العنوان الصلح مع إسرائيل
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
مشاهدات 81
نشر في العدد 421
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 28-نوفمبر-1978
فتوى مضللة لعبد المنعم النمر شيخ الأزهر بالنيابة
أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضللون ..
عندما يسمع المسلم فتاوى بعض علماء اليوم وهي تحاول أن تلبس تصرفات الحاكم لبوسًا شرعيًا، لابد وأن يفتقد شخصية العز بن عبد السلام ذلك العالم المجاهد الذي أسقط حكم أحد الطغاة المماليك وباعه في أحد أسواق القاهرة كما يباع الرقيق، لكن أين الثرى من الثريا؟ لقد صار بعض العلماء تجارًا لحساب الحاكم، وسماسرة يباركون خطاه ويروجون له، وهم يعلمون أنهم يقولون زورًا ويروجون لباطل، فلقد رضوا بالحياة الدنيا الفانية، وآثروها على الآخرة، فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل.
السادات وعلماء السوء:
لقد حسب كثير من أصحاب الظن الحسن والسريرة الطيبة أن مبادرة الرئيس السادات سوف تلقى معارضة عاتية من علماء الأمة وعلى رأسهم علماء الأزهر، إلا أن هؤلاء سرعان ما اكتشفوا زيف أصحاب المناصب العالية في الأزهر والديار المصرية، فمن أول يوم لمبادرة السادات بدأ تجار الدين ممن يحسبون على علماء الأمة يتنافسون في الزلفى والتقرب إلى صديق الصهاينة وخدينهم ويمجدون فعله، ويباركون خطواته ويزيدون على ذلك تضليل الناس، وذلك بالاستشهاد بالنصوص في غير موضعها، كي تفلسف وتبرر الخدمات المجانية التي يقدمها السادات للصهاينة، ولا يكتفي هؤلاء بتمجيد صاحبهم وتبرير عمله، وإنما يصبون حممهم على رأس كل معارض مع قذفه بالجهل والحقد، وذلك كما فعل الشيخ أحمد هريدى مفتي مصر السابق الذي قال يوم رحلة السادات المشؤومة إلى القدس: المبادرة في ذاتها لا يستطيع أحد أن ينتقص من قيمتها، وطبيعي أن يكون هناك من يحقد، أو من لا يفهم، لكن الرئيس السادات، وقد كشف الله عن بصيرته عرف كيف يصل إلى تحقيق الهدف، والكل فيما عدا الحاقدين والجاهلين– يؤيدون مبادرة الرئيس التي حققت أغراضها وستكون عملا خالدًا أبد الدهر،
والظاهر أن رغبة هذا المفتي السابق لمصر في مزاحمة أقرانه على نيل المكتسبات الدنيوية هي التي حدت به لدخول حلبة التسابق على تمجيد الأعمال الخيانية، والرغبة نفسها هي التي حدت بالشيخ عبد الحليم محمود- غفر الله ما ارتكبه من آثام- أن يبرق للسادات مؤيدًا ومهننًا يوم كشف النقاب عن اتفاقات كامب ديفيد، إلا أن المستفيد من هذه التخرصات هو الحاكم المنحرف الخائن مع شركائه اليهود، فالذين يخططون لأمور خطيرة ترضي أعداء الله، ، وتغضب الله، يعلمون أهمية الدور الذي يقوم به المرتزقة من العلماء، لعلمهم بقوة تأثير الدين على النفوس، فيجعلون من هؤلاء أبواقًا تضلل الناس باسم الدين وقد كان اليهود من قبل يقومون بمثل هذا، فنهاهم الله عنه بقوله: ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون.
الشيخ عبد المنعم نمر وفتوى الضلال الجديدة:
عندما بدأ بعض الناس يعيدون إلى الأذهان فتوى الجامع الأزهر بعدم جواز الصلح مع اليهود، والتي أصدرتها لجنة الفتوى بالجامع الأزهر بتاريخ الأحد جمادى الأولى سنة ١٣٧٥ الموافق أول يناير سنة ١٩٥٦ وذلك برئاسة الشيخ حسنين محمد مخلوف، أطل على حلبة التملق والتجارة الحساب الرئيس المصري، الشيخ عبد المنعم نمر شيخ الجامع الأزهر بالنيابة، وكتب تعليقًا في صحيفة السياسي الأسبوعي المصرية يوم ۱۲– ۱۱- ۷۸ م يزور فيه مفهوم العلاقة بين المسلمين واليهود، ويبطل فتوى الأزهر بعدم جواز الصلح مع اليهود، وقد نقلت وكالة أنباء الشرق الاوسط جريمة الشيخ النمر وتزويره فقالت :
تصدت صحيفة السياسي الأسبوعي للرد على ما نشرته الصحف الكويتية يوم ٤ نوفمبر الحالي من أن الأزهر أفتى بأن الصلح مع إسرائيل لا يجوز شرعًا، وما ردده راديو بغداد في هذا المجال، وقد نشرت الصحيفة تعليقها للدكتور عبد المنعم النمر شيخ الجامع الأزهر بالنيابة، أوضح فيه أن بعض المغرضين الذين يحبون أن يستغلوا أي شيء لترويج باطلهم يهمسون بأن لجنة الفتوى بالأزهر قد سبق وأصدرت فتوى بأنه لا يجوز للمسلمين الصلح ولا تبادل التمثيل السياسي مع إسرائيل، ويعنون أن هذا الحكم ينطبق الآن على مصر .
وأشار شيخ الأزهر بالنيابة إلى أنه معلوم لدى كل عاقل أن كل فتوى لها ظروفها وأسبابها وكل حكم له علته ودواعيه، فإذا تغيرت الظروف والأسباب والعلل تغير الحكم تبعًا لذلك.
وأوضح الدكتور عبد المنعم النمر أن الظروف قد تغيرت الآن، وأصبح السلام وشيك الوقوع بمعاهدة تنهي حالة الحرب، وفي هذه الحالة، يمكن تبادل التمثيل وغيره مما كان ممنوعًا زمن الحرب، والله - سبحانه وتعالى- يقول: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله، وأشار شيخ الأزهر بالنيابة إلى أن هذا الأمر لا يقره الإسلام فقط ، بل تقره جميع القوانين والمواثيق الدولية.
وأضاف قائلا: أن حروبًا قد قامت بين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- وأعدائه، وكانت تسري في أيامها قوانين الحرب والتعامل مع الأعداء، فلما عقدت المعاهدة بينه وبينهم تغيرت الحالة، والتزم الرسول ببنودها السلمية.
ووصف الدكتور النمر هذه المحاولات بالبلاهة، وقال أنه ليس من المعقول أن يردد إنسان الآن فتوى صدرت في الخمسينات لظروف الحرب التي كانت قائمة وقتذاك، ويريد أن يستغل الناس بالاحتجاج بها، وقد تغيرت الظروف من حرب إلى سلم.
وقال الدكتور نمر أن للحرب أحكامها وللسلم أحكامه، ولكن الذين في قلوبهم مرض وفي عقولهم خلط يظنون أن الناس بلهاء لا يفرقون بين حرب وسلم، ويمكن أن ينطلي عليهم هذا التزوير والتغرير.
ونصح شيخ الأزهر بالنيابة هؤلاء المزورين أن يوفروا على أنفسهم ما يبذلون من جهد ومال، فليس شعب مصر هو الذي يمكن التغرير به هذا ما نقلته وكالة أنباء الشرق الأوسط ، ترى ماذا يريد عبد المنعم نمر من إصدار هذه الفتوى المزيفة؟
هل كان ينتظر فراغ مشيخة الأزهر وموت عبد الحليم محمود الذي توفى بعد فترة وجيزة من برقيات التهنئة والتبجيل التي أرسلها للسادات بمناسبة اتفاقات كامب ديفيد؟ لقد رضي شيخ الأزهر بالنيابة أن يخون الله الذي أخذ عليه وعلى أمثاله العهد بأن يقولوا كلمة الحق ولا يخشوا في الله لومة لائم حرصًا على منصب لو دام لغيرهم لما وصل إليهم، ورغبة في عرض من الدنيا زهيد تافه.
هل قدم النمر مبايعته للسادات طمعًا في مشيخة الأزهر...؟
مقتطفات من فتوى الأزهر بعدم جواز الصلح مع إسرائيل :
وهنا لابد من ذكر بعض المقتطفات المنقولة حرفيًا من النص الكامل للفتوى التي سبق وأن أصدرتها لجنة الفتوى بالجامع الأزهر سنة ١٣٧٥ هجرية. ننشرها لنصفع بها وجوه أولئك الذين أصموا آذانهم عن حكم الله، واستغشوا ثيابهم تهربًا من الخضوع لحكم الله، ثم لنضعها بين يدى كل مسلم غيور لتكون مرتكزًا لهم في رفضهم لما يحاول عرب التيه والضياع فرضه على أمتنا من مهانة وذل الاعتراف بشرعية اغتصاب اليهود لأراضينا، كما نسوقها لشيوخ الأزهر المتأخرين الذين أقاموا صلاة الشكران على الاستسلام لليهود :
تقول الفتوى:
إن الصلح مع إسرائيل كما يريد الداعون إليه لا يجوز شرعًا لما فيه من إقرار الغاصب على الاستمرار في غصبه، والاعتراف بحقه على وضع يده على ما اغتصبه، وتمكين المعتدي من البقاء على عدوانه.
وتقول الفتوى أيضا: ولا يجوز للمسلمين أن يصالحوا هؤلاء اليهود الذين اغتصبوا أرض فلسطين واعتدوا فيها على أهلها وعلى أموالهم، بل يجب عليهم أن يتعاونوا- جميعًا على اختلاف ألوانهم وأجناسهم وألسنتهم لرد هذه الأرض المقدسة – فلسطين- إلى أهلها، وصيانة المسجد الأقصى ومهبط الوحي ومصلى الأنبياء الذي بارك الله حوله، وصيانة الآثار والمشاهد الإسلامية من أيدى هؤلاء الغاصبين، وأن يبذلوا كل ما يستطيعون حتى تطهر البلاد من آثار هؤلاء الطغاة المعتدين .
كما تقول الفتوى :
يحرم على المسلمين أن يمكنوا إسرائيل، ومن ورائها الدول الاستعمارية التي كفلت لها الحماية والبقاء من تنفيذ مشروعاتها التي لا يراد بها إلا ازدهار دولة اليهود
وبقاؤها في رغد من العيش. إن لجنة الفتوى بالجامع الأزهر الشريف تهيب بالمسلمين عامة أن يعتصموا بحبل الله المتين، وأن ينهضوا بما يحقق لهم العزة والكرامة، وأن يقدروا عواقب الوهن والاستكانة أمام اعتداء الباغين وتدبير الكائدين.
فتوى عبد المنعم نمر أوهي من خيط العنكبوت :
حاول عبد المنعم نمر في فتواه الباطلة أن يكرس مفهوم تغير الظروف بين ما كان عليه العرب في الخمسينات وبين حالهم الآن في عملية السلام: مدعيًا أن إقبال إسرائيل على السلم يبرر التعاهد والتبادل الدبلوماسي معها، وحاول هنا أن يزور مفهوم الآية الكريمة ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (سورة الأنفال: آية 61) علمًا بأنها أمر إلهي للرسول نزل قبل غزوة بدر، وذلك يخص الفريق الذي اعتزل رسول الله فلم يقاتله، وجنح إلى السلم ولم يظهر العداء للدولة والحقد على دعوتها، هذا وقد قبل الرسول - صلى الله عليه وسلم- السلم من هؤلاء وغيرهم من أهل الكتاب حتى نزلت سورة براءة، فلم يعد يقبل إلا الإسلام أو الجزية التي يؤديها أهل الذمة وهم على عهدهم ما استقاموا، وإذا كان الإسلام قد أجاز الهدنة مع العدو، فقد أجازها على ألا تكون أرض المسلمين مغزوة، وعلى ألا يدفع المسلمون الجزية لأعدائهم، وفيما إذا نقض الفريق الكافر العهد فعلى المسلمين أن يأدبوهم تأديبًا يلحظ فيه الإرهاب الذي يشردهم ويشرد من وراءهم أيضًا أو أن يكون بين الفريقين سلام تحت راية الإسلام، ويكون القرآن هو الحكم العدل الذي يحتكم إليه الطرفان ويكون الحكم فيه للشريعة الإسلامية بحيث يخضع لها المسلمون والكفرة وأننا نعتقد أن الشيخ عبد المنعم نمر يعرف تمامًا أن شروط عقد الهدنة بين المسلمين وأعدائهم تنقسم إلي صحيحة وباطلة، فالصحيح هو كل شرط لا يخالف نصًا في كتاب الله أو سنة نبيه، أما الباطل فهو كل شرط فيه معارضة لحكم شرعي ثابت ولما كان اليهود قد اغتصبوا ديار المسلمين، وهجروا أهلها عنها، واستغلوا خيراتها، فإن الهدنة معهم باطلة لأن أرض المسلمين هي المغزوة، ولأن المسلمين هم المطرودون من ديارهم وأموالهم، ولا تجوز الهدنة أو السلام معهم، إلا إذا دانوا للدولة المسلمة، وكانوا أهل ذمة تجرى عليهم أحكام الإسلام، وإلا فإن وحي الله واضح وصريح: فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون أي أنهم لا عهود لهم يرعونها ويفون بها.
وهنا لا نملك أن نقول لأصحاب الحلول الاستسلامية الخيانية ولأصحابهم المفتين ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون كما أننا نذكر قادة هذه الأمة بقوله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ (سورة محمد: آية 38) اللهم قد بلغنا الناس.. إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسات ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أحسنوا وإن أساءوا تجنبوا إساءتهم».