; الصوم وضبط النفس | مجلة المجتمع

العنوان الصوم وضبط النفس

الكاتب أبو الأعلي المودودي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

مشاهدات 70

نشر في العدد 37

نشر في الصفحة 2

الثلاثاء 24-نوفمبر-1970

الصوم وضبط النفس

الذاتية في جسد الإنسان بمنزلة الهيئة الحاكمة في كل دولة.. ولا بد للإنسان إذا أراد النجاح ان تستولى ذاتيته على أهوائه الجسدية..

الصوم له عدة فوائد في جسد الإنسان وروحه وأخلاقه؛ من أهمها أنه ينشئ فيه القوة المعروفة بـ «ضبط النفس».

لكي ندرك هذا إدراكًا تامًا، يجب علينا أن نعرف أولًا: ما هو ضبط النفس؟ ومن أي نوع ذلك الضبط للنفس الذي يقصده الإسلام، ويطالب به الإنسان؟ ثم نرى -بعد هذا: كيف ينشئ الصوم هذه القوة في الإنسان؟

المراد بضبط النفس أن يكون لذات الإنسان استيلاء تام وانتصار كليّ على جسده وما فيه من القوى المختلفة، وأن يكون لها من السيطرة على أهواء النفس ونزواتها وشهواتها ما يجعلها كلها لا تخرج عن حكمها ولا تعصى لها أمرًا.

إنّ «الذاتية» في جسد الإنسان بمنزلة الهيئة الحاكمة في كل دولة، وعلى هذا؛ ليس الجسد وأجزاؤه المختلفة إلا بمنزلة الآلات تستخدمها «الذاتية» في تحقيق ما تشاء من الأغراض والمقاصد، وما كل قوة من قوى الإنسان الجسدية أو الفكرية إلا تابعة لذاتيته، وما وظيفتها إلا أن تقوم بخدمتها وامتثال أوامرها وما لنفس الإنسان إلا أن تتقدم بأهوائها ونزواتها بصورة (عريضة) إلى ذاتيته، ولذاتيته الخيار -كل الخيار- والحرية أن تستجيب منها لما تشاء، وترفض منها ما تريد، وأما إذا كانت ذاتية الإنسان من الضعف والوهن؛ حيث تكون لها أهواء النفس ونزواتها بمنزلة الأوامر والتعليمات، فإنها ذاتية مغلوبة على أمرها، وما مثلها ألا كمثل راكب قد عصت عليه راحلته، فأصحاب الذاتية الضعيفة لا يستطيعون أن يقوموا بشيء يذكر، أو أن يقضوا حياتهم بأي نوع من النجاح في الدنيا، ولذا ترى أنه لم يترك في التاريخ الإنساني أثرًا من الآثار المحكمة إلا أولئك الذين جعلوا قواهم الجسدية والفكرية كلها تابعة لذاتيتهم ولم يقضوا حياتهم عبادًا لأهواء النفس ونزواتها؛ وإنما قضوها منتصرين عليها مالكين لزمامها، وكانت إرادتهم قوية ما عرفت اللين والهوادة أبدًا.

الفرق بين ذاتيتين

ولكن هناك فرقًا عظيمًا وبونًا شاسعًا بين الذاتية التي هي إله في حد ذاتها وبين الذاتية التي لا تعمل في الدنيا إلا خاضعة لأمر الله منقادة لمرضاته. إنه لا بد للإنسان إذا أراد النجاح في الدنيا أن يكون لذاتيته استيلاء تام وانتصار كامل على أهوائه النفسية وقواه الجسدية على كل حال، إلا أن ذاتيته هذه إذا كانت تحسب نفسها في حل من أمر ربها وخالق السماوات والأرض، ولا ترضي بأن تتقيد بقانون خلقي أعلى، ولا ترجو حسابًا ولا مسئولية أمام أحد بعد موتها، فهي لو ملكت على جسده قواه وعلى نفسه أهواءها حتى صارت ذاتية في غاية من القوة والشراسة، فإنها لن تملأ الأرض إلا بجبابرة مفسدين كفرعون ونمرود وهتلر وموسوليني، فضبط النفس من هذا النوع لا يستحق المدح والثناء، ولا هو مما يقصده الإسلام، وإنما ضبط النفس الذي يحبه الإسلام، ويريد أن يحلي به أتباعه، هو أن تستسلم ذاتية الإنسان لله ربها، وتتخذ الجهد لطلب مرضاته وطاعة قانونه شعارًا لنفسها، ولا ترى نفسها إلا مسئولة أمامه، ومع ذلك يكون لهذه الذاتية المؤمنة المسلمة سلطة قاهرة وغلبة محكمة على جسده وقواه وعلى نفسه وشهواتها وأهوائها؛ حتى تكون في الدنيا قوة قوية للإصلاح ووسيلة ناجحة لنشر الخير ودعم الفضيلة وتحقيق الحق. فهذه هي حقيقة ضبط النفس بموجب وجهة نظر الإسلام، وتعالوا لنرى الآن كيف ينشئ الصوم هذه القوة في الإنسان.

 جدول مطالب الجسد والنفس

إنكم إذا نظرتم في جدول مطالب الجسد والنفس، وجدتم أن هناك ثلاثة مطالب لها حكم الأساس والأصل، وأنها هي أقوى المطالب وأشرسها من مطالب الجسد والنفس.

 فأول ما يطالبان به هو الغذاء الذي يتوقف عليه بقاء الحياة، ثم أنهما يطالبان بالملابسة الجنسية التي هي وسيلة الاستبقاء على النسل الإنساني، ثم بالاستراحة التي لا بد منها لاستعادة القوة الزائلة.

فمطالبتهما بهذه الأشياء الثلاثة ما دامت في ضمن حدودها، فهي عين ما تقتضيه الفطرة. إلا أن هذه الأشياء الثلاثة- الغذاء، والملابسة الجنسية، والاستراحة- هي الحبائل الثلاث عند النفس والجسد، وبمجرد أن يشعرا بشيء من الوهن في عزيمة الإنسان، تسارعان إلى إيقاعه فيها وفرض استعبادهما على ذاتيته، ثم أن مطالبتهما بكل واحد منها تتوسع، ولا تزال؛ حتى لتصير كلمة «الغذاء» البسيطة مثلًا- فهرسًا مطولًا لما لا يعد ولا يحصى من أنواع المأكولات والمشروبات، ويستنفد كل واحد منها جهده ليجعل الإنسان غافلًا عما له في الحياة من أهداف ومبادئ وناسيًا لما يفتيه به ضميره حتى لا يشتغل في الحياة إلا بالسعي لتحقيق مقتضياته ولا غير.

وإن ذاتية الإنسان إذا ما ضعفت مرة واضمحلت إزاء مثل هذه المقتضيات، فإن مطالبة الجسد والنفس بالغذاء تستحوذ عليها وتجعلها مطية ذلولة لنفسها، ومطالبتهما بالملابسة الجنسية تقضى بها إلى الدرك الأسفل من الحيوانية ومطالبتهما بالاستراحة لا تبقى فيها قوة من قوى الإرادة، وإذا حدث هذا فإنها لا تبقى مالكة لأمرها؛ وإنما تكون خاضعة لقوى الجسد ونوازع النفس الأمارة بالسوء، ولا تكون وظيفتها إلا أن تنقاد لجبروتها، وتسلك كل طريق شريف أو وضيع، مشروع أو غير مشروع؛ لتحقيق مطالبهما وامتثال أوامرهما. فهذه هي مطالب الجسد والنفس وشهواتهما الثلاث التي يقيدها الإسلام بضابطته، ويدرس ذاتية الإنسان على الاستيلاء عليها والتحكم فيها، إنه ليُخبر الذاتية المؤمنة بالله بأن ربك قد حرَّم عليك الأكل والشرب طول هذا اليوم، فلا يحل لك طول هذه المدة أن تتمتعي بشيء من الغذاء، ولو كان في ذاته طيبًا قد كسبته عن طریقٍ مشروع، ويقول لها: أن ربك قد نهاك أن تقضي شهوة من شهواتك الجنسية ولو بطريق مشروع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وإنه ليؤذنها أنه مما يحبه ربك إذا أفطرت بعد طول النهار، فلا تُلقي نفسك على الفراش لغرض الاستراحة بالإعياء والاسترخاء، بل قومي لعبادته أكثر مما تقومين لها في عامة أيامك.

 وإنه ليُخبرها -مع كل هذا: أنكِ إذا انتهيتِ من صلاتك الطويلة، وأويتِ إلى فراشك فلا تنامي إلى النهار كالغافلين، بل هبي من نومك في آخر الليل؛ للتسحر خلافًا لعادتك في عامة أيام السنة.

وأعطي جسدك غذاءه قبل طلوع الفجر، وأن الصوم بعدما يُبلغ الذاتية كل هذه الأوامر والأحكام من ربها، يُخلي سبيلها وإليها يترك قضية القيام بهذه الأوامر والأحكام دون أن يتبعها شرطة ظاهرة أو خافية، ودون أن يفرض عليها شيئًا من الضغط الخارجي؛ حيث إنها لو أكلت، و شربت، أو قضت شهوة من الشهوات الجنسية، فما هناك من ينظر إليها ويطلع على أعمالها إلا الله، وبحيث إنها لو جاءت بحيلة شرعية فرارًا من صلاة التراويح -مثلًا-، فما هناك قوة في الدنيا تستطيع أن تطلع على حقيقة أمرها ودخيلة نفسها، وإنما كل ذلك يتوقف عليها نفسها أو قُل: على مداها من تقوى الله.

إن ذاتية المؤمن إذا كانت خاضعة لمشيئة الله منقادة لأمره مستسلمة لمرضاته، وكانت من القوة؛ حيث تقدر على التحكم في جسده ونفسه الأمارة بالسوء، فإنها بنفسها تقيد طلبهما للغذاء والشهوات الجنسية والاستراحة بتلك الضابطة التي قد وضعت لها اليوم خلافًا لعامة أيامها الأخرى.

 منهاج عمل

وما هذا التدريب ليوم واحد فقط، ولا يمكن أن يكفي يوم واحد لمثل هذا التدريب بل الذاتية تدرب على التقيد بهذه الضابطة لشهر كامل.

وقد وضع البرنامج لـ 720 ساعة في كل سنة، أن قوموا في آخر الليل وأمسكوا عن الأكل والشرب مع طلوع الفجر، واجتنبوا كل نوع من الغداء طول النهار، ثم أفطروا مع غروب الشمس، ثم أقضوا جزءًا من الليل قائمين في صلاة التراويح على غير عادتكم، ثم بعد أن تستريحوا ساعات عليكم أن تبدأوا هذا البرنامج مرة أخرى لليوم التالي، وبهذا الطريق لثلاثين يومًا متواليًا عسى أن ينشأ في ذاتيتكم من القوة ما يجعلها تتحكم في جسدكم ونفسكم الأمارة بالسوء وتقودهما حسب مرضاه الله -تبارك وتعالى. ثم إن هذا البرنامج ليس لمرة واحدة طول حياتكم، بل قد خُصص له شهرٌ واحدٌ في كل سنة منذ بلوغكم الحكم إلى أن يتوفاكم الموت، وذلك ليتقوى -ولا يزال يتقوى- استيلاء ذاتيتكم على جسدكم ونفسكم بصفة مستمرة.

وليس هذا التدريب لغرض أن تحكم ذاتية المؤمن استيلاءًا على جوعه وعطشه وهواه، إلى الملابسة الجنسية والاستراحة. وما الغرض منه أيضًا أن يكون لها الاستيلاء على جسدها ونفسها لمدة شهر واحد، بل الغرض الحقيقي المقصود منه أن تقاوم هذه الأسلحة الثلاثة التي هي أقوى الأسلحة التي تملكها نفس الإنسان الأمارة بالسوء وتحكم بذلك استيلاءها وسيطرتها على كل ما تملكه نفسه من العواطف والنوازع والشهوات والميول.

ويتكون فيها من القوة ما يجعل منها؛ لا في شهر رمضان وحده، بل وفي سائر أشهر السنة قادرة على أن تستخدم جسدها وقواه الجسدية المتنوعة، بصدد كل خدمة افترضها الله عليها، وتسعى لتحقيق كل فضيلة فيها مرضاة الله، وترتدع عن كل رذيلة تجلب إليها غضب الله وسخطه، وتجعل شهواته وعواطفه ونوازعه كلها متقيدة بتلك الحدود التي قد وضعها الله لها، فلا يكون زمامها بيد النفس الأمارة بالسوء تقودها إلى حيث تشاء، بل يكون زمامها بيدها، ولا تقضي أي هوى من أهواء النفس إلا إذا كان الله قد أذن بقضائها وفي الوقت الذي قد أذن بقضائها فيه وإلى الحد الذي قد أذن بقضائها إليه وعلى الطريق الذي قد أذن بقضائها عليه، ولا تكون إرادتها من الضعف والنقص؛ حيث تعرف الواجب واجبًا وتحب أداءه، ولكن على ذلك كان أمرها لا يجري على الجسد، بل عليها أن تكون في مملكة الجسد بمنزلة ذلك الحاكم المقتدر الذي يستخدم العاملين تحته حسب إرادته ومرضاته في أي وقت من الأوقات.

فإنشاء هذه القوة في الإنسان هو الغرض المقصود من الصوم، فمن لم يكسبه صومه هذه القوة، فإنه عبثًا أجهد نفسه وأتعب جسده بالجوع والعطش والسهر.

وهذا عين ما قد جاء بيانه بكل تفاصيله في القرآن والسنة. فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة: 183)، أي إنما كتب الصيام لتنشأ فيكم صفة التقوى. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (رواه الجماعة إلا مسلمًا) وقال «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر» (رواه النسائي وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط البخاري).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...

للأستاذ أبو الأعلى المودودي 

الرابط المختصر :