العنوان الصراع بين الإسلام والنصرانية في أندونيسيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1975
مشاهدات 68
نشر في العدد 249
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 13-مايو-1975
باطل النصارى مزور بالجامعات والمستشفيات والمطارات، وحق المسلمين محروم من الحد الأدنى من الإمكانات
حديث مع مندوب المجلس الأعلى الأندونيسي للدعوة الإسلامية في الشرق الأوسط الأستاذ عز الدين بليق بعد عودته من زيارة أندونيسيا لمدة شهر كامل:
• مائة مليون مسلم في المشرق الإسلامي «أندونيسيا» يتطلعون إلى إخوانهم في المشرق العربي للتعاون على البر والتقوى، وتأكيد الأخوة الإسلامية التي عقدها الله من فوق سبع سماوات.
• في أندونيسا يزرعون الكنائس كما يزرعون الأشجار!!
• إحصائية مجلس كنائس أندونيسيا لطائفة البروتستانت توضح أن عدد كنائسها حتى عام ۱۹۷۲م قد بلغ ۹۳۲۱ كنيسة، والقسس ٢٣٩٧، والمبشرون ٦٥٠٤ مبشر!
• عشرات الجامعات والمعاهد الزراعية والمستشفيات الكبرى ودور الأيتام والإذاعات المحلية التبشيرية تتوزغ في شتى بلاد أندونيسيا.
• أحد المستشفيات التنصيرية الكبرى في جزيرة كاليمنتان الغربية مزود بكل شيء حتى بمطار خاص!!
• الصليبيون يمتلكون السفن والطائرات فضلًا عن السيارات للتنقل بين المدن والقرى والجزر الأندونيسية.
• المؤسسات الإسلامية بحاجة إلى الدعم المادي والمعنوي على جميع المستويات.
• المسلمون في أندونيسيا الذين كافحوا الاستعمار البرتغالي والهولندي والإنجليزي والياباني حتى، حصلوا على الاستقلال ثم قاموا بتصفية النفوذ الشيوعي الذي استفحل أيام سوكارنو، لم يقصروا في بناء المساجد والمصليات والمدارس والجامعات والمستوصفات والمستشفيات ودور الأيتام، في تعاون مثالي بين الفقراء والأغنياء، ولكن الإمكانات المادية تقف عقبة كبرى في بلوغ الأهداف.
زار الكويت في الأيام القليلة الماضية الأستاذ عز الدين بليق مندوب المجلس الأعلى الأندونيسي للدعوة الإسلامية بمنطقة الشرق الأوسط، بعد عودته من زيارة لأندونيسيا استغرقت شهرًا کاملًا، زار خلالها جاكرتا، وباندونغ، وشربون، وسورابايا، وموجوكرتو ومالانغ، ثم زار جزيرة كاليمنتان «المنطقة الغربية»، واختتمها بزيارة سومطرا الغربية، حيث اطلع على المؤسسات الإسلامية التربوية والثقافية والاقتصادية، وزار عدة جامعات ومستشفيات، وعلى الأخص مستشفى ابن سينا الإسلامي في مدينة بوكيت تنقى، ثم اجتمع بمحافظ سومطرا الغربية، وقد قام بإلقاء عدة أحاديث خلال تلك الزيارة.
وقد زارنا في «المجتمع» وأجرينا معه هذا الحديث:
◘ علمنا بنبأ زيارتكم لأندونيسيا، فهل لكم أن تحدثونا عن انطباعاتكم عن هذه الزيارة؟
• لقد قمت بزيارة أندونيسيا تلبية لدعوة المجلس الأعلى الأندونيسي للدعوة الإسلامية، الذي يرأسه دولة الدكتور محمد ناصر رئيس وزراء أندونيسيا الأسبق؛ كي أشاهد على الطبيعة أحوال المسلمين ومؤسساتهم، وأنقل إلى إخواني في الشرق العربي صورة صادقة أمينة عن أحوال إخوانهم في العقيدة، التي آخى بها الله بيننا وبينهم، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10).
ولقد شدني في هذه الزيارة كون أندونيسيا هي أكبر دولة إسلامية في العالم بعد تمزق الباكستان؛ إذ إنها تضم اليوم زهاء مائة مليون مسلم، أو ما يوازي ثمن العالم الإسلامي، وقد وصل الإسلام إليهم في القرون الأولى عن طريق مجموعة من التجار المسلمين الذي استطاعوا أن يؤثروا بالسكان بعد أن قدموا صورة صادقة جميلة بأعمالهم عن الإسلام، فدخلت أندونيسيا في دين الله أفواجًا.
◘ كيف وجدت أحوال المؤسسات الإسلامية التعليمية؟
• في الواقع هزني في زيارتي إلى قرية تشي قوقور مدرسة ابتدائية تسمى «نور الحكمة» قمنا بزيارتها واجتمعنا بمديرها وسألناه عن عدد طلابها وعن الرسم الشهري الذي يدفعه الطالب أو الطالبة، ومقدار راتب المدرس، وقد ذهلت حينما علمت بأن الرسم الشهري عن كل طالب أو طالبة هو فقط ٥٠ روبية أندونيسية، أو ما يعادل ٤٠ فلسًا كويتيًّا لا غير، وأن راتب المدرس بمن فيهم المدير لا يتعدى الألف روبية، أو ما يعادل ۸۰۰ فلس كويتي فقط!! وأنهم يقومون بأعمال الزراعة بالإضافة إلى التدريس حتى يستطيعوا القيام بمصاريفهم، وأنهم لا يملكون مالًا يزكون عنه، ولكنهم يزكون عن علمهم، وأنهم يحفظون أولادهم بدلًا من إرسالهم إلى مدارس التنصير، وقد أكبرت هؤلاء المدرسين وجهادهم.
◘ لماذا لا تقوم وزارة المعارف بتأمين المدارس والأساتذة للشعب الأندونيسي أسوة بما يجري في البلاد الأخرى؟
• في الواقع أن الجهود الرسمية تبذل لبناء وفتح المدارس في كل مكان، ولكن الإمكانات تقصر عن الواجبات، ولذلك يهرع المبشرون للمساعدة على سد هذا العجز ببنائهم المدارس التبشيرية!! والواقع أن المسلمين لم يقصروا أيضًا في هذا السبيل، فقامت إحدى جمعياتهم الخيرية «المحمدية» ببناء آلاف من المدارس حتى وصلت إلى «12.495» مدرسة ابتدائية وإعدادية وثانوية، بالإضافة إلى عشر جامعات، وثلاثة معاهد عليا، وبلغ عدد طلابها حوالي «۹۹۰» ألف طالب، كما قامت ببناء «٥» مستشفيات عامة، و٨٦ مستشفى فرعي، و۲۷۱ مستشفى للولادة، و۳۰۹ ملجأ صحي، و٦ صيدليات، و٥ مدارس للتمريض والحضانة، كما قامت ببناء ٣٢٥٠ مسجد ومصلى، و۹۰ دارًا للأيتام.
إذن المسلمون لم يقصروا أبدًا؛ ولكن الإمكانات هي التي تقف عقبة كبرى في بلوغ الأهداف.
أما كيف تم إنشاء كل هذه المبرات والمؤسسات، فقد تعاون المسلمون جميعهم –أغنياؤهم، وفقراؤهم، ومتوسطوهم، كل حسب إمكانياته- في بناء هذه المؤسسات. لقد أعجبت بطريقة تمويل المساجد والمصليات؛ حيث إن لكل مسجد لجنة منتخبة تشرف عليه، وهذه اللجنة قد أعدت صندوقًا خاصًّا تبدأ بوضعه في الصف الأول يوم الجمعة قبل موعد الصلاة والخطبة بنصف ساعة تقريبًا، حيث يقوم أول شخص في الصف الأول بدفع ما يتيسر من جيبه، ثم يقوم بنقل الصندوق إلى جاره، وجاره يقوم بواجبه ويضع بداخل الصندوق ما تجود به نفسه، ثم ينقله إلى جاره، وهكذا... فإذا لم يكن لهذا الجار ما يدفعه، قام بنقل الصندوق إلى زميله وهكذا... وما يتجمع كل أسبوع من تبرعات المصلين يسجل على اللوح الأسود المخصص لكل مسجد، ومما يجمع خلال هذا الشهر يصرف منه راتب الإمام والخطيب وراتب الخادم وأجور الكهرباء، وما يحتاج إليه المسجد من تصليحات وما إلى ذلك، ثم يسجل على اللوح الأسود ما صرف من مبالغ، ويسجل رصيد الحسـاب للشهر الثاني وهلم جرا، فإذا تجمع مبلغ طيب، وزادت التبرعات عن المصروفات قاموا بإنشاء مصلى أو مسجد آخر، أو قاموا ببناء مدرسة أو مستوصف أو دار يتيم، وهكذا في تعاون مثالي بين المسلمين.
◘ كيف رأيت دور الأيتام؟
• في مدينة «موجوكرتو» في جادة الشرقية، زرت دار الأيتام التابع للمحمدية، وقد شرحت لي مديرة الميتم طريقة الإنفاق على اليتامى من الأولاد والبنات؛ حيث إن بعض الموسرين يقوم بكفالة يتيم أو أكثر، ويضع كل عام في مصرف كوديعة المبلغ الذي يكفي اليتيم من مصاريف الطعام والكساء والطبابة، ويقوم المصرف بإصدار دفتر خاص يشبه دفتر التوفير يسلم لإدارة الميتم التي تقوم بقبض المعدل الشهري عن كل يتيم، وهكذا فإن الستين يتيمًا الذين يؤويهم الميتم يتمتعون بالرعاية الصحية والسكينة والتعليم حتى يكبر اليتيم فيصبح عضوًا نافعًا في المجتمع، بدلًا من أن يترك هكذا في الشارع عرضة للتشرد والانحراف، والواقع أن كفالة اليتيم من أهم العبارات التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين -وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى».
◘ هل كان للبلاد العربية إسهام في نهضة وإنماء المؤسسات والمستشفيات والجامعات الإسلامية، يوازي ما تقوم به المؤسسات التبشيرية في أندونيسيا؟
• يؤسفني أن أقول بأن الدول العربية غائبة تمامًا؛ غائبة في التمثيل الدبلوماسي، وغائبة في الإسهام بالمشاريع الاقتصادية والثقافيـة والتربوية والصحية. لقد فوجئت عند وصولي إلى جاكارتا بأن ليس للبنان سفارة في جاكرتا، في الوقت الذي لأندونيسيا سفارة في بيروت، وفي الوقت الذي للبنان سفارة في الفاتيكان وقبرص عند المطران مكاريوس والحبشة وأستراليا، وما يقال عن لبنان يقال عن بعض الدول العربية مثل المغرب وتونس وليبيا ودول الخليج العربي، ولم أر من سفارات الدول العربية سوى مصر والسعودية وسورية والعراق والجزائر. وإني آمل في القريب العاجل أن يتم تبادل التمثيل السياسي بين أندونيسيا والدول التي ليس لها علاقات دبلوماسية حتى الآن.
فما معنى التضامن الإسلامي والأخوة الإسلامية إذا كان بيننا وبين أندونيسيا هذا الانقطاع انقطاع في العلاقات الدبلوماسية، وانقطاع في العلاقات التجارية، وانقطاع في العلاقات الثقافية، كأن الرسول لم يقل: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، أين نحن من هذا الحديث؟
نحن نستورد الشاي من الهند وسيلان ومن كل مكان إلا من أندونيسيا... نحن نستورد الخشب من رومانيا ومن كل مكان إلا من سومطرا وكاليمنتان في أندونيسيا. وعند زيارتي بونتياناك عاصمة كليمنتان الغربية شاهدت مصنعًا للخشب على أحدث طراز، فسألت عن أصحابه فقالوا: مشروع مشترك بين إيطاليا وأندونيسيا، ثم شاهدت مصنعًا آخر فقالوا: مشروع مشترك بين الصين وأندونيسيا لم أر طوال جولتي في أندونيسيا مشروعًا واحدًا لإحدى الدول العربية؛ لا مشروعًا تجاريًّا، ولا مشروعًا سياحيًّا، ولا مؤازرة حتى بنشر وتعليم اللغة العربية. الصين مهتمة بأندونيسيا، وروسيا واليابان وأمريكا والفلبين وأوستراليا وأوربا؛ إلا العالم العربي! لماذا هذا الانقطاع في المواصلات السريعة التي قربت كل بعيد؟! ومع ذلك فنحن لا نعلم عن أندونيسيا شيئًا يذكر كأنها في كوكب آخر.
أندونيسيا تبيع الشاي لسيلان، ثم تقوم سيلان بتعبئته من جديد وتصديره إلى كل مكان وإلى البلاد العربية على أنه شاي سيلاني، لماذا لا نستورد رأسًا من أندونيسيا؟
نحن نقوم بإعطاء القروض إلى اليابان، إلى أمريكا، ومن ثم تأتي القروض إلى أندونيسيا عن طريق اليابان وأمريكا!! ألا يمكن أن يكون بيننا تعامل مباشر بدون وجود الوسيط؟
لقد حاول الاستعمار الهولندى إبعاد أندونيسيا عن العالم العربي، وعن كل ما يمت إلى العرب بصلة، وشجع قيام القومية الأندونيسية لكي تكون بديلًا عن الأخوة الإسلامية، بل إن الاستعمار الهولندي استعان بالشيوعية من أجل إبعاد أندونيسيا عن اللغة العربية ومكة المكرمة والأزهر الشريف. ولكن بعد أن رحل الاستعمار عن المشرق العربي وعن المشرق الإسلامي لماذا تبقى أندونيسيا بعيدة عن العالم العربي، ويبقى العالم العربي بعيدًا عن أندونيسيا؟!
إن البلاد العربية تحاول استثمار رءوس أموالها في كل مكان إلا في أندونيسيا لماذا؟ لست أدري.
أندونيسيا لم تعترف بإسرائيل لماذا؟ لأن شعبها يؤمن بالأخوة الإسلامية، والفريق الرياضي الأندونيسي للألعاب الأولمبية في إحدى الدورات الماضية رفض أن يلعب مع الفريق الإسرائيلي وفضل أن يخسر المباراة ولا يلعب مع فريق إسرائيلي، ما الذي جعله يفضل الخسارة على اللعب مع إسرائيل والانتصار؟ إنها الأخـوة الإسلامية.
إذا كنت تريد أن تعرف مدى مساهمة البلاد العربية الغنيـة بالمؤسسات الخيرية الإسلامية، فإني أروي لك قصة مستشفى ابن سينا الإسلامي في مدينة بوكيت تنفي في سومطرا الغربية.
لقد بدئ بإنشاء هذا المستشفى الإسلامي ردًّا على إنشاء مستشفى البابتست التبشيري، ولقد تكتل أهل المدينة ورفضوا أن يبيعوا قطعة أرض ليقام عليه هذا المستشفى التبشيري؛ رغم الأسعار الباهظة التي دفعوها نظير قطعة الأرض، ولما يئسوا من الحصول على قطعة الأرض اتجهوا إلى الثكنات العسكرية، وأقاموا مستشفاهم داخل الثكنة العسكرية.
وعز على أهالي المدينة نجاح التبشير فتنادوا واجتمعوا واكتتبوا واشتروا قطعة أرض، وبدءوا ببناء المستشفى، ومنذ عام ١٩٦٩م حتى عام ۱۹۷5م لم يتم بناء سوى مرحلتين من أصل ثماني مراحل، مع أن المجلس الأعلى الأندونيسي الذي يشرف على هذا المشروع قدم طلبات إلى كل الدول العربية النفطية، فتبرع بعضها، ولم يتحرك البعض الآخر، هذا في الوقت الذي نرى المستشفيات التبشيرية تقوم في كل مكان على أحدث طراز، ويكفي أن تعلم أن أحد المستشفيات في منطقة تبعد عن سنكاوانغ بنحو ٥٠ كيلومترًا، وتم إنشاء مستشفى للبابتست أيضًا مجهز بكل شيء حتى بمطار خاص!!
هذا عن المستشفيات، أتريد أن تعرف عن مساهمة الدول العربية الغنية بنسخ من تراجم معاني القرآن الكريم بالأندونيسية؟
لقد استحصل المجلس الأعلى الأندونيسي قبل عامين ونصف تقريبًا على إذن استيراد ۲۰۰ ألف نسخة من ترجمة القرآن الكريم بالأندونيسية من السلطات المختصة في أندونيسيا من وزارة الشئون الدينية ووزارة التجارة، وقدم الطلبات إلى الدول العربية- الإسلامية، أتريد أن تعرف كمية النسخ التي تبرعت بها تلك الأقطار؟ مجموع النسخ التي تبرعت بها ١٤۰۰ نسخة فقط!!
قد لا تصدق هذا الكلام ولكنه الواقع.
والواقع -يا أخي- أن الذي ينقصنا في البلاد العربية هو التخطيط، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر: 49).
بقي أن نذكر بروح من الشكر والتقدير ما ساهمت به دولة الكويت الشقيقة من تبرعات مالية وثقافية خلال السنوات العشر الماضية، فهذه المساعدات -رغم تواضعها- ساهمت بعض الشيء في سد بعض الثغرات، إلا أن المطلوب أكثر من ذلك بكثير، وأملنا في الكويت وغيرها من الأقطار العربية الشقيقة أن تنهض بواجبها وتلقي بثقلها لمصلحة الإسلام والمسلمين في أندونيسيا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل