; الصراع بين الإباحية والفضيلة على الإنترنت | مجلة المجتمع

العنوان الصراع بين الإباحية والفضيلة على الإنترنت

الكاتب محمود الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أبريل-1997

مشاهدات 71

نشر في العدد 1247

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 29-أبريل-1997

•    عبّاد الشيطان في مصر وطائفة بوابة الجنة في أمريكا يتواصلون فيما بينهم عبر شبكة الإنترنت
•    لماذا لا تتبنى الهيئات الإسلامية مشروع «مسجد إلكتروني، على الإنترنت يخدم رسالتنا مثلما للقس سواجارت كنيسة إلكترونية؟


لم تحظ أي وسيلة أتصال أو إعلام بشعبية أكبر ولا أسرع من الإنترنت، كما لا توجد أي وسيلة أخرى تبرزها من ناحية تنوع الخدمة وفائدتها بالنسبة للبشرية، وإذا كانت الإنترنت قد غزت كل بيت تقريبًا في الولايات المتحدة، فإنها تتقدم عالم الاتصال في بقية مناطق العالم وإن كان بخطوات أبطأ قليلًا، وعلى الرغم من بعض السلبيات التي تحتويها إلا أن الفوائد التي تقدمها لكل الشرائح البشرية أكثر أهمية، والحديث عن هذه الخدمة يستلزم تقديم نبذة تاريخية عن كيفية نشوئها والتعريف ببعض مصطلحاتها.
شبكة الإنترنت هي نتاج الحرب الباردة التي استمرت بين الاتحاد السوفييتي السابق والولايات المتحدة أكثر من ٤٥ عامًا بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ففي عام ١٩٥٧م أسس الاتحاد السوفييتي أول محطة أقمار صناعية تدعى سباتنيك، ورداً على ذلك أنشأت الولايات المتحدة وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة «APRA» تابعة لوزارة الدفاع لاستخدام التكنولوجيا المتقدمة في المجالات العسكرية.
وفي عام ١٩٦٢م - وهو العام الذي ظهرت فيه أزمة الصواريخ في كوبا- برزت مخاوف من مواجهة نووية بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة، وفكرت الإدارة الأمريكية بطريقة يتم فيها الاتصال بين دوائرها المختلفة إذا ماهوجمت بالقنابل النووية وفي كيفية المحافظة على شبكة السيطرة على البلاد، وتم تكليف بول باران من معهد الأبحاث والتطوير «RAND» - وهي مؤسسة حكومية تتبع سلاح الجو الأمريكي - بعمل دراسة حول سبل سيطرة سلاح الجو على صواريخه وقاذفاته بعد هجوم نووي مفترض، وكان مطلوبًا من المعهد عمل شبكة أتصال عسكرية لا مركزية تصمد أمام أي ضربة نووية تستهدف أي موقع عسكري داخل الولايات المتحدة.
وفي نفس العام «١٩٦٢م» أنهى باران بحثه والذي تضمن نواة الإنترنت: شبكة لتحويل الرسائل ونقلها، وتقوم فكرة هذه الشبكة على تحليل البيانات على شكل بيانات مكتوبة أو رسائل معنونة تشير إلى المصدر والجهة المرسلة إليها ومن ثم إرسالها من جهاز كمبيوتر إلى آخر إلى أن تصل المعلومات أو الرسائل إلى جهاز الكمبيوتر على الطرف الآخر المستقبل.
وقد افترض باران تدمير مقاسم الهاتف المركزي ومقر القيادة العسكرية في الهجوم النووي مع بقاء معظم خطوط، وعقد الاتصال، والمقاسم الفرعية سليمة.
وفي عام ١٩٦٩م كلفت وكالة «أبرا» إحدى شركات الكمبيوتر المحلية بتركيب مقاسم إلكترونية في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجيلوس وبعض الجامعات الأمريكية الأخرى إضافة إلى معهد «راند»، وتم ربط تلك المقاسم بشبكة سلكية وكان يراد منها ربط العلماء والباحثين عن بُعد عبر أجهزة الكمبيوتر، وخلال عامين تحولت الشبكة إلى مكتب بريد إلكتروني لتبادل كل المعلومات الشخصية والعلمية، وأنشأت «أبرا» بروتوكول التحكم بالشبكة «NCP» للربط بين ما أصطلح على تسميتهم بالمضيفين «HOSTS» وهي مراكز ومحولات الربط، وفي عام ١٩٧٣م قامت مجموعة من العلماء برئاسة فينتون سيرف من ستانفورد وبوب كان من «أبرا» بتطوير البروتوكول للسماح لشبكات الكمبيوتر المختلفة بالاتصال فيما بينها، وأطلق هذان العالمان في عام ١٩٧٤م مصطلح «الإنترنت INTERNET» لأول مرة على هذه الشبكات المتصلة ببعضها.
وفي عام ١٩٧٦ م تم ربط الإنترنت بين الولايات المتحدة وأوروبا بواسطة شبكة ساتنيت «SATNET» باستخدام الأقمار الصناعية التابعة لمنظمة الاتصالات الدولية عبر الأقمار الصناعية.
وفي عام ١٩٧٩م توصل ستيف بيلوفين-وهو خريج جامعة نورث كارولينا- وبعض مبرمجي الكمبيوتر إلى ما يعرف بشبكة الأخبار اللامركزية بين المجموعات «USENET»، كما توصلت شركة أي بي إم للكمبيوتر إلى شبكة بتنيت «BITNET» والتي استخدمت لأغراض تخزين وإرسال البريد الإلكتروني، وشهد عام ١٩٨٤م انفصال شبكة المعلومات العسكرية التابعة للبنتاغون «MILNET» عن شبكة الإنترنت.
على أن نجاح تيم بيرنرز - لي في اكتشاف شبكة العنكبوت العالمية «WWW» في عام ١٩٩٢م اعتبر ثورة في عالم المعلومات حيث أصبح بمقدور أي مستخدم للكمبيوتر في أي مكان في العالم الحصول على المعلومات التي تبثها الإنترنت.


خدمات تقدمها الإنترنت
تحتوي الإنترنت على عدد من الخدمات الحيوية التي تهم كل فئات المجتمع بدءًا من الحكومات والمؤسسات العلمية والتربوية وانتهاء بالأفراد العاديين من مستخدمي أجهزة الكمبيوتر، وحتى يستفيد الفرد العادي من هذه الخدمة لابد من توفر خط هاتفي وجهاز كمبيوتر وجهاز «موديم» يربط بين الخط الهاتفي وجهاز الكمبيوتر إضافة إلى توفر شركة محلية مرتبطة بشبكة الإنترنت «HOST» يتم عن طريقها ربط المشترك بالشبكة العالمية، ويحصل كل   مشترك على عنوان خاص به يميزه عن أي مشترك أخر في العالم.
وأهم خدمات الإنترنت ما يسمى بشبكة العنكبوت العالمية (World Wide (WWW Web التي تبث ملايين الوثائق والأبحاث والتقارير المختلفة المقروءة والمصورة وبمختلف اللغات من ملايين المصادر المعلوماتية الحكومية والأهلية والشخصية، كما تحتوي هذه الخدمة على الإعلانات التجارية وبرامج الكمبيوتر، وببساطة فإن كل ما يخطر على بال المشترك متوفر على الإنترنت بدءًا من طرق الطبخ وحتى مبادئ إنتاج القنبلة النووية!.
غير أن ما يعيب هذه الخدمة أنها تشمل مصادر معلومات مفتوحة وكثير منها تنقصها المصداقية، فباستطاعة أي شخص أو هيئة استئجار موقع على هذه الشبكة وبأرخص الأسعار لبث أي شيء عن أي شيء دون ضابط أو رابط، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن غالبية مصادر المعلومات موثوقة من دوائر حكومية ومراكز دراسات ووكالات أنباء وصحف ومؤسسات علمية واجتماعية وغيرها.
كما أن خدمة البريد الإلكتروني «e.mail» ذات فائدة لا توصف، فعن طريقها يمكن للمشترك إرسال أي رسالة مكتوبة يريدها إلى أي مشترك آخر أينما كان، وتعامل هذه الرسالة كما لو أنها مكالمة محلية أي لا تخضع لتعرفة المكالمات الدولية، وإضافة للرسائل يمكن إرسال واستقبال ملفات مطبوعة ومصورة كاملة عن طريق البريد الإلكتروني، وهي خدمة تختصر الزمان والمكان، فعن طريقها يمكن على سبيل المثال إصدار صحيفة كاملة يتوزع كادرها في عدد من دول العالم يقوم المحرر المسؤول باستقبال المواد من مصادر مختلفة وإرسالها إلى المحررين في مناطق ودول مختلفة ثم يستقبلها منهم ويرسلها إلى المخرج الذي يقوم بإخراجها وإرسالها كاملة إلى المطبعة في بلد اخر.
ومن الخدمات الأخرى التحادث «chat» بين عدد غير محدد من المشتركين، وهي وسيلة عملية وعصرية للاتصال بين الشعوب المختلفة مجانًا، ولا يقتصر التحادث بين المشتركين على الرسائل المكتوبة الفورية، بل أصبح بإمكان المشتركين التحادث بالصوت والصورة أيضًا، إن إضافة جهاز صغير جدًا ورخيص يثبت على شاشة الكمبيوتر يمكن عن طريقه إرسال واستقبال صور وأصوات المتحدثين في أي مكان وكأنهم في مكان واحد.


الإنترنت والهوس الأمريكي
للتدليل على السرعة الجنونية التي تخترق بها شبكة الإنترنت العالمية عالم الاتصال والمعلومات يكفي أن نعرف أن هذه الشبكة قد استقطبت حتى الآن أكثر من أربعين مليون مشترك في الولايات المتحدة وعشرة ملايين آخرين في بقية دول العالم بعد مضي خمس سنوات فقط على انطلاقها، وتتوقع دراسة أجرتها مؤسسة مورغان ستانلي الأمريكية بأن يرتفع عدد مشتركي الإنترنت في الولايات المتحدة إلى خمسين مليونًا خلال العام القادم.
ويبدو الرقم مذهلًا إذا ما علمنا أن الراديو «المذياع» على سبيل المثال لم يستقطب الخمسين مليون مستمع في الولايات المتحدة إلا بعد ٣٨ عامًا على انطلاقه، كما لم يجمع التلفاز هذا الرقم من المشاهدين في أمريكا إلا بعد ١٣ عامًا، واستقطبت شركات البث التلفزيوني بواسطة الكيبل نفس الرقم من المشتركين بعد عشر سنوات على عملها.
وقد أنتاب هوس الإنترنت الولايات المتحدة أكثر من غيرها لأن الأمريكان على حد قول بعضهم يديرون حياتهم بأزرار إلكترونية، وحتى الكنيسة هناك أصبحت إلكترونية!، ولأن عالم المال و«البيزنس» هو كل حياتهم أصبحت لغة الأرقام والدولار مؤشر التقدم والتراجع عندهم.
وقد قدرت شركة جوبيتر كوميونيكشن - وهي شركة أمريكية مختصة بأبحاث السوق – قيمة الإعلانات التي بثتها الشركات عبر شبكة الإنترنت في الولايات المتحدة عام ١٩٩٤م بحوالي ٥٥ مليون دولار والذي تجاوز ٣٤٠ مليون دولار في عام ١٩٩٦م، وتوقعت الدراسة التي أعدتها الشركة ارتفاع قيمة هذه الإعلانات التجارية إلى أكثر من خمسة مليارات دولار في عام ٢٠٠٠، وكانت دراسة أخرى قد قدرت قيمة الصفقات والمعاملات التجارية التي تمت في الولايات المتحدة عبر الإنترنت عام ١٩٩٦م بحوالي ٥٤ مليار دولار!.


نحن والإنترنت ودعوة لبناء مسجد إلكتروني!
ما الذي يمكن أن يستفيد منه العرب والمسلمون من الإنترنت؟ إضافة إلى المعلومات والبيانات الهائلة التي تحملها شبكة الإنترنت والتي تفيد أهل الاختصاص على اختلاف مستوياتهم ومجالاتهم، يمكنهم الاستفادة منها في مجال الدعوة وتبليغ رسالة الإسلام وشرح قضايا العرب والمسلمين المختلفة إلى أكثر من ٥٠ مليون مشترك يزدادون يوميًا بشكل ملحوظ.
يوجد على شبكة الإنترنت حاليًا حوالي ٥٠٠ وثيقة ومستند تحتوي على معلومات مختلفة عن الإسلام من بينها مجالات وكتب منوعة تحوي معلومات صحيحة وأخرى مغرضة عن الدين الإسلامي وعن قضايا العرب والمسلمين، وكثير من هذه الوثائق يحتوي على تحريف وتشويه وعلى عقائد باطلة تدعي نسبتها للإسلام وتقدم نفسها على أنها تمثل الإسلام الحقيقي، كالأحمدية، والإسماعيلية، وبعض الفرق الصوفية، هذا إضافة إلى ما يبثه المبشرون النصارى واليهود من أفكار مضللة عن الإسلام.
وعلى الرغم من أن تكلفة ترجمة وبث الكتب والمقالات التي تحتوي على عقيدة أهل السنة والجماعة والتي تشرح القضايا العربية والإسلامية العادلة تعتبر زهيدة ومتواضعة إلا أتنا نلحظ ضعفًا في تفاعل المؤسسات الإسلامية القادرة وعدم اهتمام في تبني مثل هذه المشاريع، ومثلما للقس سواجارت وأمثاله كنيسة إلكترونية على الإنترنت يخاطب بها ملايين المشتركين، لماذا لا تتبنى الهيئات الإسلامية وأهل الخير مشروع «مسجد إلكتروني» يخدم رسالتنا؟
إن تجربتنا المتواضعة في صحيفة «فلسطين تايمز» على سبيل المثال وتجارب بعض المؤسسات والمراكز الإسلامية في أوروبا وأمريكا تثبت إمكانية تنفيذ مثل هذا المشروع وبتكاليف يمكن لأي هيئة أو مؤسسة إسلامية تغطيتها واعتبارها صدقة جارية يصل خيرها إلى القائمين على هذا العمل قبل أن يصل إلى الملايين من مستخدمي الإنترنت.
وتظل اللغة المشكلة الرئيسية التي يواجهها مستخدمو الإنترنت من العرب والمسلمين وهي التي تمنع حتى وقتنا الحاضر الكثير منهم من الاستفادة من هذه الخدمة بالشكل المطلوب، فالغالبية العظمى من المعلومات والبيانات المتاحة في الشبكة هي باللغة الإنجليزية، ولذلك من المهم توجيه خطابنا الإسلامي والسياسي بالإنجليزية حتى يصل إلى كل مشتركي الإنترنت أينما كانوا.
إن هاجس الحفاظ على القيم والأخلاق والدين لا يظل حاضرًا في تفكير المسلمين فحسب بل الكثير أيضًا من غير المسلمين خوفا على الأجيال الشابة من الانحراف والاتجاه إلى الجريمة متأثرين بما تبثه الإنترنت من مواد مدمرة للأخلاق والقيم والعقائد، ويبرز هذا الخطر واضحًا إذا ما علمنا أن الغالبية العظمى من مستخدمي الإنترنت هم من الطلاب والشباب بجنسيهم وهم الفئة الأكثر والأسرع تأثرًا بالإعلام، وهل جماعات عبدة الشيطان في مصر وطائفة بوابة الجنة في أمريكا التي أنتحر أعضاؤها جماعيًا في أواخر شهر مارس الماضي إلا نتاج الإنترنت؟ فقد ذكرت بعض التقارير أن تلك الجماعات كانت تتواصل فيما بينها عبر الإنترنت وأن غالبية أعضاء «بوابة الجنة» المنتحرين كانوا خبراء كمبيوتر يستخدمون الإنترنت في الترويج لعقيدتهم.
ليس غريبًا أن يكون للإنترنت قدرة تدميرية هائلة على نشر الفساد، فهي تبث على سبيل المثال أكثر من ٢٠ ألف وثيقة ومجلة إباحية جنسية يحوي بعضها مئات الآلاف من الصور الجنسية والآلاف من الأفلام الجنسية المتحركة بالصوت والصورة مقابل اشتراكات تافهة لا تتجاوز بضعة دولارات شهريًا يمكن لأفقر مستخدم للإنترنت أن يدفعها.
إلا أنها مع ذلك وسيلة إعلامية مهمة تفرض نفسها علينا ويمكن تطويعها لخدمة رسالتنا إذا ما توفرت النوايا لذلك وشمّر العاملون عن سواعدهم وبذلوا القليل من جهدهم ومالهم في هذا المشروع الكبير.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

1112

الثلاثاء 17-مارس-1970

مع الصحافة في كل مكان

نشر في العدد 9

124

الثلاثاء 12-مايو-1970

حذار من لعنة الأجيال