العنوان الصدى
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 23-يناير-2010
مشاهدات 58
نشر في العدد 1886
نشر في الصفحة 50
السبت 23-يناير-2010
- وارته الأرض تاركًا خمسة من الأيتام أكبرهم في الخامسة عشرة من العمر بلا مورد رزق إلا من قطعة أرض استحوذ عمهم الظالم على أجودها
- تساقطت أوراق السنوات وقد بارك الله في الأرض الجرداء وأنبتت ما يكفي الأيتام.. ومن الله على أكبرهم فاشترى أرض عمه الذي دارت عليه الأيام
وارته الأرض وقد خلف من بعده خمسة من الأيتام أكبرهم لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فاستحالت مسرته لأحزان، وانقمع هذا الفتى في بيته يفكر في حمله الثقيل، فهو في المرحلة الثانوية، ومن المتفوقين، ووالده المتوفى ليس له معاش يعتمدون عليه، فكل ما يملكونه قطعة أرض مشتركة بينهم وبين عمه، كان والده يقوم بزراعتها
ويقتات منها.
أحاط به الهم من كل جانب، وبعد أن توارت الشمس، جاء عمه لزيارتهم، وقد كان يأمل أن يكفلهم عمه، حتى إتمام تعليمه ليستطيع أن يتولى رعاية إخوته، ولكنه فوجئ بأن عمه قد أخذ أفضل الأرض وأجودها، وجار على جزء من أرضهم فأخذها عنوة وحياء، وترك لهم الجزء الذي لا يغني من جوع ويحتاج إلى عمل طويل ليصل إلى مستوى الأرض التي أخذها عمه، والتي بذل فيها والده الكثير من الجهد لتصل إلى هذا المستوى، ثم التفت إليه قائلا: بالطبع لابد وأن تترك دراستك لتتفرغ للأرض وتطعم إخوتك، نظر إليه بانكسار وقد عزم أمرًا.
مواصلة الدراسة
ففي الصباح الباكر ذهب إلى مدرسته وحث إخوته على مواصلة دراستهم والله كفيل بهم جميعا، وبمجرد عودته إلى المنزل كان يغير ثيابه ويهرع إلى الحقل، وصار هذا دابه يوميا، لهذا ومن كثرة العمل ذهب ماء شبابه، ولكنه في كل خطواته كانت استعانته بالله كبيرة، وكان يستشعر في قرارة نفسه أن الله دومًا معه.
تفوق وعلو
تساقطت أوراق أيامه فسنواته وقد بارك الله في الأرض الجرداء لتصبح منبتة للمال الذي يكفي أمه وإخوته، ومن الله عليه سبحانه بالتفوق في دراسته، وأصبح بفضل الله أستاذا في كليته فسنحت له الفرصة بالزواج من ابنة العز والجاه، وكان تفوقه يفتح له جميع الأبواب المغلقة، فزوج إخوته وأخواته، وسبحان الله كان في صعود، وكان عمه وأولاده في انحدار وسقوط، لا تعليما تعلموا ولا أخلاقا تأدبوا، فكان ينظر إلى حالهم حين تصل إليه شكواهم ويردد في نفسه قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ ﴾ (هود: ۱۰۱) .
وجاء عمه يتوسل إليه أن يشتري أرضهم فهم في أمس الحاجة إلى المال، فقال على الرحب والسعة، وزاده حتى ارتسمت الفرحة على وجه العم، بل وساعده في زواج أولاده وكان دوما يجزل لهم العطاء.
اعترض أخوه قائلًا: كيف تساعدهم وقد فعلوا وفعلوا وفعلوا، فكان رده جميلًا: لقد فعلوا لأنفسهم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ ﴾ (يونس : ۲۳).
وها أنت ترى أولاد عمنا لم يكملوا دراستهم، وترانا وقد تكفل بنا الرحمن الرحيم.. إني لا أعطيهم ولكن أعطي لنفسي ألم تسمع قول الله: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ ﴾ (فصلت: ٤٦ ) .
وقد صدق فيما قال، فإن الصوت له صدى، إن قلت أحبك رد: أحبك، وإن قلت: أكرهك كان الصدى: أكرهك.
وكذلك الأفعال لها صدى نلمسه على جميع المستويات المستوى الفردي الظالم يرتد عليه ظلمه والصالح ينعم بصلاحه.
وعلى مستوى المجتمعات، فالأيام دول بحسب الأفعال والتصرفات فتندثر حضارات وتعلو أخرى.
المال الحرام
وفي قضية أخرى، نجد صدى الأعمال يتجلى أيضًا لك في تلك السيدة التي أخذ منها إخوتها أرض ميراثها من أبيها حتى لا تقع في يد الغريب بدعواهم، وحاولت المستحيل معهم بلا جدوى ولا فائدة مما اضطرها إلى رفع الأمر إلى القضاء، وفي يوم نظر القضية علمت أن أخاها في المستشفى يعاني من مرض السرطان، فتنازلت عن القضية وهرولت إليه ولكن لم يمهله عمره، ومات أخوه بعده بنفس المرض العضال، ورأت أولادهما بأم عينيها وقد أهلكهم مالها الذي اغتصبه أبواهم، فهذا قد أدمن المخدرات، والآخر قد غشيته فتنة النساء، وهذه معوقة قد ابتلع مرضها الكثير من المال، فكانت تنظر لكل ذلك وتتحسر مرددة بعبرة لا بتشف: ﴿ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ (الحج: 10).
توزيع ظالم
وقصص الميراث كثيرة، فبطلتنا هذه المرة امرأة كان والدها يتمتع بالثراء. وقد أنجب ثلاث فتيات هي أكبرهن، وطفلاً واحداً وبعد وفاته كانت هي الوصية فرفضت تماما توزيع أي شيء حتى لا تتفتت ثروة أبيها، وبعد زواج أخيها أصرت على موقفها. ثم زين لها الشيطان أن تجعل كل المال لأخيها حتى لا يستفيد أزواج الأختين، وكانت تتصور أنها تحسن بذلك صنعًا، اعترضت الأختان لأنهما في فقر وعوز وهذا مالهما. ولكن صرخاتهما ذهبت سدى وقد تناثرت مع الرياح العاتية، وجاءت إحداهما على استحياء تطلب حقها وبكت كثيرًا لعل قلب أختها يلين ويرق، ثم قالت لها بحزم وقوة الا تخافين من الله، فكان الرد صدمة تدل على الكثير من الجهل حيث قالت: «أهي ليلة سودا وخلاص».
ارتجت أختها من قولها وخرجت وهي تردد: «حسبي الله ونعم الوكيل».
ولكنها لم تيأس فذهبت إلى أخيها تسأله بالله الا يستحل الحرام، وعند دخولها إلى داره الواسعة رأت النعمة التي يرفل فيها هو وأولاده وزوجه، وتذكرت الفقر المبكي الذي يسكن دارها، ويتجلى في أثاثهم وثيابهم وطعامهم، فكان جوابه أن المال مال أبيه، وليس لزوجها ولا أولادها فيه شيء حاولت أن تخاطب حسه الإيماني فلم تجد إيمانًا ولا خشية من الرحمن، وكأن الشاعر يعنيه بقوله:
يا خل إنك إن توسد لينًا *** وسدت بعد اليوم صمَّ الجندل
فامهد لنفسك صالحًا تسعد به *** فلتندمن غدًا إذا لم تفعل
وتمر الأيام سريعة ويذهب الأخ للصيد في نهر النيل، فتختل قدمه ويسقط لتخمد أنفاسه، ويصبح النهر مثواه، وقد ترك كل شيء، ولكنه سيحاسب على كل شيء وقد تركها فتنة لعقبه ليبتلوا بها.
أمنية تحققت
وقصتنا الأخيرة من رام الله بفلسطين بطلها رجل يحب صلة الرحم ويحنو على أهله ويحب الإطعام في بيته تقربا إلى الله عن طريق صلة الأرحام.
وكانت زوجه تعينه على ذلك طالبة الجزاء من المولى سبحانه، وكان بطلنا في شوق شديد إلى الحج، ولكن أنى له ذلك وكل من حوله يقدمون أوراقهم على أمل أن يفوزوا في القرعة، وتمر السنة تلو السنة ولا يوفقون فيها، وهو الشاب وهم العجائز، فكان يبث شوقه إلى بيت الله الحرام ويبكي بمجرد رؤية الكعبة، ولكن لا حيلة له فيصمت.
لكن زوجته في هذه المرة تدخلت بعد رؤية دموعه تتلألأ في وجهه؛ حيث قالت: لماذا لا تقدم أوراقك مثل الآخرين، وأنا عندي ثقة ويقين بالله أنك ستفوز في القرعة، وتزور بيت الله الحرام، فإنك تحب أن يزورك الناس في بيتك وتكرمهم وتطعمهم والله أكرم منك وسيحب زيارتك له بل سيكرمك فيها كرمًا كبيرًا، توكل على الله وقدم للحج هذا العام، وأخذت تلح عليه حتى استعان بالله وقدم أوراقه بالفعل، ففاز بالقرعة ودعاه الرحمن إلى بيته، وكانت فرحة زوجه عامرة وفرحته أكبر، وسبحان الله فهذا صدى العمل الصالح، فكما قالت زوجته «مثلما تحب أن يزورك الناس في بيتك فإن الله يحب أن تزوره في بيته» كلمات منيرة تضيء القلوب بالأمل.
عندما يستعرض المرء ما يسمعه ويراه يجد نفسه حذرًا في أفعاله، فإن لها ردودًا ستأتيه حتما في العاجل أو الأجل، وكأن أعمالنا مرآة ينعكس عليها إن كان خيرا فخير، وإن كان شرًا فشر، وأحيانًا يتساءل المرء إن الكثير من الناس لا يستحق العمل في حقها، ولكن يبدو أن العمل الصالح للنفس وليس للغير، فإن صدى العمل لا يرجع إلا لمن عمله وليس لمن عمل له.
وصدق رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت».
فالأمر كله بيد الله ونحن ندعوه أن يوفقنا في كل حياتنا لأعمال تنعكس علينا بالخير والسعادة والهناء.