العنوان حول الدين والدولة - الحلقة الثانية والأخيرة
الكاتب د. نجيب الكيلاني
تاريخ النشر الثلاثاء 10-نوفمبر-1970
مشاهدات 155
نشر في العدد 35
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 10-نوفمبر-1970
الحلقة الثانية والأخيرة
حول الدين والدولة
ماذا كان يملك النبي؟!
إن توحيد الله والعبودية له وحده، هي أساس ديننا، والعبودية لله وحده، إنما هي في حقيقتها تحطيم لكل أنواع الشرك، والأوثان الزائفة، وأعني بها عدم الخضوع لسلطان المال مهما كان إغراؤه، وعدم الاستسلام لمقدرات الشهوة مهما تعاظم أثرها، فالتوحيد خلاص من كل أنواع الشرك، وتحرير من كل القيود التي تغل طاقة الإنسان الجبارة.
بقلم الدكتور: نجيب الكيلاني
حينما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، لم يكن نبينا الكريم يملك غير الكلمة التي أنزلها الله عليه، وبهذه الكلمة خرج إلى الناس، ولم تكن سوى كلمة التوحيد أخذ يدعو الناس إليها سرًا ثم علانية، وهذه الكلمة برغم بساطتها كانت تنطوي على حدث كبير، فطن له حكام مكة ورجالاتها، أن تسفيه آلهتهم معناه تسفيه الأسس التي يقام عليها بنيانهم الاجتماعي والسياسي والأخلاقي، إن وجود حقيقة أخرى تخالف الحقيقة التي يؤمن بها -إن صح التعبير- معناه أفول نجمهم، وانهيار مجدهم الأدبي والمادي ومن ثم طاردوا كلمات النبي المرسل، وتنوعت هذه المطاردة، من سخرية إلى تكذيب، إلى رميه بالسحر والكهانة والجنون والمروق، ثم لما لم تنجح هذه الوسائل في مواجهة الدعوة الإلهية، حاصروه، وعذبوا أنصاره، وقتلوهم، ودبروا لقتله، وبذلك أصبحت الحرية في مكة مهدورة، وكان لا بد أن تكون للدعوة حرية التعبير وهذا حق إنساني، احتزه أولو المال والسلطان في مكة، فهاجر الرسول إلى يثرب ومعه عدد من أنصاره، أصبح للمسلمين مجتمع خاص بهم، وأصبح لهذا المجتمع سمات وأخلاقيات وقضايا متنوعة، وأصبح لهذا المجتمع المسلم جيران هم اليهود والقبائل، وكان إن عقدت الاتفاقات بين المسلمين وجيرانهم، وهو ما يمكن أن يسمى تنظيم العلاقات الخارجية إلى جانب العلاقات الداخلية في إطار المجتمع الإسلامي الجديد وقامت معارك حربية لا داعي لشرح ظروفها وأسبابها وأهدافها الآن، وإنما الذي أريد أن أقوله هو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم أقام أول حكومة في تاريخ الإسلام، حكومة كاملة بما تحتاج إليه من شرائع، ونظم وآداب وجيش وعدة ومال، وعلاقات داخلية وخارجية، وهذه الحكومة تتلقى أوامر الوحي الإلهي النازل على محمد، في شتى الشئون السياسية والعسكرية والاجتماعية والتعبدية، في الميراث والزواج والقضايا المدنية والجنائية، وما لم ينزل به وحي، كان مآله إلى الشورى وتبادل الرأي بين النبي وأصحابه وعامة المسلمين وخاصتهم، والأمثلة على ذلك كثيرة لا مجال لسردها، وكذلك النصوص القرآنية وأحاديث الرسول وسيرته.
كان المسلمون الأوائل يرون الصلاة والصوم والزكاة والحرب وقانونها، والأسرى والغنائم وطريقة التعامل إزائها، ومعاقبة الجاني إن سرق أو قتل أو زنى، ومحاسبة المستغل، والمعاملة مع الجيران والمتعاهدين، كل هذا نسيج واحد محكم متلاحم، ابتداء من الشعائر الفردية، إلى القضايا الاجتماعية، إلى السياسة الخارجية، كل هذا النسيج هو الدين، أو الإسلام.
إن جزءًا من هذا نسميه بلغة عصرنا السياسة، أو نظام الدولة، والحاقدون يريدون أن يمزقوا هذا النسيج، فيفصلون بين الدين والدولة، ويبتدعون منها أمورًا لم يكن لها وجود في مبادئ ديننا الحنيف.
حول خطاب أبي بكر
إن أبا بكر رضي الله عنه خاض حربًا مريرة ضد مانعي الزكاة، وقرر أنه مستمر في الحرب، حتى لو منعوه «عقال بعير» كانوا يؤدونه لرسول الله.
ونمت الحكومة وتطورت في عصر الرسول حتى امتدت إلى مكة وغيرها من بلاد العرب، وأرسل محمد الرسل إلى حكام ذلك الزمان في فارس والروم واليمن والحبشة وغيرها يدعوهم إلى الإسلام.
ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت المشكلة الخطيرة التي تشغل أذهان المسلمين هي الحاكم الذي يخلف الرسول، ولا داعي هنا للاستطراد، وإنما أقول بوضوح يدعمه البرهان والتاريخ إن أبا بكر اختير خليفة في ظل استفتاء شعبي حر عاصف، في «سقيفة بني ساعدة»، وامتدت الأيدي تبايعه طواعية لميزات ومواصفات خاصة رأوها فيه، واعتبارات دينية رسخت في عقولهم وسلوكهم، وتربوا عليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ظل القاعدة العريضة للشورى والحرية، ويدلي أبو بكر ببيانه الأول قائلًا:
«لقد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم»
ومن خلال هذه الكلمات الواضحة الصريحة البسيطة تتضح معالم الطريق العظيم الذي يسير أبو بكر بالمسلمين فيه إلى عالم الحق والخير والفضيلة، عالم الحرية والإخاء والتقدم، لا عالم الرجعية، والجشع والكبت والاستغلال.
ولنا تعليقات مقتضبة على بعض فقرات هذه الخطبة القصيرة:
ا- يقر الحاكم الجديد بأنه ليس أمير المسلمين وليس هذا مجرد تواضع نابع من انفعال مؤقت، وإنما يرمي أبو بكر إلى أبعد من ذلك، أنه مجرد فرد منهم، وقد لا يكون أفضلهم، ومن ثم فهو مجرد بشر ليس «معصومًا» من الخطأ، وليس ظلًا إلهيًا في الأرض، أو شخصية مقدسة لا ترد إليها كلمة أو يخالف لها رأي.
٢- والحاكم الجديد يطلب تأييد الأمة المطلق فيما يرونه حقًا «لا ما يراه هو» بل ويفرض عليهم نقده ومراجعته وتقويمه إن رأوا أنه على باطل، هذه أحكام منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان، وفي عصرنا الحديث نرى النقد في بعض المجتمعات جريمة، وخيانة قد تودي بحياة صاحبها، أو تقطع رزقه، أو تشرد أسرته، أو تحرمه حق المواطن.
٣- ويقرر الحاكم المسلم أن الخيانة هي الكذب، وأن الأمانة هي الصدق، فالنقد أو الرأي الحر أو التوجيه يجب أن يكون مبرأ من النفاق والمداهنة والرياء، والتأييد الصحيح للتصرف السياسي السليم يجب أن يكون خاليًا من شبهة المنفعة والمجاملة ومثل هذه الخطوط الفكرية لم تتولد من بنات أفكار أبي بكر صدفة، وإنما هي وليدة الحياة الإسلامية وما بها من سلوك عملي، ومبادئ باهرة منذ رافق محمدًا صلى الله عليه وسلم.
4- يؤكد أبو بكر للجميع أن قوة القوي لن تمنعه من أخذ الحق منه، وضعف الضعيف لن تكون مدعاة لغبنه وظلمه، فالناس سواسية، والعدل للجميع دون محاباة أو تفرقة، لا ديكتاتورية لحاكم أو قريب أو قوي، ولا ديكتاتورية لطبقة كثر عددها أو قل، قويت شوكتها أو ضعفت، إن شعار «الأخوة» هو الفلسفة التي تربط هذا البناء، أخوة الحاكم للمحكوم، وأخوة القوي للضعيف، وأخوة الغني للفقير وأخوة السيد والخادم، ولم تكن هذه الفلسفة كلمات مجردة عند التطبيق، ولكنها كانت واقعًا عاشه المسلمون في ظل الإسلام الحنيف.
٥- ثم يضع الضمان الأكبر والشعار العظيم الذي لا يكاد يصدقه عقل، يقول أبو بكر:
«أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم»، وطاعة الله هي الالتزام بأوامره ونواهيه، وتنفيذ أحكامه وشرائعه، وتأدية فرائضه ومناسكه، طاعة الله إذن هي الاستقامة والعدل بين الناس، وقطع دابر الظلم والاستغلال والرذائل هي سيادة القانون الإلهي، فإن خرج الحاكم عن ذلك وجبت معصيته، ووجب عزله.
تلك صورة من صور الإسلام في المجال السياسي، لم تكن هذه الصورة وليد عبقرية رجل كأبي بكر، وإنما هي ثمرة الدعوة الإسلامية، وتعبير عنها في هذا المجال، ولو فرض وجاء على غير غرار أبي بكر، لنبذه ذلك المجتمع ولرفضه بشدة، أبو بكر ابن بار للثقافة الجديدة والفكر الجديد، والسلوك الإسلامي الفريد، ولن يقبل مثل هذا المجتمع المسلم العظيم نشازًا، يطمس القيم التي بذر محمد بذورها بين جنود دعوته والحق يقال، إن أبا بكر كان وعده، وكان عند حسن ظن المسلمين به، فأدى الأمانة أمانة الحكم، وبلغ الرسالة.
رسالة الإسلام خارج الجزيرة، وحمى الدين ووحدته ووحدة أهله من الفتنة والغيرة والفساد أنا لا أقول قارنوا بين الأمس واليوم، فإن الفرق شاسع ومخيف ومحزن، ولكني أقول أية ضمانات قانونية توجد في أي قانون على سطح الأرض تماثل هذه الضمانات؟؟
أنا لا أريد أن نمضي مع إغرار الحديث الشجي عن مجدنا الزاهر القديم، ولا أرى أن الظروف تسمح بأن أمضي مع الحكومة الإسلامية في عهد عمر وعثمان وعلي، والأمويين والعباسيين، وإنما أريد أن ألفت النظر إلى نقطة هامة.
إن الحكومات الإسلامية التي قامت في ظل أسر معينة، أو مذهبية بعينها، كل هذه الحكومات لم تكن لتفصل الدين عن الدولة، ولم يجرؤ أحد أن يصرح بذلك، بل لم يفكر فيه مفكر، كانت تلك الحكومات قائمة على أساس ديني معين تمذهبت به، أو تشيعت له، فمنهم من تشيع لأهل البيت، ومنهم اختار فردًا بعينه، وأخلص لذريته، متخذًا من الأدلة الضعيفة، والنصوص المخترعة، سندًا له، وأنا لا أناقش صدق هذه الأدلة أو كذبها، وإنما الذي يهمني الآن هو أن كل هذه الحكومات والمذاهب والحركات كلها قامت على أساس ديني، ولم يدر بخيال أحدهم في يوم من الأيام فصل الدين عن الدولة.
بل إن بعض المفكرين من المسلمين وضعوا أحكامًا وشروطًا للحاكم المسلم تفصيلًا، ونصوا على الحالات التي تجب فيها معصيته، ومحاربته حتى يتم عزله أو عقابه، فعل ذلك بعض الخوارج، والعديد من مفكري الإسلام وفقهائه، ونظرة في مؤلفات ابن تيمية وخاصة كتابه السياسة الشرعية، ومؤلفات الغزالي وابن حزم، وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم من الأئمة والفقهاء، وتناولوا بالتشريع والتقنين المال والأحوال الشخصية والعلاقات الدولية وما إلى ذلك، ما تغص به الكتب العديدة.
ولم يكن الحاكم المسلم -تاريخيًا وعقائديًا -من وطن معين، أو قبيلة بعينها، وإنما كانت الخلافة تنتقل من الأمويين إلى العباسيين من دمشق إلى بغداد، ومن بغداد إلى القاهرة ومن القاهرة إلى إستامبول، فالمسلم أخو المسلم دون تفرقة من لون أو جنس أو أرض.
وكلمه أخيرة قصيرة أريد أن أقولها أيها الإخوة:
إن علماء المسلمين لم يقعوا فريسة هذا الزعم الخاص بفصل الدين عن الدولة، بل لم يؤخذ هذا الافتراض الخاطئ مأخذ الجد إلا في عصرنا الحديث ولقد كانت سيطرة الدين أو الشعور الديني على حركات التحرير الحديثة في العالم الإسلامي من مظاهر الرفض الأصيل لنزعات الزيغ والإلحاد والتشويه.
في مصر حمل علماء الأزهر، وطلبة العلم به راية النضال ضد الغزو الفرنسي، ومن خلفهم جماهير الشعب المؤمن، وثورة عرابي ونصوص خطبائها وزعمائها وصلة العلماء بها، تؤكد نفس الحقيقة، ولما اندلعت ثورة ۱۹۱۹، كان مشعلوها ورائدها رجال يؤمنون بدينهم وأمتهم، وإن استغلها المغرضون والمارقون.
وثورة الجيش الإسلامي في الهند، وتضحيات العلماء هناك وجماعة العلماء في الجزائر والمغرب العربي، وصيحات الأفغاني والكواكبي ومحمد عبده، وتصدرهم لقيادة جماهيرهم المؤمنة التي أولتهم ثقتها.. إلخ، كلها حركات تحريرية، ترتبط بالتغيير، ونظافة الحكم، والتحرر من العسف والطغيان والمروق.
إن الذين يحاولون أن يزيفوا التاريخ، ويطمسوا حقائقه الغالية، والذين يتجاهلون الواقع، وينسجون شباك التضليل لشعوبهم، إنما يجرون أنفسهم وأمتهم إلى الدمار والوبال، ولا أسوق هذا الكلام اعتباطًا، وإنما أصرخ به والتجارب المريرة، والضياع الأليم والنتائج المخزية التي نجنيها، إنما تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك صدق ما نقول. وأخيرًا أجد أنه من الضروري أن تسمعوا بضع كلمات موجزة عن نظرية الحكم في الإسلام.
دعائم النظام الإسلامي
يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه «نظام الحياة في الإسلام» التوحيد، والرسالة والخلافة هي دعائم ثلاث يقوم عليها بناء نظام الإسلام السياسي:
فالتوحيد معناه أن الله تعالى هو الخالق لهذا العالم ومن فيه من بني آدم، فهو ربهم ومالكهم، وليس الحكم والسلطان والأمر والنهي إلا له وحده، وهو مستأثر بالطاعة والعبودية، ولا يشاركه فيهما أحد سواه، هذا هو التوحيد، وهو ينفي كما ترى من شأنه -حاكمية البشر، ويريد القضاء عليها قضاء مبرمًا، سواء أكانت هذه الحاكمية الفرد من الأفراد أو طبقة من الطبقات، أو بيت من البيوت، أو أمة من الأمم الحاكمية لا يستحقها إلا الله وحده عز وجل، فلا حاكم إلا الله، ولا حكم إلا حكمه، ولا قانون إلا قانونه.
أما الرسالة، فهي الوسيلة التي يصل بها إلينا القانون الإلهي، الكتاب والسنة، ومجموع هذين الأصلين يسمى في المصطلح الإسلامي «بالشريعة»، فهذا هو الدستور الأساسي الذي ينهض عليه صرح الأمة الإسلامية.
أما الخلافة فهي في لغة العرب تطلق على «النيابة»، فمنزلة الإنسان في هذا الكون من الوجهة الإسلامية، إن خليفة الله، أي نائب عنه في مملكته، لا يتصرف فيها إلا طبقاً لحق الاستخلاف والتصرف الذي وهبه الله إياه، إن الإسلام لا ينوط أمر هـذه الخلافة لفرد من الأفراد، أو بيت من البيوت، أو طبقة من الطبقات، بل يفوض أمرها إلى جميع أفراد المجتمع الذي يؤمن بالمبادئ الأساسية من التوحيد والرسالة، ويظهر كفاءته واستعداده، للقيام بكل ما تنطوي عليه كلمة «الخلافة» وتقتضيه، فإذا وجد في الدنيا مجتمعًا يتصف بهذه الصفات فلا ريب أنه جدير بالخلافة، وإن هذا هو المقام الذي تنشأ فيه، وتبتدئ منة فكرة الجمهورية في الإسلام، فكل واحد من أفراد المجتمع الإسلامي له نصيب من الخلافة وحق في التمتع بها.
إن نظرية الغرب السياسية تقول بحاكمية الجمهور، والإسلام يقول بخلافة الجمهور. إن حقوق الحكم والأمر في الجمهورية الغربية يستبد بها الجمهور، وهم الذين يمتلكون ناصيتها، فيسنون وينفذون في الأرض ما يشاؤون من القوانين والشرائع، وإن قصارى ما تهدف إليه حكوماتهم، إنما هو إرضاء عامة السكان «الدولة» وجلب تأييدهم، وقضاء مشيئتهم.
والإسلام بخلاف ذلك، ليس الحكم والأمر فيه إلا لله وحده فهذا الذي يستأثر بحق وضع القانون والشريعة لعباده من غير مشارك ولا منازع، أما الجمهور فليست منزلتهم في الإسلام كمنزلة الخلفاء الذين يضطرون بطبيعة منزلتهم أن يقتفوا آثار الشريعة الإلهية، التي جاء بها الرسول من عند ربهم، ولا يحيدون عنها قيد شعره».
إن توحيد الله والعبودية له وحده، هي أساس ديننا، والعبودية لله وحده، إنما هي في حقيقتها تحطيم لكل ألوان الشرك، والأوثان الزائفة، وأعني بها عدم الخضوع للسلطة الظالمة مهما كان جبروتها، وعدم الخضوع لسلطان المال مهما كان إغراؤه، وعدم الاستسلام لمقدرات الشهوة مهما تعاظم أثرها، فالتوحيد خلاص من كل ألوان الشرك، وتحرر من كل القيود التي تغل طاقة الإنسان الجبارة.
والرسالة أيها الإخوة هي القانون الذي ارتضاه لعباده المؤمنين، والإيمان بها جزء لا يتجزأ من عقيدتنا، وصدق الله العظيم إذ يقول لنبيه الكريم في محكم آياته:
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الجاثية: 18 ).
ويقول سبحانه وتعالى :
﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴾ ( سورة المائدة: 49).
أما الخلافة، في الدور الذي ناطه الله بالمؤمنين، إذا استخلفهم في الأرض﴿إ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ (سورة البقرة: 30)، واستخلفهم في المال ﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ ( سورة الحديد: 7)، و حملهم أمانة الدعوة والعمل لها، والعيش لها، والجهاد في سبيلها حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وإذا عدنا إلى حياة الرسول الأعظم، وخلفائه من بعده، لوجدنا أن سلوكهم وفعلهم وقولهم، إنما كان ترجمة عملية للعقيدة السمحاء التي أكرمنا الله بها.
﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (سورة المائدة : 3) صدق الله العظيم
إن واجبنا أن نقف وقفة رشيدة أمام الأحداث الجسام التي تعصف بأمتنا، وقفة متأنية يكون بعدها الاختبار، إما أن نكون لله أو نكون لهوى الحياة الجارف.
فإن اخترنا الأولى، وأعتقد اننا جميعًا على عهدنا لله ولرسوله، فلنقف موقف المسلم الحق إزاء تيارات الزيغ والانحراف التي تبغي الإضرار بنا وبديننا وبمستقبل أجيالنا، وروعة حضارتنا وتراثنا.
ولنردد معًا قول شاعر الإسلام العظيم محمد إقبال هذه الأبيات:
بلغت نهاية كل أرض خيلنا
وكأن أبحرها رمال البيد
في محفل الأكوان كان هلالنا
بالنصر أوضح من هلال العيد
في كل موقعة رفعنا راية
للمجد تعلن آية التوحيد
أمم البرايا لم تكن من قبلنا
إلا عبيدًا في أسار عبيد
بلغت بنا الأجيال حرياتها
من بعد أصفاد وذل قيود
دكتور نجيب الكيلاني
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل