; الصوفية في البلقان.. طرق متعدّدة وغاية واحدة | مجلة المجتمع

العنوان الصوفية في البلقان.. طرق متعدّدة وغاية واحدة

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012

مشاهدات 86

نشر في العدد 2023

نشر في الصفحة 18

السبت 13-أكتوبر-2012

  • قدمت مع العثمانيين وتوسعت مع انتشار الإسلام في أوروبا الشرقية
  • "المولوية" أول طريقة تبنى لها زاوية أو تكية في البوسنة وغرب البلقان وهي تكية "عيسى بك إسحاقوفيتش" 
  • .. و"النقشبندية" الطريقة الأكثر انتشارا في البوسنة 
  • تتبع الطرق الصوفية في البلقان العقيدة "الماتريدية" والمذهب الحنفي.. وكثير من مريديها يعتقدون بما يبثه الشيخ بينهم 
  • بعض الطرق الصوفية تعرّضت لضربات موجعة ساهمت في انحسارها ثم اندثارها مثل الطريقة "الخلوتية" 
  • "د. سامر ليروفيتش": خلافة المشيخة مرتبطة بقدرات مكتسبة للأبناء صقلت على يد الآباء ولا علاقة لها بالتوريث 

تختلف الصوفية في منطقة البلقان عن الكثير من الطرق الصوفية الأخرى في العالم، فهي مكوّن أساسي للتاريخ العثماني منذ توحيد قبائل آل عثمان؛ حيث كانت جزءا لا يتجزأ من الانتشار العثماني بما يحمله من تفاعلات سياسية ونشاطات حربية، وامتدادات روحية منذ القرن الرابع عشر عندما كان للشيخ الصوفي "أكشم صيدين"، تأثيرٌ كبير على السلطان محمد الفاتح، وهو الذي نصحه بصلاة الاستخارة قبل الذهاب إلى غرب البلقان. 

وهناك روايتان، تقول إحداهما: إن التصوّف سبق دخول المسلمين في العهد العثماني إلى غرب البلقان، وتقول الأخرى إن التصوّف انتشر وتوسّع مع وصول العثمانيين إلى غرب البلقان؛ حيث كان الكثير من المتصوّفة مع جيوش الفاتحين.. وهناك مقابر عليها علامة مغارف كبيرة تعود للقرن الخامس عشر، وهم قوم من المتصوّفة كانوا يُطعمون الطعام ويوزّعونه بين الناس. وهناك من يقول : إن المغارف نوع من المطارق التي كانت مستخدمة في الحرب، وكان الشهداء من حَمَلة تلك الأسلحة. 

ورأي ثالث يؤكد أن مغارف إطعام الفقراء هي نفسها التي كانت تُستخدم في الجهاد. 

وقد ظل التصوّف مسيطرا على تصرفات السلاطين العثمانيين فترة طويلة، وكان المتصوّفة في مقدّمة صفوف الجيوش، وكان منهم قادة عسكريون، وكانوا يبنون بيوتهم من الطين، فإذا نودي للقتال يهدمون بيوتهم ويتوجّهون إلى ساحات المعارك. 

أكثر الطرق انتشاراً: "المولوية" هي أول طريقة صوفية تصل إلى البوسنة أي أول طريقة تُبنى لها زاوية أو تكية في البوسنة وغرب البلقان، وهي تكية "عيسى بك إسحاقوفيتش"، ثم توالى بناء زوايا وتكايا الطرق الصوفية الأخرى مثل الخلوتية والقادرية، والنقشبندية، والرفاعية. 

وتُعَدُّ الطريقة "النقشبندية" الأكثر انتشاراً في البوسنة، بل هي الطريقة السائدة على مستوى التكايا والزوايا وعدد المريدين.. وقد تعرضت بعض الطرق الصوفية لضربات موجعة ساهمت في انحسارها، إن لم يكن اندثارها، كالطريقة الخلوتية مثلا. 

أما الطريقة "المولوية" فقد كانت نكبتها الكبرى في نهاية خمسينيات القرن الماضي بعد هدم تكية عيسى بك عام ١٩٥٨م، وظلت تعمل بطريقة سرية ومحدودة، ولم يكن شيخها يرأس الموالد أو الاجتماعات سوى بشكل محدود، وقد توفي قبل الحرب في البوسنة عام ۱۹۹۲م.. في حين لم تكن "القادرية" بذلك الانتشار الذي يمكن أن تؤثر عليه الإجراءات الحكومية في العهد الشيوعي. 

ويقول الباحث "د . سامر بيغ ليروفيتش" لـ"المجتمع" (مترجم كتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي إلى اللغة البوسنية): "إن انتشار الطريقة النقشبندية وسيطرتها على الساحة الروحية في البلقان يعود لكونها تراعى العرف الاجتماعي بين الشعب، فكل شيء يتعارض مع تعاليم الدين لا يجد له مكانا في النقشبندية، إلى جانب فعاليتها، فهي متحفزة وتعيش عصرها وتفقه التغيرات التي تطرأ على الساحة، فتتكيف معها وتقابلها بمواقف عملية". 

وقد حافظت النقشبندية على زخمها أيضاً من خلال الرجال الذين قادوها؛ حيث كانوا من الطبقة المثقفة، وكان شيوخها يتقنون أكثر من لغة، إضافة إلى ولعهم بالفنون على اختلافها مثل أسرة "حاجي ميلي"، بدءا بالشيخ "محمد ميلي"، وقد نجح "آل ميلي" في اجتذاب عدد كبير من الناس إلى الطريقة النقشبندية، بما في ذلك سكان القرى، ويعود إليهم الفضل في إعادة بناء التصوّف أو بالأحرى إعادة تنظيم العمل الصوفي، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً. 

  • سياسة مختلفة 

في القرن الثامن عشر وما بعده، اتخذت الطرق الصوفية سياسة مختلفة وهي ترك الحياة العامة من موقع القيادة إلى الاهتمام بالبنية التحتية ثقافيا للحفاظ على البقاء الروحي، لكنها عادت مجدداً للظهور في التسعينيات من خلال المشاركة في الحرب والانخراط في العمل السياسي والتفاعل معه سواء من خلال الأحزاب السياسية القائمة أو المؤسسات الثقافية والاجتماعية المختلفة، لكن الصوفية لا يعبرون عن ذلك من منطلق طرقي، وإنما كأحرار في دول ديمقراطية. 

وكان التغيير في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ناتجا عما تمخضت عنه الصراعات الدولية في منطقة البلقان والعالم وهي مرحلة الاحتلال النمساوي الهنغاري لمنطقة البلقان وفق التقسيمات الاستعمارية والخلافات بين الدول الغربية حول مناطق النفوذ، والتي أدت بعد ذلك إلى الحرب العالمية الأولى (۱۹۱٤)- (۱۹۱۹م)، والثانية (۱۹۳۹)- ١٩٤٥م وما أعقبها من بروز الكتلتين: الشرقية بقيادة ما كان يُسمى بالاتحاد السوفييتي وحلف وارسو، والغربية بقيادة الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ثم انهيار الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتي، ثم انهيار يوغسلافيا، وبروز القطبية الأحادية، ثم إرهاصات جديدة لتعدد الأقطاب. 

  • طرق جديدة 

ويقول "د. ليروفيتش" إن "الطرق الصوفية في البلقان لا تختلف عن بعضها سوى في الأشكال فقط، أما غايتها فهي ،واحدة ، وهدف الجميع أن يكون الإنسان أقرب إلى الله، ولكل منها أسلوبها الخاص في ذلك، مثل الذين يميلون إلي الفن فهم موجودون في المولوية أو كانوا دائما مولويين، والذين يحبون الزهد يذهبون إلى القادرية، والذين يهتمون أكثر بالأذكار والذكر الخفي ينتمون إلى النقشبندية، والذين لديهم صرامة وشجاعة يُقبلون على الرفاعية والذين يحبون زيادة العبادة يميلون إلى الخلوتية، لأن برنامجها صارم". 

غير أن ذلك مجرد انطباعات لباحث في الصوفية، فليس كل هذه الصفات حكراً على طريقة بعينها، كما أنها لا تشمل كل الطرق التي تحمل الأسماء المذكورة آنفا.. فما تتمتع به هذه الطرق في البلقان- على سبيل المثال- لا يعني أنها كذلك في مناطق أخرى من العالم. 

وتختلف الأوراد (الأذكار) من طريقة إلي أخرى، ففي الغالب يضع شيخ الطريقة أورادا سواء من المأثور عن مشايخه أو التي يضعها هو بنفسه، وتتميز بها طريقته عن غيرها، ففي القادرية هناك ورد معروف يُسمى بـ"الورد الشريف"، وفى النقشبندية أوراد "الفتحية"، وفي الرفاعية أوراد مختلفة من بينها الأسماء الحسنى، وهكذا. 

وبعد الحرب التي عرفتها منطقة البلقان، وتحديدا يوغسلافيا السابقة، ظهرت طرق صوفية جديدة من بينها الطريقة "الشاذلية" المعروفة في المنطقة الإسلامية من أفريقيا، ولاسيما المغرب الكبير. 

وقد جاءت الشاذلية إلى منطقة البلقان عن طريق بعض الشباب الذين درسوا في بعض البلاد العربية مثل سورية، وحصلوا على إذن من مشايخها بنشرها في المنطقة، ولديها حلقات ذكر قليلة لكنها تنمو مع مرور الأيام، ومشايخ الشاذلية يزورونها لاسيما من مصر؛ حيث حل بعض مشايخ الصوفية المصريين كالدسوقي ضيفا على حلقاتها، من أجل زيادة الأتباع وترسيخ قدمها في المنطقة. 

تمتاز الصوفية باعتمادها مركزية روحية تُسمى "قطب الزمان"، وهو المرجع الأعلى الذي يأخذ طابعا روحانيا في مرحلة الاستضعاف وقياديا في مرحلة التمكين، كما كان الأمر في أوج مجد الدولة العثمانية. 

وقطب الزمان في الجانب الروحاني للطرق الصوفية لا تشترط معرفته أثناء حياته، فكثيرا ما سمى أقطاب بعد وفاتهم، كما لا يُشترط - وفقاً لبعض القراءات الصوفية أن يكون قطب الزمان من طريقة بعينها، بل هي في المفهوم الصوفي "مرتبة يضعها الله لمن يشاء من الأولياء".. كما أن وظيفة قطب الزمان تتحول من شخص إلى آخر ومن طريقة إلى أخرى.. وفي الغالب الأعم يعتمد الناس أحد الأسماء أو يبقى قطب الزمان غير معروف أو غير معلن. 

ومن أقطاب الزمان الذين عرفهم العالم الصوفي: الشيخ يوسف الحمداني والشيخ عبدالقادر الجيلاني، والشيخ أحمد الرفاعي والشيخ أحمد البدوي .. ثم توالى أقطاب الزمان بعد ذلك من دول مختلفة، مثل محيي الدين الأنصاري من إسطنبول في تركيا. 

ويعتقد الصوفية بأن ثلاثة فقط أعلنوا عن أنفسهم بأنهم أقطاب الزمان، هم: الإمام الحسين رضي الله عنه، والشيخ عبدالقادر الجيلاني والإمام المهدي الذي لم يظهر بعد، والذي يؤمن بظهوره جميع طوائف الأمة الإسلامية من مناظير أو رؤى مختلفة. 

أي أن الرفاعي والبدوي، والأنصاري أعلنوا كأقطاب بعد وفاتهم وليس في حياتهم.. ومن غير الوارد أن يعلن أحد كبار الصوفية أنه قطب الزمان بشكل علني وواضح في الزمن الممتد إلى عهد المهدي المنتظر. 

ورغم التقارب الظاهر بين الصوفية "السنة" و" الشيعة" أو (صوفية الشيعة)؛ حيث يغلب على الجميع الإيمان بنظرية الظاهر والباطن والشريعة والحقيقة.. إلا أنهم يختلفون في الكثير من المسائل، فالشيعة لا يعترفون بقطبية الجيلاني، ولا الرفاعي، ولا الأنصاري ولا غيره. 

الصوفية والشيعة: وتعود جذور اللقاء بين الصوفية والشيعة إلى "محيي الدين ابن عربي"، الذي يعتبره الصوفية "وليا"؛ حيث التقى أحد مشايخ الشيعة في عصره، وهو الشيخ "حيدر العاملي" للمصالحة بين الفريقين واتفقا على أنهما يتحدثان عن نفس الشيء بطرق مختلفة أو مصطلحات مختلفة، وهي عبارة حمالة أوجه، يمكن فهمها على محمل الاتفاق كما يمكن فهمها على محمل النفي والإصرار على طريق واحدة للوصول. 

فالشيعة يعتقدون بأن قطب الزمان يجب أن يربطه رابط دموي بآل البيت، بينما يعتقد السنة بأن قطب الزمان يمكن أن يصل إلى هذه المرتبة بجدارة العمل والسعي إذ إن التقوى كسب وتوفيق من رب العالمين ولا تُورَّث ولا تتوارث. 

وينفي المتصوفة في البلقان أي تأثير عقدي للتشيّع على نشاطهم، كما ينفون أي حلقات مشتركة بين الطرق الصوفية، فضلا عن الشيعة حتى العدد القليل من المتشيعين يعتبرون منقطعين عن الفعاليات الدينية، وفي الوقت الذي تسعى فيه الصوفية إلى ملء المساجد، فإن التشيع يعمل على إفراغها، فالذي يتشيع لا يذهب إلى المسجد، لعدم وجود مسجد خاص بالشيعة، أو يركن إلى البطالة الروحية ولا سيما الصلوات الخمس في المساجد السنية في انتظار المهدي. 

وما يختلف فيه الصوفية عن الشيعة هو حبهم للصحابة كحبهم لآل البيت والرسول صلى الله عليه وسلم وبعضهم يرفع شعار "يزيد ولا تزيد"؛ أي أن الصحابة خط أحمر، ولا يرون أي تناقض بين حب الرسول صلى الله عليه وسلم الاول وآل البيت، وحب الصحابة رضي الله عنهم. 

  • وراثة المشيخة 

ويزور مشايخ الطرق الصوفية بعضهم بعضا في مختلف أنحاء العالم، كما تزور مجموعات منهم الطرق الصوفية في دول أخرى، وهو ما يسمونه "التجاذب الروحي". 

ومن الظواهر المعروفة في العالم الصوفي، وراثة الابن المشيخة عن والده، لكن الصوفية يؤكدون بأن ذلك ليس شرطاً.. ويقول "د. سامر ليروفيتش": إن "وراثة المرتبة لا علاقة لها بالتوريث وإنما بالاستحقاق، فوراثة أبناء "حاجي ميليتش" للمشيخة نابعة من قدرات ذاتية للأبناء، وهي قدرات مكتسبة صُقلت على يد الآباء، وكان هناك مشايخ مجدّدون لم يورثوا المشيخة لأبنائهم، مثل المجدد الصوفي البلقاني "حسين بابا زوكيتش"، وأخذ مكانه "حضرة سيدي بابا"، أما الشيخ "محمد ميلي" (مؤسس النقشبندية في غرب البلقان فقد جاء من سورية مرورا بتركيا وفي القرن الثامن عشر خلف ثلاثة مشايخ بعضهم بعضا ولم يكن بينهم رابط أسري. 

ويجتمع المريدون في بعض الأحيان من مختلف الطرق الصوفية، ويرددون أذكار الطريقة المضيفة لا غيرها احتراما لخصوصيتها، ويدافع الصوفية عن الأذكار التي أعدها مشايخهم، "لأن الالتزام بدعاء ليس من الأمور الوقفية ما لم تكن شركا"، ويقولون: إن الصحابة والتابعين كانت لهم أدعية ليست مأخودة من القرآن والسنة. 

ويتبع الصوفية في البلقان العقيدة "الماتريدية"، والمذهب الحنفي في الفقه ومن المآخذ على بعض الطرق الصوفية عدم الاهتمام بالأمور العقدية والفقهية، وهو ما جعل الكثير من الاعتقادات رهنا بما يبثه الشيخ بين مريديه، بما في ذلك الأدعية. 

الرابط المختصر :