العنوان الصقيع يجمد شرايين الحياة في البلقان
الكاتب عبد الباقي خليفة
تاريخ النشر السبت 07-فبراير-2009
مشاهدات 60
نشر في العدد 1838
نشر في الصفحة 34
السبت 07-فبراير-2009
الملايين يعانون بعد قطع الغاز الروسي.. ودرجات الحرارة بلغت ٢٥ درجة تحت الصفر
أزمة الغاز جعلت الملايين يبحثون عن بدائل عبر التدفئة بالحطب وشراء المدافئ الكهربائية نادرة الوجود في الأسواق
وزير خارجية البوسنة أربعة ملايين مواطن يواجهون الخطر بعد أن أصبحوا رهائن للخلاف بين روسيا وأوكرانيا!
٢٤٠ ألف مسكن في البوسنة تجمدت جدرانها من الداخل بسبب تراكم الثلوج وانخفاض درجات الحرارة إلى مستويات مخيفة
عاشت منطقة البلقان وأوروبا الشرقية في المدة الأخيرة، ولا تزال، أجواء باردة للغاية، زاد من قسوتها الخلافات الروسية الأوكرانية حول إمدادات الغاز.. ورغم توصل الطرفين إلى اتفاق بينهما، إلا أن الغاز لا يزال متوقفا في مناخ متجمد تتراوح فيه درجة الحرارة بين ۱۲ و ۲۵ درجة مئوية تحت الصفر.. وهرع الكثير من السكان في دول مثل صربيا وكوسوفا وكرواتيا ومقدونيا والتشيك والبوسنة ورومانيا وسلوفاكيا وغيرها إلى الأسواق لشراء المدافئ الكهربائية، فيما توجه الكثيرون. ولاسيما سكان الأرياف وضواحي المدن إلى شركات بيع الخشب لاقتناء كميات منه لتوفير الدفء لأسرهم عبر مدافئ الخشب بعد انقطاع الغاز الروسي.
وقد زاد الوضع خطورة نزول ما يُطلق عليه المطر المتجمد» على الطرق الذي يتسبب في حوادث مميتة تشهد بدورها ارتفاعا وصل خلال العام الماضي إلى أكثر من 5 آلاف قتيل ونحو ١٥ ألف جريح، مما يؤكد المقولة التي تذكر أن للبرد أسنانًا حادة».
ولم يسلم المارة من حوادث الانزلاق بسبب ما يوصف به الثلج الأسود»، التي تسبب رضوضا وجروحا بعضها خطير... وتستقبل المستشفيات في منطقة البلقان أكثر من ألف جريح يوميا منهم ٨٠ جريحا في العاصمة البوسنية سراييفو وحدها.
البرد سيد الموقف!
وتقوم السلطات المحلية برش الملح والحصى في الطرقات للتخفيف من الحوادث المميتة، ففي إقليم فوفودينا » مات من البرد ۲۱۰ أشخاص، بينما لا يعرف العدد الإجمالي للضحايا في مختلف أنحاء صربيا.. وفي «التشيك، اضطر عشرات الأشخاص للانتقال إلى ملاجئ عامة تتوافر فيها العناية الصحية لمن يشكون من مرض القلب.. وفي العاصمة الصربية «بلجراد» أعلن أن أكثر من مائة شخص ينقلون للمستشفيات يوميا بسبب البرد وتأثيراته المباشرة والجانبية على الصحة.
أما داخل الآلاف من المنازل والشقق السكنية فإن الوضع أكثر قتامة والبعض يصفه بأنه أكثر سوءا مما كان عليه خلال سنوات الحرب (۱۹۹۲). ١٩٩٥م) حيث انقطع الغاز والكهرباء وفي أغلب الأحيان الماء.. واضطر البعض للجوء إلى أقاربهم في مدن أخرى هربا من الصقيع الشديد الذي يلف منطقة البلقان بما يعيد سنوات سابقة كان فيها البرد سيد الموقف.. وعاد الناس إلى المواقد التي استخدموها زمن الحرب وتحسر على ذلك من تخلص من تلك المواقد التي ظنوا أن الظروف التي مروا بها لن تعود مرة أخرى.
وقال كريم ماجري» لـ «المجتمع»: «كنت ممن توجهوا إلى السوق لشراء مدفئة كهربائية، ولكني لم أجد شيئا في السوق... وعن كيفية قضائه وأسرته الأجواء الباردة قال: إن جميع أفراد أسرتي، وعددنا سبعة أشخاص نقضي الوقت بالمنزل كما سنقضي بقية الأيام في غرفة واحدة حيث لدينا مدفئة كهربائية اشتريناها في وقت سابق، وضعناها في الغرفة، وتكدسنا حولها... وأوضح أنه لم يستطع التأقلم مع الوضع الجديد فأرسل عائلته إلى منطقة أكثر دفئًا ثم التحق بها.
أزمة جديدة
وقد لزم الكثير من الناس بيوتهم، وخاصة كبار السن الذين يعانون من مرض القلب وغير ذلك.. وكان سكان البلقان. وخصوصا البوسنيين. قد مروا بحالات سابقة قطع فيها الغاز الروسي، لاسيما أثناء حرب التسعينيات في القرن الماضي، وقد تمكنوا من التكيف مع الظروف في غياب التدفئة بالغاز ومن ذلك الاحتفاظ بملابسهم كاملة عند النوم، كما استخدموا ملابسهم القديمة وأرضية المنازل الخشبية للتدفئة!
وفي بولندا»، أعلن عن مقتل عشرة أشخاص من البرد بسبب قطع الغاز الروسي وانخفاض درجة الحرارة إلى ٢٥ درجة مئوية تحت الصفر، وهناك مخاوف من ارتفاع عديد ضحايا البرد في شرق أوروبا إلى ما يزيد على الألف في ظل استمرار سوء الأحوال الجوية وانخفاض درجة الحرارة بشكل دفع العديد من المدارس إلى إغلاق أبوابها، وكذلك المصانع التي تعتمد بشكل كلي على الغاز.
ويؤكد المراقبون أن قطع روسيا للغاز وانخفاض درجة الحرارة موازاة لذلك تسبب في أزمة جديدة في أوروبا تضاف للأزمة الاقتصادية التي لا تزال تؤثر في الحياة المصرفية بالعالم، ولاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا.
محادثات جارية
ورغم الإعلان عن توصل لاتفاق روسي. أوكراني»، إلا أن الغاز لا يزال مقطوعا ويتوقع أن يستمر ذلك حتى نهاية شهر فبراير الجاري.. وترنو الأنظار في دول البلقان وأوروبا الشرقية إلى المحادثات الجارية بين «موسكو» و«كييف» لإنهاء المعاناة التي يعيشها ۷۰ مليون نسمة بسبب قطع الغاز الروسي الذي يمر عبر أوكرانيا، تزامنا مع موجة برد شديدة وصلت إلى ٢٥ درجة مئوية تحت الصفر.
وقالت المصادر الروسية: إن مديرا الشركتين الروسية والأوكرانية قد أجريا محادثات في «موسكو» لحل الأزمة القائمة... ويُعد هذا اللقاء الأول من نوعه هذا العام بين مديري الشركتين، وقد تزامن مع اجتماع وزيري الطاقة في البلدين بالعاصمة البلجيكية بروكسل، بحضور مسؤولين من جمهورية التشيك» بصفتها الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي.
شروط روسية
وكان الرئيس الروسي قد أكد أن بلاده لن تستأنف مد أوكرانيا بالغاز ما لم تقبل بسعره المحدد، وبوجود مراقبين دوليين بمن فيهم عناصر من الاتحاد الأوروبي، وأجرى الرئيسان الروسي ديمتري ميدفيديف. والأوكراني فيكتور يوتشينكو، محادثات هاتفية في وقت سابق.. وقالت مصادر بلقانية: إن «ميدفيديف أعرب عن استعداد روسيا لاستئناف ضخ الغاز في أسرع وقت ممكن إذا قبلت أوكرانيا بالشروط الروسية... كما أكد «يوتشينكو لنظيره الروسي قبول بلاده بوساطة الاتحاد الأوروبي في الأزمة، وذلك بعد محادثات هاتفية أجراها مع رئيس المفوضية الأوروبية خوسيه مانويل باروسو».
البحث عن بدائل
وتعاني ٢٠ دولة في البلقان وأوروبا الشرقية من الخلاف الروسي. الأوكراني». وخاصة البوسنة وسلوفاكيا ومقدونيا وصربيا وبلغاريا.. وقد دفعت أزمة الغاز الملايين من سكان البلقان وأوروبا الشرقية إلى البحث عن بدائل للغاز الروسي عبر التدفئة بالحطب، واستخدام المدافئ الكهربائية، لكن مما ضاعف من المعاناة.
وقالت السيدة نجاة عموديتش (٥١) سنة لـ المجتمع»: «في القرن الحادي والعشرين نعود إلى أساليب القرون الوسطى ذلك اصطدم بقلة المعروض منها في السوق في التدفئة، ولكننا لا نجدها للأسف!!....
وتابعت: قطع الغاز في ظل انخفاض درجة الحرارة وتراوحها بين ۱۰ و ۲۰ درجة مئوية تحت الصفر تؤكد أنه لا توجد أخلاق في السياسة!
٤ ملايين رهينة
أما بلغاريا وتعد أفقر دولة في الاتحاد الأوروبي، فتعتمد في مجال التدفئة على الغاز الروسي بنسبة %۹۲ ، وقد وجدت نفسها بدون بدائل عكس الوضع في تركيا أو اليونان، مما دفع الحكومة إلى إغلاق المدارس، بينما ظل السكان بملابسهم الشتوية كالمعاطف والقفازات ليلًا ونهارًا.
في حين وصف الوضع في البوسنة بأنه مأساة إنسانية: إذ يمر الغاز الروسي إليها عبر عدد من الدول، من بينها المجر وصربيا ، وهناك أكثر من ٢٤٠ ألف مسكن تجمدت جدرانها من الداخل بسبب هطول الثلوج، وانخفاض درجات الحرارة إلى مستويات مخيفة.
ومن بين الدول التي تضررت بقطع الغاز الروسي: بلغاريا، وكرواتيا، وتشيكيا واليونان وإيطاليا، ومقدونيا ورومانيا وصربيا ، وسلوفينيا وتركيا، وسلوفاكيا التي توقف فيها ألف مصنع عن العمل بما فيها مصنع أكياء لصناعة السيارات.. إضافة إلى وأكد وزير خارجية البوسنة ستيفن النمسا وفرنسا والمجر وبولندا.
الكلاي أن هناك ٤ ملايين نسمة يواجهون الخطر، بعد أن أصبحوا رهائن للخلاف الروسي الأوكراني»، على حد تعبيره.