; الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة الثالثة» | مجلة المجتمع

العنوان الصراع العربي الصهيوني بين التصور الإسلامي والواقع الموضوعي «الحلقة الثالثة»

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

مشاهدات 57

نشر في العدد 785

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 30-سبتمبر-1986

  • قوات الانتشار السريع شاركت في الهجوم على الطائرة المخطوفة.
  • ما ثمن قبول مبارك للاجتماع مع بيريز؟
  • استكملت المخابرات الأميركية استعداداتها لاغتيال القادة الفلسطينيين والإسلاميين.
  • اللعبة السياسية القادمة: مؤتمر دولي.. أو هجوم إسرائيلي.
  • تفاصيل الخطة الأميركية الجاري تنفيذها في مصر.
  • كيف دخل الاتحاد السوفيتي على خط السياسة الأميركية في الشرق الأوسط؟

انتهينا في الحلقة السابقة إلى احتمال إقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر نوفمبر المقبل لمشروع المؤتمر الدولي لحل ما يسمي بمشكلة الشرق الأوسط، ذلك إن موقف دول عدم الانحياز (١٠١ دولة) وتشكل ثلثي دول العالم من المتوقع أن تقف مع مشروع منظمة التحرير حول المؤتمر الدولي وحول وضع الضفة الغربية والقطاع تحت وصاية الأمم المتحدة لفترة انتقالية من سنة إلى خمس سنوات، فإذا أضفنا الاتحاد السوفيتي ومجموعته الاشتراكية ثم الدول الأوروبية ما عدا بريطانيا يصبح التصويت على قرار جديد لصالح المؤتمر الدولي في الجمعية العامة شبه مجمع عليه.

وحين ينتقل المشروع لمجلس الأمن فسيكون الموقف الأميركي المعارض للمؤتمر الدولي في موقف حرج ذلك أن تاتشر التي تقف مع ريغان تواجه في الوقت الحالي ضغوطًا من القوى الاشتراكية في بريطانيا بدعم من الاتحاد السوفيتي لفك ارتباط بريطانيا بعجلة السياسة الأميركية مما يهدد بسقوط تاتشر في انتخابات الرئاسة المقبلة إذا ظلت على سياستها التابعة للولايات المتحدة.

أما فرنسا التي طالما سعت إلى إيجاد تكتل أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة بدا ذلك واضحًا من خلال زيارة غورباتشوف لفرنسا ثم زيارة ميتران للاتحاد السوفيتي والإعلان الفرنسي السوفيتي عن تشكيل لجنة تحضيرية للمؤتمر الدولي، فإن الموقف الفرنسي أقرب إلى الموقف الروسي حول هذا الموضوع، وإن الاحتمال قائم بأن يتبلور موقف بريطاني محايد إن لم نقل معارض للموقف الأميركي من المؤتمر الدولي.

ويحاول الاتحاد السوفيتي عبر لقاءاته الأخيرة مع المسؤولين الصهاينة والمسؤولين الأميركان إقناع الطرفين بالموافقة على المؤتمر الدولي ويحاول الصهاينة من جهتهم أن يحصلوا في المقابل على موافقة المسؤولين الروس على هجرة أربعمائة ألف يهودي من الاتحاد السوفيتي إلى فلسطين المحتلة من أصل ثلاثة ملايين يهودي يقيمون في الاتحاد السوفيتي بالإضافة إلى إعادة الروس لعلاقاتهم مع ‏الكيان اليهودي الغاصب لفلسطين، هذه العلاقات التي انقطعت عام 1967‏ والتي اشترط الاتحاد السوفيتي لعودتها انسحاب اليهود من كافة الأراضي العربية التي احتلت في ذلك العام.

الاتحاد السوفيتي يعترف بـ«إسرائيل» ضمن حدود عام ١٩٦٧‏ ولا يمانع في هجرة من يريد الهجرة إلى «إسرائيل» والصهاينة يريدون المهاجرين اليهود الروس ليستوطنوا في الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧‏ ضمن ما يطلقون عليه اسم «أرض إسرائيل» ولذلك فالمفاوضات التي تجري بتكتم شديد تواجه مصاعب كثيرة ذلك أن الاتحاد السوفيتي لو وافق على المطالب الإسرائيلية أغضب العرب وعلى رأسهم منظمة التحرير التي يريد من خلالها أن يعود إلى المنطقة، ولو رفض المطالب الإسرائيلية فستقف الولايات المتحدة سدًا منيعًا أمام مشاركته في المؤتمر الدولي الذي يحرص على حضوره ليكون شريكًا للولايات المتحدة على النفوذ في هذه المنطقة من العالم.

ومنظمة التحرير تناضل لتكون طرفًا يقف على قدم المساواة مع «الأطراف المعنية».. شريكًا في التسوية بعد أن جرت محاولات مستميتة على المستوى العربي والدولي لاستبعادها، بل والإجهاز عليها.

لقد دفعت الولايات المتحدة لحسني مبارك مبلغ مليارين وثلاثمائة مليون دولار مقابل قبوله بزيارة بيريز وهي تعلم ما يعانيه الاقتصاد المصري من انهيار.. وفي الوقت الذي كانت فيه قوات دلتا «الانتشار السريع» تجري مناوراتها في مصر وهي ما أطلق عليه اسم مناورات «رياح البحر»، في هذه الأثناء اختطفت الطائرة الأميركية في كراتشي ولا يعلم إلا القليل من الناس أن قوات أميركية خرجت من مصر وأسهمت في الهجوم على الطائرة لتثبيت صفة الإرهاب على الفلسطينيين ثم كان حادث الهجوم على المعبد اليهودي في إستانبول وما يعنيه هذا الهجوم في أذهان العالم أن صاحب المصلحة الوحيد في هذا الهجوم هو الفلسطينيون ولما كانت القضية الفلسطينية مرتبطة مصيريًا بالإسلام والإسلاميين فلابد أن يوصم الإسلاميون بنفس صفة الإرهاب توطئة لاستئناف عمليات التضييق والتصفية للفلسطينيين والإسلاميين على حد سواء وهكذا بدأت الحشود الإسرائيلية تتجه إلى جنوب لبنان وبدأت الطائرات الإسرائيلية في قصف الفلسطينيين والإسلاميين معًا في لبنان.

هذا المخطط التكتيكي الأميركي يدخل ضمن مخطط إستراتيجي أميركي شامل للهيمنة على المنطقة بعد تصفية العناصر الرافضة لهذه الهيمنة.

ولقد كان توقيت حادث الطائرة وحادث المعبد اليهودي قبيل قمة هراري للتأثير على قرار دول عدم الانحياز بشرعية النضال الفلسطيني وبالتالي شرعية الجهاد الإسلامي في جنوب لبنان وحتى تقتنع مصر وبعض الدول العربية بضرورة إيجاد قواعد أميركية ثابتة في أراضيها تحميها من إرهاب «الإسلاميين!» وتضمن لها «الراحة!»‏ بعد ذبح القضية الفلسطينية على الطريقة الأميركية.

إن الولايات المتحدة الآن بصدد البدء في عملية اغتيالات واسعة النطاق للقيادات الفلسطينية والإسلامية بعد أن ألصقت بهم صفة الإرهاب وبعد أن هيأت الرأي العام العالمي والعربي لضرورة القضاء على هذا الإرهاب والإرهابيين ولقد تكشفت هذه الخطة أثناء استجواب ريتشارد مورفي أمام لجنة الشؤون الخارجية والشرق الأوسط في الكونغرس الأميركي حين أعلن عن استكمال وكالة المخابرات المركزية لمعلوماتها حول القيادات الفلسطينية والتلميح ببدء حرب اغتيالات لهذه القيادات بحجة أنها تدعم الإرهاب!

‏ولهذا تسابقت القيادات الفلسطينية على التنديد بالإرهاب ونفي علاقتها به والتلميح بدور الولايات المتحدة في صنع الإرهاب والإرهاب المضاد.

وعلى الرغم من انسياق بعض أجهزة إعلامنا عن قصد أو عن غير قصد وراء المخطط الأميركي إلا أننا نسجل هنا بكل فخر انتباه بعض الكتاب والصحفيين العرب إلى الفخ الأميركي والإعلان بصراحة أن الولايات المتحدة صانعة الإرهاب الدولي وداعمة الأنظمة الإرهابية والكيانات الإرهابية وعلى رأسها الكيان الصهيوني.

إن الولايات المتحدة لا تزال تضغط على النظام في مصر لمزيد من التطبيع مع الكيان اليهودي في فلسطين، ولكن القوى الوطنية المصرية وعلى ‏رأسها القوى الإسلامية تقف حجر عثرة في طريق هذا التطبيع وتشق طريقها بقوة عبر الشارع المصري وعبر أجهزة الدولة نفسها.

ولهذا ترى الولايات المتحدة في تنامي هذه القوى خطرا عليها وعلى مخططها المرسوم للهيمنة على المنطقة ولذلك فهي تسعى لتصفية هذه القوى الوطنية والإسلامية وتضغط على مصر باتجاه التطبيع الكامل مع الكيان اليهودي في فلسطين عن طريق إسدال الستار نهائيًا على القضية الفلسطينية واعتبار البندقية الفلسطينية شيئًا من التاريخ حتى ييأس الإسلاميون من إمكانية النهوض مرة أخرى في ظل هيمنة أميركية تامة وفي جوار كيان يهودي جاهز للضرب في كل لحظة وفي أي بقعة من الأرض العربية أو العالم الإسلامي.

إن العقل الأميركي البراجماتي ينظر إلى البشر على أنهم أرقام ويتعاطى مع السياسة على أنها معادلات رياضية ويجهل أن الإنسان كيان يستعصي على «الكمبيوتر» وتحليلاته واستنتاجاته وأن العاطفة- ونخص بالذكر العاطفة الدينية عند الإنسان المسلم- لا يحس بقوتها وقدرتها على لفظ ما يتعارض مع أمر الله ومنهجه صانع القرار في البيت الأبيض مهما كانت ضغوطه ومغرياته ومؤامراته.

إن الاتحاد السوفيتي دخل على خط السياسة الأميركية في الشرق الأوسط وحاول الالتفاف عليها وتعطيل مفعولها ليكون شريكًا وإلا فهو خصم، ولذلك حين امتنعت الولايات المتحدة عن تزويد الأردن بالسلاح إرضاء للكيان اليهودي الذي يريد باستمرار أن يكون هو المتفوق على كل العرب تحسبًا لتغير الأحوال والأنظمة وتوطئة لمزيد من التوسع في الوقت المناسب، حين امتنعت الولايات المتحدة قام الاتحاد السوفيتي بتزويد الأردن بالطائرات وبشبكة صواريخ مضادة للطائرات كما زود سوريا بصواريخ إس إس 21 المتطورة وضغط على الفلسطينيين الخارجين عن منظمة التحرير ليعودوا إليها وعلى السوريين لإعادة العلاقات مع المنظمة، ثم اتجه إلى الجزائر لتقوم بدورها في هذه المصالحة، وإلى ليبيا لتعيد النظر في سياستها بعد الغارة الأميركية عليها.

والولايات المتحدة إزاء هذا النشاط المحموم للاتحاد السوفيتي وإزاء المتغيرات الظاهرة والباطنة على الساحة العربية والدولية أمام خيارين:

إما انعقاد المؤتمر الدولي وقيام الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع كما تريد منظمة التحرير وإسدال الستار على القضية الفلسطينية والقبول بوجود ما للاتحاد السوفيتي في المنطقة.

أو قلب طاولة اللعبة السياسية بإعطاء الضوء الأخضر للكيان اليهودي للقيام بهجوم شامل على الجبهة الشرقية يستهدف الوصول إلى مثلث أم القيس على الحدود العراقية.

(يتبع)

الرابط المختصر :