبياء، ولقد أجمع الباحثون على أن رسالة الإسلام تتمتع بخصائص لا توجد في غيرها، وتمتاز بمميزات لا تشاركها فيها سواها، منها:
۱ - قدرتها على تربية الرجال وتنشئة الأبطال، وزرع الثقة في قلوبهم والهمة في يكن منكم عزائمهم ﴿عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (سورة الأنفال: ٦٥).
٢ -تميزها في مناهج التفكير وفي تربيتها وفي رسالتها التي تبعث الحياة في الموات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (سورة الأنفال: 24) والتميز في نظامها الحياتي، في الأسرة وفي العلاقات الاجتماعية وفي العلاقة بين الناس والألوان والأعراق، وفي حفظها الإنسانية الإنسان وكرامته ورجولته وفي نظامها الأخلاقي والأدبي.
3- قدرتها على جمع الأمة وتوحيدها ودفعها نحو أمالها وغاياتها المرادة، حتى تكون جسدًا واحدًا وقلبًا واحدًا، وصفًا واحدًا، «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر» ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ (سورة آل عمران: 103)، «من فارق الجماعة قيد شبر ومات مات ميتة جاهلية» جماعة يقوم كيانها على الحب والتكافل اللذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف مشاعر الإيثار المنطلق في يسر المندفع في حرارة المطمئن الواثق الخطى، الثابت القدم على الدرب.
4-قدرتها على مقارعة الحضارات التي ينخر فيها السوس، وتحمل جراثيمها في جعبتها
وكيانها وجسدها الواهن، وإن ترعرعت وبدت في حلة بهيجة، تلك الحضارات التي قضت على القيم والأعراض والرجولة، وأباحت الشذوذ الجنسي، وجلبت الإيدز الذي يحصد البشر حصدًا، تلك الحضارة المادية التي جعلت الإنسان آلة صماء لا روح له ولا ضمير، حضارة الإبادة والاستعمار، وأخذ خيرات الشعوب، أما الحضارة الإسلامية التي بنيت على المزاج المعتدل والإنصاف البالغ حد الإعجاز، فالمسلمون اليوم في حاجة إليها والعالم الآن متشوق إلى نسماتها، وينتظرها كمشروع نهضوي ونموذج حضاري بديل للبشرية كلها ليكون شاهدًا عليها مصداقًا! لقوله -تعالى-: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (سورة البقرة: 143) ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (سورة البقرة: 138).
5 -الإسلام نظرية متكاملة في الغناء والوفاء، نظام شامل كامل يتناول مظاهر الحياة جميعًا، قال عنه الإمام البنا: «هو دولة ووطن، أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء» وبعد فهل مثل هذا المنهج المتكامل الذي بشر به الجميع، ونادى به البعض مبشرين أو محذرين، قائلين: «المسلمون قادمون» والذي على يديه يكون الإنقاذ يتخلف عن ركبه أحد؟ إنها الصحوة القادمة ولو كره الكارهون، وصدق الله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف: 8) والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.