; الطبعة مسرحية سياسية جادة | مجلة المجتمع

العنوان الطبعة مسرحية سياسية جادة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-أبريل-1980

مشاهدات 86

نشر في العدد 477

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 22-أبريل-1980

•أول مسرحية سياسية جريئة في الكويت يقدمها اتحاد طلبة الكويت.

•هاجمت المسرحية كل عوامل الضعف في المجتمعات العربية ولم تجامل أحداً.

•ناريل.. ناريل.. كله كله ناريلي.. رمز الاحتكار.. سياسيًا وتجاريًا. 

 شريحة أي مجتمع عربي تحوي: التاجر الجشع مع أبنين له، والتاجر المغامر المبتدئ، كما تحوي مدرسًا له طموحات وآمال كبيرة مع مجموعة من تلامذته، وشاب مغامر مُحب للأسفار، عالِم دين من الجيل القديم من الذين تلقوا الدين على الطريقة التقليدية ومرافق له، وشاب من أبناء الحركة الإسلامية.

هذه الشريحة تلتقي في جزيرة بعد أن غرقت سفينتهم بسبب جشع التاجر «أبو حمد» الذي حَمَّلَها فوق ما تُطيق.. وكلمة «الطبعة» التي هي عنوان المسرحية تعني باللهجة الكويتية «غرق السفينة»..

تدور أهداف المسرحية فوق هذه الجزيرة المليئة «بالناريل» أي جوز الهند.. وتبدأ محاولات «بوحمد» التاجر للسيطرة على بقية الأفراد والاستئثار بثروات هذه الجزيرة.. ويحاول بإغراءاته الكثيرة وأساليبه الخبيثة أن يجمع معظم أفراد الجزيرة حوله، إلا «عبد الله» وهو أحد أبناء الحركة الإسلامية مع مجموعة من الشباب التفت حوله ورأت فيه النجاة لها.. ويخطط «بوحمد» وأعوانه لضرب أبناء الحركة الإسلامية باعتقال «عبد الله» و إشاعة نبأ موته، و يتم له ذلك لتستمر حتى يتم بناء سفينة أخرى يركبها الجميع ولكنها تغرق للمرة الثانية بسبب جشع التاجر..

 رموز:

•بوحمد كان يرمز للسلطة السياسية في العالَم العربي.. فهو لم يظهر بالزي العربي.. بل ظهر بعدة أزياء.. فتارةً بزي عسكري لسلاح البحرية.. وتارة أخرى بزي إمبراطوري مَلَكِي.. كما أنه رمز للجشع الذي يزاوله المرابون المعاصرون.

•المصفقون ارتدوا لباسًا بَرَّاقّا يعكس الأضواء رمزاً للنفاق السياسي والاجتماعي.

•الأطفال الصغار رمز براعم الحركة الإسلامية التي كان يقودها «عبد الله» الذي مَثَل دور الحركة على خشبة المسرح..

•مشهد الانتخابات صَاحَبَهُ مشهد تكميم أفواه المعارضة.. لقد كان مشهدًا معبرًا لواقع الأمة كلها من أقصى المغرب إلى أرض الخليج..

•عبارة «ناريل.. ناريل.. كله كله نار يلي» رمز للاحتكار في كل شيء.

 لقطات:

المسرحية فكرة قديمة عولجت في أكثر من إطار مسرحي.. ابتداءً بمسرحية «سكة السلامة» لسعد الدين وهبة و انتهاءً بمسرحية «سنة مع الشغل اللذيذ» لمسرح الريحاني.. و لكن مسرحية الطبعة- بلا جدال- كانت أجرأها في طرح القضايا و أكثرها جدِّية.. و بالمقارنة النسبية لتجربة سعد الدين وهبة و أول تجربة لعبد الرحمن جميعان وأحمد الهولي تصبح الطبعة محاولة ناجحة.. و أعني بالمقارنة النسبية فارق التجربة والممارسة، و إلا فإن الطبعة ينقصها جوانب متعددة من الحبكة و انسياب الأحداث في الإطار الذي اختاره المؤلفان..

الديكور من أجمل الديكورات المسرحية.. بسيط للغاية و رمزي مُتناسق مع المعاني المطروحة خلال أحداث المسرحية.. و بساطة الديكور تعني انشغال المُتفرج بالأداء التمثيلي أكثر منه ببهرجة الديكور.. وهذا ما تؤكد عليه المدارس الحديثة للمسرح.. لقد كان عبارة عن نصف جوزة هند وفي وسطها نخلتان، ثم مجموعة من الأشجار الصغيرة المُتناثرة على المسرح المفروش بالرمل.. محمد العوضي ومسلم الزامل نجحا في ذلك.

•الإضاءة لم تكن جيدة؛ و السبب الإمكانات المتاحة للطلبة في مسرح الجامعة.. فظلال الأشياء بَدَت في السماء.. كما أن الإضاءة لم تلعب دوراً مسرحيًا..

التمثيل لقد أبدَع الممثلون في أداء أدوارهم: «عبد الله عبد الجادر» موهبة ذات ثروة تمثيلية دفينة تحتاج إلى من يُخرجها، «الخترش» رسم شخصية كاركاتورية لتلك الفئة من المصفقين والمنافقين، وقد كان أداؤه كاريكاتوريًا متقنًا.. استطاع من خلال أدائه أن يستفز المنافقين والمصفقين للسلطات.

و أن يُثير الاشمئزاز لتلك الفرعية من البشر، و قد أجاد.. أما الأطفال فابتداء بطارق عبد الغفور الذي آثار إعجاب أحد خبراء اليونسكو و أحد أعمدة التعليم في العالَم العربي الجالسين بجواري.. لقد دُهشوا عندما شاهدوا جرأة الأطفال وعدم هيبتهم للوقوف على المسرح أمام الجمهور، كان طارق بارعاً. و أجاد بقية الأطفال أدوارهم: عادل اللوغاني كان مُقنعاً في دوره كما أن عبد الوهاب وصلاح عبد الغفور والخميس موفقين في أدائهم، أما ملا عثمان وهو أحمد الهوي فكان مُتمكنًا من دوره كما لو كان مُمثلًا مُتمرسًا.

 «عبد الله عبد الكريم» أجاد دوره فقد كانت شخصية «بوعلي» شخصية مهزوزة وهذا ما ظهر على الخشبة و ظنه البعض ارتباكًا.. أما طلال الخميس فقد قَدَّم كل إمكاناته و إن لم يُبد بالدور مُقنعًا.. أما ناصر الصبيح فبداية طيبة..

الإخراج لا شك أن الحركة المسرحية فوق الخشبة كانت بطيئة، و لكن المخرج تفَوَّق في جوانب شتَّى على المُتمرسين والمحترفين وحرك كل الإمكانات بقيادة فائقة فريدة.. والمعروف أن سلمان داود السلمان ذو مواهب و قدرات فائقة في العمل المسرحي على العموم، وله تجارب ناجحة سبقت مسرحية الطبعة.. و رغم أنه ليس مُحترف إلا أن لديه إلمام بالعمل المسرحي يضعه في صفوف المواهب الشابة التي يؤمل أنها تتفوق في هذا المجال.

مسرحية جادة

مسرحية «الطبعة» انتقدت كل الواقع المعاصر، انتقدت الجميع، وفي كل شيء، و عَرَّت عيوب العالَم العربي، ابتداء بالسلطة و انتهاء بالفرد.. و لم تُركز على بلد عربي واحد.. بل تخَطَّت جميع الحدود العربية بلا جوازات..

ولأن «الطبعة» انتقدت الجميع- بلا مجاملة أو محسوبية- لم توجد لها أصدقاء.. فالجميع شعروا بمرارة الانتقاد، والكل أصابه سهم منها..

ولأن الحق مر، و يصعب بلعه؛ وقف الإعلام الكويتي من الطبعة موقفًا سلبيًا مُحاولًا تحجيم هذه التجربة، و مستصغرا إياها؛ عِقاباً لها لأنها قالت الحق..

لم تكتب الصحافة عنها رغم أنها كتبت عن مسرحيات تافهة وغير جادة إطلاقًا كمسرحية «حاول تفهم يا ذكي» التي عُرَضت في نفس الوقت.. و رغم أن هذه التجربة تفوقت على كثير من تجارب المسرح الكويتي المُحترم..

«الطبعة» انتقدت السلطات السياسية في العالَم العربي.. انتقدت احتكار القرار السياسي.. و الطابع القمعي الذي تميزت به على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة..

و وجهت الانتقاد لعشاق «كرسي الحكم» مُمثلًا بكرسي «أبو حمد» الذي ما فتئ يتمسح به ليل نهار. 

و انتقدت تصرفات السلطات السياسية خلال فترات الاستقلال والتي أدت بالعالم العربي إلى «طبعتين» أي «نکستین»..

انتقدت «الطبعة» كذلك الشريحة الرقيقة من التجار، بل سلطت الأضواء على هذه الشريحة التي تحاول امتصاص أقوات الناس بطرقها المُلتوية.. و أبرزت الجشع الذي أصبح سمة بارزة في هذه الطبقة لا سيما في حركات أبي حمد عندما يتفحص التراب ظانًا أنه يحوي نقوداً.

 انتقدت الطبعة الفئة المُصَفِّقَة للسلطات السياسية، والكناسة لفضلات موائد طبقة التجار.. وهي مُمثلة بالصحافة في كثير من الأحيان.. و رجال الإعلام، أولئك الذين ينفخون في الكبار و يضفون عليهم هالة و هيلمانًا محاولين غسل عيوبهم وفضائحهم ببريق الأضواء والكمة الخادعة.. 

انتقدت «الطبعة» طبقة المثقفين الذين سرعان ما يتحولون إلى مصفقين أمام الإغراءات المادية.. لقد كان المُدرس نموذجًا لأولئك الذين كانوا يُنادون بكثير من المبادئ .. ثم اضطروا لبيعها أمام إغراء المناصب و المال..

كما انتقدت «الطبعة» فئة المتدينين التقليديين.. الذين لا يعرفون من الإسلام سوى أحكام الطلاق و أحكام الزواج وغيره من الأحكام البعيدة عن صراعات المجتمع الفكرية والسياسية.. لقد كان «ملا عثمان» نموذجاً لذلك الرجل الطيب الذي كان رائده الخير.. و لكن طيبته و سذاجته أفقدت الدين دوره القيادي والريادي أمام مشكلة حلت بأحداث الطبعة..

و وجهت الطبعة مشاهد مركزة حول دور الإعلام التلفزيوني، وحول المجالس الإدارية و التنفيذية، وحول دور التربية والتعليم، و حول الدعايات الانتخابية... لقد كانت مُرة لا يبلعها إلا من يستلذ بالحق.

 الصحافة والإعلام 

•من الطبيعي أن لا يشارك التلفزيون في تسجيل هذه المسرحية وهذا المجهود؛ فالمسرحية ناقدة نقدًا لاذِعًا وساخرة في كل شيء، إضافةً إلى أنه عاملها كبقية الجهود الطلابية الأخرى التي صاحبت عرض المسرحية رغم أنه لا مقارنة بينهم..

•الصحافة أهملت الحديث عن المسرحية لأنها مسرحية سياسية جريئة؛ ولأنها هاجمت الشريحة التجارية التي تُسيطر على صناعة الصحافة.. كما أنها هاجمت الفِكر العربي السياسي كله؛ لذلك لم يكتب عنها أحد لأن الجميع أصابه سهم..

•انفردت جريدة «السياسة» بالكتابة عن مسرحية الطبعة.. و كان نقدها إيجابيًا و مُشجعًا.. أما جريدة الأنباء فكتب شخص اسمه فتحي البرقاوي نقدًا غير موضوعي فيه كثير من التَجَنِّي، وقد عُرِف عن هذا الشخص في الأوساط المسرحية أن نقده هدَّام، إضافة إلى أن المسرحية كانت باللهجة الكويتية القديمة مما يغلب الظن أنه لم يفهم معظم ما في المسرحية.

فالشخص غريب عن عادات المجتمع و تراثه.. ومع ذلك فقد هاجم نهج المسرحية الإسلامي و كأنه في بلد نصراني أو عَلماني، كما أنه سخر من عدم إشراك المرأة في المسرحية، و اتهم المسرحية بمُهاجمة المرأة وذلك من كلمة «حسین» حسب الله عليك يا مرتي.. وهذا الغريب عن مجتمعنا لا يدري أنها كلمة تُقال عند الملامة.. ولا ندري لماذا لم يقل هذا عن المسرحيات المصرية التي ما فتأت تحوي لومًا مُفزعًا أحيانًا على المرأة وعلى الحماة بالذات..

 لا شك أن أحد أهداف المسرحية هو نقد عادات اجتماعية شائعة في مجتمعنا يجهلها هذا الغريب المُتطفل.. أما منطلقات المسرحية فهي إسلامية بحتة.. و المعروف أن منطلقات الإسلام هي التي أعادت للمرأة كرامتها وليس مبادئ هذا الغريب علينا.. كما أنه وجَّه نقدًا قاسيًا على الأطفال ليثبت عدم موضوعيته، والأطفال أشاد بهم الجميع إلا هذا الغريب- عمومًا هم أولى بالتشجيع- ولكن ماذا نفعل لهذا الشخص الذي وجد في شخصية حسين إسقاطًا لشخصيته..

الحضور

•حضر المسرحية جمهور يُمثل جميع قطاعات المجتمع، فقد حضر بعض وُجَهَاء البلد، كما حضرها رجال العِلم والأدب، ومجموعة من الفنانين الكويتيين الذين أثنوا على المسرحية و أبدوا إعجابهم بالممثلين.. و قد خُصص يومين من العرض للنساء فقط، وكانت قاعة المسرح مملوءة طوال أيام العرض..

 شكرًا لاتحاد الطلبة الوطني على مجهوده.. ومزيداً من تلك المسرحيات..

الرابط المختصر :