; الطريق ليس من هنا! | مجلة المجتمع

العنوان الطريق ليس من هنا!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 04-مايو-2013

مشاهدات 69

نشر في العدد 2051

نشر في الصفحة 39

السبت 04-مايو-2013

في كثير من الأحيان قد تقف حائراً أمام مسألة من المسائل، أو موقف من المواقف، لا تدري أي درب تسلك، وعلى أي تصرف تُقدِم، وأعترف أنه من الإشكاليات التي صادفتني وأرّقتني تصرفات بعض الإسلاميين غير المسؤولة، التي تكاد إذا استمرت أن تعصف بالثقة في الإسلاميبن، بل وبالإسلام الصحيح  نفسه، وبالذوق الإيماني، وكنت أقول دائماً: إذا رميتُ يُصيبني سهمي، ولكنني وبعد تردد آثرت أن أتكلم.

وموضوعنا الذي نحب أن نتطرق إليه في هذه الصحائف، يظهر إشكالية طالما عانت منها الأمة الإسلامية في عصور ضعفها، وانفصام شخصيتها وذاتيتها، وهو ظهور طبقات من السطحيين في ميادينها المختلفة، وبخاصة في الميدان الإسلامي، الذي بدأ بجهود المخلصين من دعاته يأخذ طريقه المستقيم إلى نهضة الأمة ورفعتها، وبالبحث وجد أن هذه الإشكالية تتمحور في التشكيك في جهود المخلصين  العاملين في الحقل الإسلامي، واتهامهم بأقذع  التهم التي لا يرضى مطلقوها بأقل من الخلع في كثير من الأحيان، وبالتالي تحريض الناس عليهم، وطلب نبذهم ومحاصرتهم من الناس، بل ومحاكمتهم ومعاملتهم كالأعداء، بل هم أشد، ولقد نال جماعات كثيرة ومخلصة من هذا الزيف الكثير، وكال مُروِّجوه لهذه الجماعات المخلصة والعاملة في الحقل الإسلامي من هذا الهراء بالكيل الأوفى.

وفي رأينا أن هذه الحملة المشبوهة الظالمة قد هيأت لها وتسببت فيها أمور يجب أن نلقي الضوء عليها في عُجالة، منها:

1- السطحية العقلية والعلمية: فسلامة العقل تقدر المواقف وتزن الأعمال، وتعرف المصلحة، وتدرك الواقع، وتفهم مرامي الأعداء، وتجعل الإنسان لأمته لا عليها، والرسوخ العلمي يجعل الإنسان صائباً في حكمه على الأشياء، موضحاً لها، على دراية بالأدلة ومراميها، وبالأسانيد وصحتها، وبالشريعة وحكمتها، وبالعلل والمناط والمصالح، ولا يكون كحاطب ليل يهذي بما لا يدري، ويهرف بما لا يعلم، فيؤدي ذلك إلى أوخم العواقب، وأكبر النكبات.

2- مرض التدين: فقد يصبح التدين مرضاً، وغذاء هذا المرض ما قدمنا، سطحية عقلية وعلمية، يزاد عليه غرور وخلل نفسي، يتبعه تهور واندفاع أشبه باللوثات العقلية والفكرية، وإسهال في الألفاظ والأحكام، واختلال في وظائف البصر والبصيرة، والاتزان الحياتي، كل ذلك يدفع صاحبه إلى محاولة إثبات الذات، وتعويض النقص، والتفلت من الإحباط باستعمال أساليب دينية مدخولة، وأعمال شرعية مرفوضة، فينتج عن ذلك خليط عجيب من المضحكات المبكيات، أشبه بأصوات الأسطوانات المشروخة، أو بما يتمثل به الناس سمك، لبن، تمر هندي.

3- الأيدي الخفية لأعداء الإسلام: التي تستغل هؤلاء الناس، وتتخذ من عقولهم وخللهم النفسي مطايا لشق الصف، وتفريق الكلمة، وتلويث السمعة، وصرف الناس عن الحق، واتباع غير سبيل المؤمنين، ثم تحاول أن تصنع منهم هالات لتضرب عدة عصافير بحجر واحد، بحيث يؤدي ذلك في النهاية إلى تفتيت الجهود، واتباع إسلام غريب لا يعرفه الإسلام ولا ينتمي إليه، فيسهل ضربه، أو توجيهه إلى رغائبهم، وتفريغه من قوته وفاعليته، لتبقى الأمة تدور في حلقة مفرغة، تلهيها عن هويتها وحضارتها وتراثها ونهضتها، حتى تظل خانعة ضائعة، مُستذَلة حتى لشذاذ الآفاق، الذين يستولون على أرضها ومقدراتها.

4- الحسد البغيض: قد يدفع الحسد إلى قتل الإبداع في أي صورة من الصور، وقد رأينا ما فعل الحسد بيوسف وإخوته، والحسد في العلم باب قديم، ومرض مزمن عند بعض المنتسب ن للعلم، وحسد هذه الأيام عند من ي يظنون أن هناك مغنماً لا مغرماً، ونفعاً لا ضراً، ويجهلون طريق الدعوات الشاق، ودروبها الوعرة، وجهادها المضني، يزيد الكرب استعاراً، والعنت اشتعالاً، والطين بلة، وتأتي افتراءاتهم  لتعمِّق الجرح في قلب الداعية، وتُقرّب القنوط، وتُدني اليأس من نفس المكافح والمجاهد، وهذا في الواقع جريمة في حق الدعاة لا تُغتفر.

5- إيحاءات بعض المتنفذين من الفلول: الذين تسللوا إلى المناصب بغير جدارة، وتواروا خلف حراب أنظمتها القمعية، بمباركة قوى معينة لا تريد للإسلام ولا لرجاله سيادة أو ريادة، أو تمكيناً واتصالاً بالجماهير المسلمة، وقد وجدت نفسها في موقف صعب عالمياً ومحلياً، فليس عندها قدرات، أو برامج، أو حتى استعدادات، لرفع المعاناة عن الشعوب، والتقدم بها علمياً واقتصادياً واجتماعياً، فقصدت إلى إلهاء الأمة، وضرب بعضها ببعض، والتفتت إلى دعاة الإصلاح، وبخاصة من الإسلاميين الذين  أثبتوا إبداعات كثيرة في مجالات مختلفة، وقدَّموا إلى الشعوب المطحونة الأمل في النهوض، والعزم في الكفاح، والنهضة في العلم، والاستقامة في الخُلق.

ولقد كان من أسلحة تلك الأنظمة ثلتان؛ الأولى: من العلمانيين الضالين المرتزقة، الذين يتدافعون على أبوابهم، وقد سخروهم صباح مساء للنَّيل من الإسلاميين والإسلام ذاته والتحريض عليهما.

الثانية: من بُلهاء المتدينين المغلق  فكرياً  وعقلياً، يستشهدون بهم على الإسلام المراد اتباعه، والذي لا يأمر بمعروف ولا يُنكر منكراً، وليس له دخل بحياة ولا دنيا، ويدع ما لقيصر وما لله لقيصر، ويوحون إليهم بين الحين والحين بمهاجمة دعاة الإسلام الذين يدعون إلى الكتاب والسُّنة، وإلى الإسلام الذي بعثه  الله رحمةً للعالمين، وهداية للضالين، وحُكماً  للمؤمنين، وحياة وعزة للمتقين. 

هذه بعض الأسباب - في نظرنا - هي الدافعة لتلك الحملة التي أخذت في هذه الأيام تأخذ شكل السُعار والهوس النفسي، ولقد غرَّهم وشجعهم على استمراء هذا الافتراء الأرعن، صبر العقلاء من الدعاة، وحكمة المربين من الهداة، آملن أن يفيء  المخطئ، أو يقلع المذنب، أو يُبصر الأعمى، ويفهم المُلتاث، وطال الصبر، ووجب البيان والرد على تلك الشبهة، وهذا التيه بالمنطق، والحقائق الدامغة، عسى الله أن يهدي الجميع، وأن يرد الضال إلى صراط مستقيم.

وبعد: فإننا نقول لهؤلاء الطريق المستقيم ليس من هنا، وإنما الطريق أن تكون قوي النفس نافذ البصيرة عندك ما تعطيه، وما تنفع به الناس، وما تبذله لغيرك، وتتفوق به على الآخرين، وتتكاتف معهم وتأخذ بأيديهم إلى الخير وإلى طريق قويم، والله نسأل أن يهدي إلى طريق الحق وإلى طريق مستقيم.

الرابط المختصر :