; الطائفية في مصر مَنْ وراءها؟ | مجلة المجتمع

العنوان الطائفية في مصر مَنْ وراءها؟

الكاتب فاروق عبدالسلام

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مايو-1987

مشاهدات 101

نشر في العدد 816

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 05-مايو-1987

▪ تحت راية الإسلاميين تختفي الفتنة الطائفية، وتزول بشهادة أربعة عشر قرنًا من الزمان

منذ أن أعلن الإسلاميون في مصر عن رغبتهم في دخول الانتخابات التي أجريت يوم 6 /4 /1987، بدأت الأقلام العلمانية في الصحافة المصرية تنهش في مبادئ الإسلاميين، مركزة على أن دخولهم مجلس الشعب في مصر يعني عودة إلى الفتنة الطائفية، ولقد ازدادت تلك الأقلام شراسة بعد فوز الإسلاميين بأكبر عدد من مقاعد المعارضة في مصر، فما هي حقيقة الطائفية في مصر؟ ومن وراءها؟ وهل للإسلاميين علاقة بها؟ هذا يجيب عليه المقال التالي:

قضية الفتنة الطائفية من القضايا المطروحة على الساحة المصرية منذ سنوات، وتطالعنا الأخبار بين الحين والآخر عن وقوع حوادث عنف طائفي على فترات وفي أماكن متفرقة، أكثرها عادة في الوجه القبلي أي صعيد مصر.

والحديث عن الفتنة الطائفية حديث شائك لا تؤمن عواقبه، ولا يرتجى النفع من ورائها إلا إذا التزم الخائض فيه بالموضوعية والأمانة التامة، وهو محفوف بالمخاطر وخيم العاقبة إذا خاض فيه كل من هب ودب من عملاء التدخل الأجنبي الغربي أو عملاء التبشير الماركسي الملحد.

ومن أغرب أحاديث الفتنة الطائفية مؤخرًا وأكثرها دلالة على مدى الحق والسطحية والجهالة والمرض- ما تردده بعض الأقلام الصحفية داخل مصر أو خارجها عن احتمال تفاقم مشكلة الفتنة الطائفية في مصر أكثر وأكثر بعد فوز الإسلاميين بصفة عامة والإخوان المسلمين بصفة خاصة في دخول مجلس الشعب، في الانتخابات الأخيرة بعدد لا بأس فيه.

▪ المطلب الإخواني:

• ولو بذل هؤلاء وأمثالهم للقضية أقل قدر من النظرة الموضوعية والأمانة العلمية لتبين لهم على الفور أن العكس تمامًا هو الصحيح، وأن الفتنة الطائفية تختفي بالتدريج كلما آلت مقاليد الأمور للإسلاميين حقًا وصدقًا وللذين يفهمون دينهم الفهم الصحيح.

إن ما يريده ويطالب به الإخوان المسلمون هو تطبيق الشريعة بالفعل والعمل، وليس بمجرد رفع الشعارات، يريدون للإسلام أن يحكم، وللشريعة أن تسيطر في بلد أغلبية سكانه من المسلمين كما كان الحال على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان مضت لم نسمع فيها عن فتنة طائفية، وكان في بلاد الحكام وزراء وعلماء من أهل الكتاب، وعاش المسلمون مع غيرهم من النصارى واليهود عهدًا من السماحة والعدالة والمساواة، عز أن يتكرر إلا تحت راية الإسلام، وعلى يد جيل من الإسلاميين حقًا وصدقًا.

▪ متى تظهر الفتنة؟

• إن نظام الحكم في أي بلد مسلم اليوم لا يخرج عن واحد من احتمالات ثلاثة: إما «إسلامي» أو «علماني» أو «شيوعي».

وتحت راية الإسلاميين تختفي الفتنة الطائفية، وتزول بشهادة أربعة عشر قرنًا من الزمان مضت، وتحت راية العلمانيين تشتعل نار الفتنة الطائفية بشهادة نصف قرن أو قرن من الزمان ما زلنا نعايشه.

وتحت راية الشيوعية تختفي الفتنة الطائفية، ولكن لسبب بسيط جدًا وهو اختفاء الدين ذاته فلا مسلمين يومها ولا مسيحيين.

ومن واقع تاريخنا المعاصر وأيامنا الحاضرة لا يخفى على كل ذي عين بصيرة أن «لبنان»، و«الهند»، و«إسبانيا»، و«المملكة المتحدة» بلاد علمانية صرفة، ومع ذلك فيها فتن طائفية وحروب أهلية دينية كقطع الليل المظلمة.

إن الحاصل والموجود في لبنان الآن ليس مجرد فتنة طائفية، وإنما حرب طائفية استمرت على ضراوتها ووحشيتها عقدًا كاملًا من الزمان، أي عشر سنوات متصلة ويزيد، وإلى الآن والمتحاربون ما زالوا يحملون السلاح ليلهم ونهارهم دون أي بارقة أمل في الوصول إلى حل عما قريب، والفتن والحروب الطائفية مستمرة في إيرلندا ضد المملكة الأم، وفي الباسك ضد إسبانيا وجميعها ليست من بلاد المسلمين.

والفتن والمنازعات الطائفية في الهند بين السيخ والهندوس مثلها، بل وأكثر وأحد منها بين المسلمين والهندوس.

▪ أسباب الفتنة:

• إن للفتنة الطائفية أسبابًا موضوعية وعوامل إذا توفر عامل منها أو توفرت جميعها في أي مكان في العالم أصبح اشتعال نار الفتنة أمرًا واردًا ومحتملًا أي متوقعًا، وأهم هذه الأسباب والعوامل الثلاثة: «جغرافي»، و«ديموجرافي»، و«عقائدي».

1- جغرافي: نسبة إلى التوزيع الجغرافي لسكان كل طائفة ومدى تركزهم في أقاليم متقاربة جغرافيًا.

2- ديموجرافي: نسبة إلى مقارنة تعداد سكان كل طائفة بالنسبة للطوائف الأخرى.

3- عقائدي: نسبة إلى مدى ما تمنحه عقيدة وديانة الطائفة صاحبة الأغلبية من حقوق لأبناء الأقليات.

• إن احتمال الفتنة الطائفية وارد مهما قل تعداد طائفة من الطوائف إذا كانت هذه الطائفة الأقل عددًا تستقل جغرافيًا بإقليم من أقاليم البلد الأم، إذ دائمًا ما يداعب أبناء هذه الطائفة ويداعب قيادتها حلم الاستقلال عن أصحاب الأغلبية والمطالبة بما يعرف باسم «الحكم الذاتي»، ومن هذا النوع مشكلة «الباسك» في إسبانيا، ومشكلة «إيرلندا» في المملكة المتحدة.

• واحتمال الفتنة الطائفية وارد إذا تقارب تعداد الطوائف كما في مشكلة «لبنان».

• وبالنسبة للعامل الثالث وهو العقيدة وطبقًا للنصوص الدينية كمثال شتان بين قوم يقول لهم «التلمود»: «لا تظلم الشخص الذي تستأجره لعمل ما إذا كان من إخوتك، أما الأجنبي فمستثنى من ذلك».

ويقول أيضًا: «اقتل الصالح من غير الإسرائيليين ومحرم على اليهودي أن ينقذ أحدًا من باقي الأمم من هلاك أو يخرجه من حفرة يقع فيها، لأنه بذلك يكون قد حفظ حياة أحد الوثنيين».

شتان بين قوم تقول لهم عقيدتهم ذلك، وبين قوم يقول لهم نبيهم- عليه أفضل الصلاة والسلام- «احفظوني في ذمتي».

ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «من ظلم معاهدًا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه».

• وتختلف وتتفاوت حدة الصراع الطائفي واحتمالات وقوع الفتنة الطائفية حسب توافر عامل أو أكثر من هذه العوامل الثلاثة، وإذا فرض ووقعت أحداث فتنة طائفية في غياب هذه العوامل الثلاثة كانت بالضرورة أحداث مختلفة وفتنة مفتعلة، حركتها وأشعلتها يد خفية لمصلحة المستفيدين من ورائها والمحركين لها.

وجميع بلاد المسلمين تقريبًا- حفظها الله- من توفر واحد من هذه العوام المثيرة للفتنة الطائفية باستثناء لبنان.

▪ الصورة اللبنانية للفتنة:

• إن نسبة المسلمين في لبنان حسب آخر الإحصاءات (51%) وهي نسبة حرجة، لأنها نسبة وسط يتحتم معها تنازع المسلمين والمسيحيين على مناصب الدولة الكبرى، وعلى صيغة الدستور الذي يحوز رضا جميع الأطراف بالتساوي، هذا بالإضافة إلى أن المسلمين موزعون بين طوائف «الشيعة»، و«السنة»، و«الدروز»، والمسيحيين موزعون بين طوائف «الموارنة»، و«الروم الأرثوذكس»، و«الروم الكاثوليك»، و«الأرمن»، وأخطر ما في الأمر أن ما حدث في لبنان الشقيق كان بفعل فاعل أجنبي ودخيل، وبدأ التخطيط له مبكرًا ومتزامنًا مع إلغاء الخلافة الإسلامية، وتوزيع تركة الرجل المريض، وبعث النعرات الطائفية والقومية، وبدأ متزامنًا مع التخطيط لإنشاء وطن لليهود في المنطقة.

- لقد كان لبنان طوال عمره جزءًا من بلاد الشام، وعاش على مدى أربعة عشر قرنًا من الزمان ينعم فيه أهل الذمة بالأمن والأمان تحت راية الإسلام، حتى كان هذا التخطيط المشئوم الخبيث لإنشاء دولة مسيحية في لبنان يبدو معها إنشاء دولة لليهود الصهاينة في المنطقة أمرًا طبيعيًا، فكان ما كان من نزيف الدم المتدفق على أرض لبنان الحبيب، ولا يعلم غير الله وحده متى يتوقف، وعلى أي كيفية، وبأي صورة؟

▪ الفتنة في مصر مخطط لها:

• أما في سائر بلاد المسلمين وعلى سبيل المثال في «مصر» فلا يمكن تصور وقوع فتنة طائفية تستند لأسباب موضوعية جغرافية أو ديموجرافية أو عقائدية، وكل فتنة تقع في مصر هي بالضرورة مفتعلة ومخطط لها لهدف.

أي أن مصر محصنة ضد الفتنة الطائفية أصلًا لعدم توافر أسباب الفتنة الموضوعية، وليس كما يردد البعض من عبارات إنشائية وعاطفية عن طبيعة شعب مصر مسلمين ومسيحيين، لأنه لو كانت تركيبة مصر مثل تركيبة لبنان ووجدت في مصر نفس ظروف لبنان لما كان مستبعدًا أبدًا تعرض مصر لما يتعرض له الآن شعب لبنان.

• إن نسبة المسلمين في مصر (94%) وكلهم طائفة واحدة «سنة»، ونسبة المسيحيين (6%) وأغلبهم طائفة واحدة، ولا يوجد في مصر محافظة واحدة، أو مدينة واحدة، أو قرية، أو حي واحد يزيد فيه عدد المسيحيين على عدد المسلمين، ومصر حريصة على عدم تمكين أي قوة أجنبية دخيلة من التخطيط الخبيث لتغيير خريطة التوزيع الجغرافي وخاصة في محافظات الوجه القبلي، أي الصعيد حتى لا تتكرر مأساة شعب لبنان، ويحدث كما يحدث الآن في جنوب السودان.

▪ تفسير:

• إذن كيف يمكن تفسير ما يحدث ويقع فعلًا من أحداث فتنة طائفية في مصر الآن وبين الحين والآخر من حرق لبعض الكنائس، وسلب ونهب لبعض المحلات، واعتداء على بعض الأفراد؟

والتفسير الوحيد لذلك أنها أحداث فردية، ونزعات متطرفة وشاذة ومريضة من جانب بعض المتطرفين والخوارج ضيقي الأفق، والسطحيين اللفظيين في فهمهم لبعض نصوص وأمور الدين، ويوجد مثلهم في كل ملة وبين أصحاب كل دين، وفي كل زمان ومكان.

إن فرنسا بلد أوروبي مسيحي متحضر ووضعه الطائفي المقارن قريب الشبه جدًا من الوضع في مصر مع الفارق، حيث يشكل المسلمون الطائفة الثانية في فرنسا بنسبة (4.5%) من تعداد السكان، وفي أحد أعياد المسلمين في العام الماضي أي العام 86 من القرن العشرين خرج طفل مسلم إلى الشارع يلهو بضرب «البمب»، فخرج مواطن فرنسي مسيحي إلى شرفة سكنه وأفرغ رصاص مسدسه في الطفل المسلم حتى أرداه قتيلًا بحجة إزعاج الطفل له، وعدم قدرته على النوم من صوت فرقعة البمب، وهو حادث فردي رغم وحشيته وبشاعته، ومثال ونموذج ليس من العقل والمنطق ولا من المصلحة أن يبني المسلمون في فرنسا عليه تحديهم لإخوانهم المسيحيين ونسبتهم (4.5%) ولو حدث العكس ووقعت الجريمة من جانب مسلم فرنسي على طفل مسيحي هناك ليس من الشجاعة أن يبادر وقتها الشعب الفرنسي المسيحي بالهجوم على أقلية تتكون من (4.5%) وإنما يعامل كحادث فردي مهما تكرر، ويأخذ فيه القانون مجراه الطبيعي شأن أي جريمة من الجرائم.

• ولكن الأهم من ذلك كله أمام هذه المشكلة أن الحكم في بلد كفرنسا حكم ديمقراطي حقًا يسعى الحكام فيه إلى كراسي العرش على أساس ديمقراطي ومنافسة حرة، لا تعرف أساليب اللعب بالنار خفية ومن وراء الكواليس.

• أما في بلاد العالم الثالث لا يتورع أفراد في أجهزة الأمن من استخدام واستغلال نزعات التطرف عند بعض الأفراد لضرب المنافسين الشرفاء من المعتدلين وأصحاب الأغلبية الصادقة والحقيقية، وهكذا كانت البداية في مصر.

▪ دور أمن الدولة:

• فليس بخاف على أحد دور مباحث أمن الدولة في استخدام واستغلال غريزة العنف والاستعداد الطبيعي للتطرف عند شخصية «شكري مصطفى» والنفخ فيه والمذلة حتى استفحل أمر جماعته «التكفير والهجرة»، وكان منها ما كان، وذلك لمجرد رغبة السلطة في ضرب جماعة الإخوان المسلمين من الداخل دون أدنى مراعاة للعواقب الوخيمة التي يمكن أن تترتب على هذا النوع الخطير من أنواع اللعب بالنار.

إن المكفرين والمتطرفين يكتوي بنارهم المسلم قبل المسيحي، لأنه كما يصور لهم ضيق أفقهم وشذوذ فكرهم أن من الإسلام استباحة مال تاجر المصوغات المسيحي، واستباحة حرق الكنائس، والاعتداء والتعالي على الذمي- يصور لهم أيضًا أن من الإسلام تكفير، بل وقتل بعض فقهاء وعلماء المسلمين العدول كما فعلوا مع المرحوم الشيخ «الذهبي» وبالصورة الوحشية التي تمت بها هذه الجريمة البشعة، والتي تؤلم المسيحي والمسلم بنفس القدر، وينزعج لها المسيحي المصري اليوم انزعاج النصراني الغربي القديم صاحب النخلة في عهد الإمام علي، والذي ذهل لما شاهده من بعض الخوارج يوم قتلوا «عبد الله بن خباب»، وبقروا بطن زوجه الحامل، لأنه رفض أن يقر لهم بشرك الإمام علي، ولما انتهوا من جريمتهم طلبوا تمرًا من هذا النصراني، وأصروا على دفع ثمنه بالكامل، فقال لهم النصراني في دهشة: «ما أعجب هذا، أتقتلون مثل عبد الله بن خباب ولا تقبلوا منا نخلة؟».

• إنهم المتطرفون في كل زمان ومكان، أصحاب الأفق الضيق والفهم القاصر والمتهور لأمور الدين، ولا خلاص منهم إلا بإتاحة الفرصة الشرعية كاملة للدعاة الصادقين والمعتدلين.

- حقيقة يستطيع أن يدركها ويفهمها جيدًا المخلصون من المسيحيين.

- والإخوان المسلمون وقادتهم من هؤلاء الدعاة المعتدلين الصادقين، وإلا ما استطاعوا الحصول على تأييد شعبي «معادل» في أقل تقدير للتأييد الشعبي الذي حصل عليه «الوفد» بتاريخه العريق، وفي ظل ظروف من التحديات واحدة بالنسبة للطرفين، هذا ما تقوله وأثبتته المعركة الانتخابية الأخيرة في مصر.

• ومع ذلك أليست الديمقراطية وصدق التمثيل الشعبي هما المحك والفيصل النهائي في عرف جميع الأحرار في بلاد العالم الحر؟ فإذا ثبت بالفعل أن للإخوان المسلمين قاعدة شعبية وأغلبية واستطاعوا عبر القنوات الشرعية والدستورية الحصول على أغلبية برلمانية، فهل ينكرها عليهم أي مفكر عاقل أو أي سياسي حر مسلمًا كان أو مسيحيًا؟

• إن الذين يتشدقون بالحديث عن الحرية وحقوق الأقليات ثم يعكسون الآية، ويضعون العربة أمام الحصان، ويتحدثون مسبقًا عن «الفتنة الطائفية»، و«مسألة الحدود» متعمدين عدم النظر للقضية وقياسها بمقياس الحرية والديمقراطية والإرادة الشعبية- هم بحق أعداء الحرية، والخائفون من الصحوة الإسلامية القادمة.

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة يوسف: 21).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية