العنوان باعتبارها نموذجًا لإسلام منفتح غير مسيس.. الطرق الصوفية بالمغرب وتجربة استخدام السلطة لها
الكاتب حسن الأشرف
تاريخ النشر السبت 13-أكتوبر-2012
مشاهدات 56
نشر في العدد 2023
نشر في الصفحة 16
السبت 13-أكتوبر-2012
منذ عهد بعيد تمارس الزوايا والطرق الصوفية بالمغرب دور "فزاعة" دينية تنصبها الدولة من أجل تقليص شعبية الاتجاهات السلفية التقليدية والجهادية بالبلاد وكسر شوكتها، ولم تتردّد السلطة - من أجل تحقيق ذلك - في إبراز دعمها الرسمي الكامل لهذه الطرق.. ويعتبر مختصون في الشأن الصوفي أن الدولة نجحت إلى حد ما في التأثير على الحركة الإسلامية بالمغرب؛ من خلال تقوية دور وحضور الفاعل الصوفي، لكنهم يرون أنه نجاح أحيط ببعض الأخطار!
وتحظى الطرق الصوفية بالمغرب بتأطير واهتمام رسمي واضح، خاصة الأحداث بعد الأليمة التي شهدتها الدار البيضاء في ١٦ مايو ۲۰۰۳م، حيث انتبه المسؤولون عن تدبير السياسة الدينية بالبلاد إلى أهمية محاربة التيار السلفي الجهادي الذي يتسم بنوع من العنف والتشدد بواسطة صنف من التدين لا يتخذ من السياسة وسيلة ولا غاية.
وبالتالي زاد اهتمام الدولة بالزوايا والطرق الصوفية أكثر من ذي قبل، وتمت رعايتها وتبويئها المكانة العالية من خلال الاحتفاء بمريديها ومساعدة القائمين عليها وتكريم رموزها والعمل على نشر طقوسها وتقريبها من عموم المغاربة.
وارتأى مدبرو الشأن الديني أن التشجيع المادي والمعنوي للزوايا والطرق الصوفية بالبلاد أضحى أفضل طريقة عملية لمواجهة تغلغل التيارات السلفية باختلاف مرجعياتها في الأوساط الشعبية خاصة وفي الفئات الفقيرة وداخل الأحياء الهامشية بالمدن الكبرى والمتوسطة، وحتى في القرى والأرياف أحياناً. وكانت أول خطوة في اتجاه تكريس منح الأولوية لتدين الزوايا والطرق الصوفية هو تعيين وزير للأوقاف والشؤون الإسلامية اشتهر بانتسابه للزاوية "البودشيشية"، والذي لم يُخف في أية لحظة أنه صوفي مجتهد في كنف الزوايا التي تملأ البلاد طولا وعرضاً. وما فتئ الوزير السابق "أحمد التوفيق" يعتبر الطرق الصوفية "معامل ومدارس" لتخريج الأفراد، داعيا - أكثر من مرة - جميع الهيئات المجتمعية والسياسية الحالية إلى "الاعتراف من معين هذه المعامل، وثمرة تربية تلك المدارس".
وتوالت الخطوات الرسمية بإعطاء هالة كبرى لهذه الطرق الصوفية وإبراز أهميتها عبر تمويلها رسميا ومن خلال بث برامج خاصة عنها للمشاهدين في وسائل الإعلام المرئية خلال أوقات الذروة، وفي شهر رمضان بالخصوص، علاوة على تنظيم مهرجانات وندوات وطنية ودولية للغرض ذاته.
مد صوفي
ويعتبر "د. محمد جحاح"- الخبير الاجتماعي والمتخصص في الصوفية - أن رهان مواجهة الحركات الإسلامية شكل واحدا من أهم مكونات السياسة الدينية للدولة، من قبيل مواجهة السلفية الجهادية والمد الشيعي وتوظيف الدبلوماسية الصوفية في قضية الصحراء، والتسويق لنوع من الحداثة الدينية أو استراتيجية تحديث الإسلام كرد على أسلمة الحداثة، فضلا عن انخراط المغرب على مدى سنوات سابقة في سياسة دولية أمريكية لمواجهة ما يسمّى بـ"الإرهاب"، في شخص تنظيم "القاعدة".
وقال "جحاح" في حديثه لـ"المجتمع": إنه "حتى إن رجحنا أهمية ورقة الصوفية فيما يخص تدبير الشأن الديني، خاصة إثر أحداث العنف في ١٦ مايو ٢٠٠٣م بمدينة الدار البيضاء؛ فإن مسألة الحسم في توفيق أو عدم توفيق الدولة في توظيف الصوفية للحد من خطر الحركات الإسلامية، تقتضي القيام بدراسات سوسيولوجية وميدانية رصينة".
وأشار إلى أن الإشكال يتمثل في معرفة هل هناك فعلاً تراجع للمد الإسلامي علي مستوى الفعل والتأثير (اجتماعيا وسياسياً، وقيميا وثقافيا)؛ وهل يمكن ربط ذلك بعامل نجاح وفعالية السياسة الصوفية للدولة.
لكن ما يمكن تسجيله- وفق "جحاح"- هو ما تؤكد جوانب منه بعض التقارير الدولية حول الموضوع، وأيضاً دراسات أنجزتها بعض مراكز الأبحاث بالبلاد أبرزت أن الدولة نجحت إلى حد ما في كبح جماح الحركة الإسلامية بالمغرب وذلك بتقوية دور وحضور الفاعل الصوفي باعتباره نموذجاً لـ"إسلام منفتح وغير مسيس".
واستدرك الخبير الاجتماعي بأنه لا ينبغي ألا ننسى أن طبيعة النظام السياسي المغربي المؤسسة الملكية، وخاصة حقل إمارة المؤمنين لا تسمح بهامش معقول للفعل والتأثير بالنسبة لأي فاعل ديني سياسي، إلا في نطاق ما تسمح به مقتضيات الشرعية.
أما الباحث في الحركات الإسلامية "د. محمد ضريف" فيرى أن الزوايا الصوفية بالمغرب تتقارب في أفكارها ، لكنها تختلف في تحركاتها وأدائها الوظيفي ورؤاها في مختلف المجالات الحياتية. واشتهرت الطريقة "القادرية البودشيشية" على سبيل المثال، والتي تنتشر شرقي المغرب، بتوجهها أكثر إلى كل ما هو تربوي وروحي بعيدا عن السياسة وأهلها وسراديبها، واستطاعت بحسب "ضريف"- أن تستقطب مريدين من مختلف الأجيال، حتى صار لها أتباع يتبوؤون مناصب سامية ومراكز مرموقة اجتماعيا.
وامتلكت هذه الطريقة الصوفية - أكثر من غيرها بالمغرب - سلطة معنوية يُضرب لها ألف حساب، وصار مريدوها بالملايين داخل المغرب وخارجه، بل باتت لها علاقات وطيدة مع هيئات دبلوماسية لبلدان عظمى مثل الولايات المتحدة الأمريكية.
ويرى علماء سلفيون مغاربة أن مثل هذه الطرق الصوفية بالبلاد يرتكب مريدوها والقائمون عليها مخالفات شرعية لا تستقيم وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن السلطات لا يهمها الأمر في أن تقترف البدع، فكل ما يشغلها أن تجد القبول والانتشار بين الناس.
عودة وتخوفات
ويربط "د. محمد جحاح" أحداث العنف في ١٦ مايو بمؤشر هذه العودة القوية إلى التصوف على حساب التوجه السلفي "الجهادي"، الذي أصبح مرتبطا في أذهان شرائح واسعة من المجتمع المغربي والرأي العام الوطني بقيم العنف و"الإرهاب"، بحسب تعبير الخبير المغربي.
ويرى "جحاح" أن هذه السياسة الدينية التي انتهجتها الدولة تتجلى في إحياء وتنشيط عدة جوانب من التراث والثقافة الصوفية من قبيل مواسم دينية، ومهرجانات ولقاءات عالمية للمنتسبين للتصوف "سيدي شيكر"، وإحياء وتشجيع الزوايا والطرق الصوفية وتقديم كافة أشكال الدعم لها، مثل: "التيجانية" و"البودشيشية" و"الكتانية".
وأبدى "جحاح" تخوفه من احتمال أن يفاجئنا ذلك المكبوت بتسلله خلسة، واكتساحه مساحات أوسع من كياننا السياسي، مما يصبح مؤشرا قويا على نوع من "النكوص" السياسي.