العنوان الصورة ليست قاتمة تمامًا يا دكتور
الكاتب الطاهر عمارة
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 71
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
كنت أنتظر مجلة المجتمع على عادتنا منذ سنين، ولما جاءت سبقني أخ – غير جزائري – إلى تصفحها وتصوير ما أراد منها، وسارع الأخ إلى تبشيري أن في هذا العدد (١٤٠٨) موضوعًا عن الجزائر فزاد حماسي لتصفح المجلة وبدأت مباشرة بقراءة الموضوع الجزائري الذي كان للدكتور أحمد عيساوي الأستاذ بجامعة باتنة ومع المقال نشرت صورة لعدد من رموز جزائر الثورة وجزائر ما بعد الاستقلال وبعضهم أو كلهم قدموا للجزائر وبذلوا في سبيل تحريرها الكثير مهما اختلفنا أو اتفقنا معهم.
وبعد قراءتي للمقال خرجت بأول انطباع وهو أن الأستاذ الدكتور قد يكون كتب هذا المقال في ظروف نفسية صعبة للغاية أو بعد تعرضه لظلم شديد من جهة حكومية محسوبة على الفرنسيين والفرانكفونيين وإن لم تصدق ظنوني فلا أدري إذن ما الذي دفع بالدكتور إلى بذل كل هذا الجهد وحشد كل هذه العبارات البليغة والجمل المنتقاة بدقة في جعل صورة الجزائر قائمة تمامًا وتصوير تاريخها وحاضرها سلسلة متواصلة من الخيانات والمؤامرات وإظهار أن أغلب الشعب الجزائري عبارة عن مجموعة من الخونة والمستسلمين والنفعيين والمتآمرين والفرانكفونيين والهجوم الشديد على المخالفين وتجاهل أي معلم نور أو مشعل هداية في تاريخ الجزائر على مدى قرنين من الزمان على حد تعبيره...
أنا مع الدكتور الفاضل أن خيانات حدثت منذ دخل الاستعمار وبعد ذلك، وأن هناك تجاوزات كثيرة حصلت أثناء الثورة وفي نهايتها وأن هناك انحرافًا حدث في مسيرة جبهة التحرير الوطني بعد الاستقلال، وأن هناك طبقة ظلت تحتكر الوطنية باسم الشرعية الثورية زمنًا طويلًا، وأن الثورة الزراعية جاءت بشر أكثر من الخير الذي كان يتوقع منها، وأن الثورة الصناعية حملت في كثير من جوانبها أسماء كبيرة دون مردود دائم وحقيقي.
لكن يا أستاذنا الدكتور دعني أقل وأنت أعلم بهذا مني – والله يعلم أنني أكتب الآن وجسمي يرتجف مما أحدثه مقالك من هزة عنيفة لي – أين الجوانب المضيئة الكثيرة في تاريخ الجزائر ولتعدد بعضها:
_ أين الأبطال الذين قاوموا الاستعمار مع الأمير عبد القادر وأحمد باي زمنًا طويلًا.
_ أين الثورات ورجالها الذين ما تركوا المستعمر يهنأ طوال القرن التاسع عشر: الشيخ المقراني والشيخ الحداد، ولالا فاطمة تسومر وأولا سيدي الشيخ، والشيخ بوعمامة والزعاطشة، والطوارق وغيرهم.
_ أين الشيخ عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي، وغيرهم الذين واصلوا الليل بالنهار وهم يعملون لإعادة الروح للشخصية العربية الإسلامية للشعب الجزائري وأسسوا جمعية العلماء بعد مائة سنة من الاستعمار ظنت فيها فرنسا أنها طوعت الشعب الجزائري وحولت الجزائر إلى جزء لا يتجزأ منها؟
_ أين الشعب البطل الذي خرج في مظاهرات ٨ مايو ١٩٤٥ وقدم ٤٥٠٠٠ شهيد في ثلاثة أيام في مدن قالمة وسطيف وخراطة؟
_ أين الشهداء العظام والقادة الأبطال أبناء ثورة التحرير الكبرى التي علمت الشعوب كيف تصنع الحرية، والتي تحرر بسببها المغرب وتونس عام ١٩٥٦م، والتي بسببها وقع وزير المستعمرات الفرنسي عام ١٩٦٠م على استقلال ۱۲ دولة إفريقية في جلسة واحدة بغية الاحتفاظ بالجزائر؟
لكن أعود لأقول كيف طوعت لك نفسك أن تصور الجزائر كلها كتلًا من المؤامرات والدمار وأرتالًا من الفرانكفونيين والشيوعيين.. وصورت المستقبل أسود قاتمًا تمامًا، وخمنت أنه لن يتغير على مدى عشرات السنين القادمة بسبب مجموعات من النفعيين وتجار الأزمات.
_ أين الوطنيون والإسلاميون الذين تعتز بهم الجزائر هذه الأيام، وأين الأحزاب الجادة الوطنية والإسلامية التي تحاول بلورة نظام حكم عادل وإرساء تقاليد شورية وديمقراطية في الحكم تمكن الشعب من تعيين حكامه بنزاهة ومحاسبتهم بحرية وشجاعة؟
_ أين الجمعيات الثقافية والإسلامية والتربوية وجمعيات الدفاع عن اللغة العربية التي تعج بها الجزائر اليوم؟
_ أين المثقفون المعربون والشعراء والكتاب والشعراء الذين يحملون لواء الدفاع عن الإسلام واللغة العربية؟
أخيرًا أستاذنا الدكتور أحمد عيساوي... رفقًا بالشعب الجزائري ورفقًا بالشباب الجزائري... «إن الجزائر التي حررها الجميع يجب أن يبنيها الجميع» وإن الوقت حساس، والأجواء ملغمة، والأعداء متربصون... وما أحوجنا إلى تعميق ثقافة الحوار بين كل الأطياف، وما أحوجنا إلى نشر روح السلم بين كل الجزائريين وما أحوجنا إلى أن نخفف كثيرًا من حدثنا غضبنا وانفعالنا الزائد.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل