العنوان الطريد
الكاتب عبد العزيز عطايا
تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1979
مشاهدات 55
نشر في العدد 434
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 27-فبراير-1979
ملخص ما نشر:
«وحشي» هذا العبد المقيد بأغلال سيد من سادات قريش، يضيق بالعبودية، ويفكر في الحرية.
ويحدث نفسه عن أمنية الحصول على ما يريد. يذهب ويقتل حمزة بن عبد المطلب ليصبح حرًّا ويأخذ مالًا من هند زوجة أبي سفيان؛ ولكنه لا يعرف ماذا يفعل بحريته بعد أن أعطيت؟
ويفتح المسلمون مكة، وتمتد الفتوحات فيهرب وحشي خوفًا على حياته، ويقع في أغلال الخوف ويتحول إلى عبد لهذا الخوف الذي يطارده من مكان إلى مكان، حتى يعرض عليه صديقه أن يذهب إلى النبي عليه السلام ويعلن إسلامه، وبذلك ينجو من القتل، فيسرع وحشي ويدخل الإسلام ويحكي للنبي عليه السلام كيف قتل عمه حمزة، فيطلب منه النبي أن يخفي عنه وجهه..
وأمره الرسول عليه السلام أن يحدثه كيف قتل عمه حمزة. وحدثه وحشي بلسان الندم والألم، وعفا عنه النبي كما عفا من قبل عن هند حين أسلمت وقد مثلت بعمه في غزوة أحد، بل هي التي حرضت وحشيًّا على قتله، هي وجبير ابن مطعم، وقال النبي لوحشي: «غيب وجهك عني».
ومنذ ذلك الوقت، لا يرى وحشي النبي في طريق، إلا تنكب طريقه، واجتنب لقاءه، ولم يقع في خلد وحشي أنه سيظل طريدًا هكذا، بعد أن نجا من الخوف بإسلامه، ها هو يهرب من الطريق الذي يجد فيه النبي عليه السلام.
مكتوب على جبينه أنه مطرود إلى الأبد، ومعروف عنه أنه قاتل حمزة، ويرى في عيون المسلمين ضيقًا بوجوده، ونفورًا من شخصه.. وأحس وحشي بالندم يسيطر على نفسه، ويستبد بها.
إن منزلة حمزة في الإسلام تزلزل الأرض تحت قدميه، ولا يغفر له إحساسه بالندم والألم، وانتحى وحشي مكانًا قصيًّا كمن يعزل نفسه عن الوجود.
تجسد له الندم في هيئة
سيد جديد يملكه ويعذبه. نام في ركن غسلته الدموع. دعا ربه في جوف الليل طالبًا الرحمة، وأدار بصره في النهار باحثًا عن الحياة الخالية من الشعور بالذنب. إن صفاء النفس وطن للحرية الحقيقية.. وأن هدوء البال سكن للشخصية السوية.
وبعد وفاة النبي عليه السلام، شار ك وحشي في الدفاع عن الإسلام.. ذهب في جيش خالد بن الوليد لقتال مسيلمة الكذاب.. استخدم حربته في القضاء على عدو الله، ووجه قوته إلى الطريق السليم، مضى وحشي مع جيوش المسلمين وقاتل الروم، وانتصر مع المنتصرين. وكان يريد أن ينتصر على نفسه، ويمسح عنها قطرات من دم حمزة. ولكن هيهات إن جهاد وحشي لعجيب، غير أنه لم ينقذه من قيود الندم، ولم يمسح عنه قطرات الدم.
وتوغل وحشي في الصحراء، ضرب في الأرض، رمى قدميه بعيدًا وتقدم به العمر، واشتعل الشيب في رأسه، وضعف بصره، لم يجف نهر الدموع، ولم تختف صورة معركة أحد من ذهنه، كأنها قد حدثت بالأمس، ويرى نفسه يحمل حربته ويجري بين المحاربين، ويبحث عن حمزة، وما أن راه حتى استعد لقتله.. لا ينسى من ذلك كله أي شيء.. ولن ينسى أبدًا.
وفي الليل يسمع صوت سيده جبير وهو يحدثه عن الحرية التي يحلم بها ليته ما حدثه، أعطاه الحرية وسلب منه طعم الحياة... بلع مرارتها، وصار في سجن جديد هو سجن الإحساس بالمرارة والندم.
جلس وحشي تحت ظل شجرة... فر من الشمس الملتهبة، كما يفر من نفسه، بيد أنه لا يجد الملاذ المنقذ، جاء رجل وجلس إلى جواره وسأله: أغريب عن هذه الأرض؟
أجاب وحشي:
- نعم..
عاد الرجل يسأله:
- إلى أين؟
قال وحشي مطرقًا محدقًا في الظل:
- لا أدري!
أدرك وحشي أن الرجل لا يعرفه، فطال بينهما الأخذ والرد في أمور شتى مما كان يحدث في ذلك الحين.. ثم طرق وحشي باب الحديث الذي يؤرقه، قال:
- من الغريب أن الإنسان رهن حلم لا يتحقق...
قال الرجل وهو يتكئ بيده على ركبته:
- يبدو أنك تبحث عن شيء عسير المنال.
- كأني أبحث عن المستحيل.
- ما هو؟ أخبرني.. ربما ساعدتك!
لم يشأ وحشي أن يخبره، فهو يعلم أنه لا يستطيع أن يقدم له يــد المساعدة، ما يبحث عنه مفقود في نفسه، فضلًا عن أنه لا يحتاج إلى مساعدة الآخرين. ما فائدة ذلك؟ هو الذي يستطيع أن يساعد نفسه بنفسه حتى ينسى ذنبه، ويتحرر من ندمه.
قطب وحشي وجهه، ومسح لحيته بأنامله، ثم قال:
- جزاك الله خيرًا.. إنه مجرد حديث.. ولست في حاجة إلى مساعدة أحد كما تظن..
قال الرجل: قد طعنت في السن كما أرى..
هز وحشي رأسه قائلًا:
- وتوغلت في المشي.. وتعبت.
- إذن.. يجب أن تأتي معي.. فإني ذاهب إلى مكان قريب توجد فيه دابة تنتظرني.. ومن هناك نرحل معًا إلى حيث شئت.
نهض وحشي معه، احتاج إلى مساعدة الرجل في آخر الأمر... ساعده في الانتقال من مكان إلى مكان.. ولم يساعده فيما يفكر فيه. وهو النسيان. يريد أن ينسى معركة أحد، ووقوع حمزة على الأرض، كيف يتعلق بحبال النسيان؟
استقر وحشي في مدينة حمص، واستقر الندم في نفسه دون أن يبرحها لحظة. ترنح من شدة الضعف.. هوى ذات مرة على الأرض ولم ينهض.. وحاول أن يستريح بالنعاس، أو بالحديث إلى الناس، إلا أنه لم يفلت من تفكيره المؤلم. طارده الندم في آخر أيامه ولم يرحمه. استعان على الندم بالخمر.
وأدمن الشراب.. ومضت الأيام تجر ذيولها فوقه، وهو يشرب ويتعذب. وأقاموا عليه الحد بالضرب؛ ولكنه كان يعاود الشرب إلى أن صار ظلًّا أو كالظل.
ضعف جسمه، وبدأ عقله يذهب قليلًا قليلًا، ولم يحتمل الضرب، فازداد نحولًا وذهولًا.
الندم ماثل في نفسه، قاتل قلبه، وفني وحشي ومات.
وأثارت جنازته التي سارت في طرقات حمص كثيرًا من الرضا، كما أثارت كثيرًا من السخط، وربما كان الرضا بقدر ما كان السخط، فقد اختلف الناس في أمر وحشي في أثناء حياته، وبعد موته أيضًا اختلفوا..
كان بعض الناس تبغضه وتذكره بقتله حمزة؛ وكان البعض الآخر معجبًا به أیما إعجاب، ومعجبًا ببلائه في الإسلام. ألم يحارب في جيوش المسلمين؟
وهكذا سار عدد كبير في جنازة وحشي، وامتنع عدد كبير عن السير في جنازته.
وقيل وقتها:
- حياة وحشي مدهشة...
فكان الرد:
- جمعت حياته بين الإعجاب والبغض..
- حقًّا.
- هذا العبد الحر وحشي.. عاش معذبًا..
- حتى بعد موته.. كان مطاردًا من بعض الغاضبين عليه..
- كانت القلوب تمتلئ بغضًا ورضًا.. وسخطًا وإعجابًا.
- كان عبدًا لسيده جبير.. ثم صار حرًّا.. ثم صار عبدًا للخوف.. ولما تحرر من الخوف حين أسلم صار عبدًا للندم.. أي حياة تلك؟
ولم يقل التاريخ كلمته في حق وحشي.. ذلك العبد الحر الذي اختلطت حياته بالذنب، وبالجهاد في سبيل الله، وبالخمر التي لجأ إليها قبل أن يموت.. وإن رحمة الله واسعة، وإن الله غفور رحيم.
تمت
إلى اللقاء مع العدد القادم، ومع قصة جديدة بعنوان «صورة على جدار الزمن». وهي قصة تحكي حياة إنسان حاول أن يتذكر ماضيه، فاكتشف أنه لا يزال يعيش في ظله ولم يغير شيئًا من حياته، رغم أنه قد طعن في السن.. ولما رفع يديه يطلب التوبة والمغفرة، وقعت يداه ولفظ نفسه الأخير...