العنوان الطغيان السياسي من أجل ضرب الحركة الإسلامية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-أبريل-1985
مشاهدات 102
نشر في العدد 714
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-أبريل-1985
- الطغاة يطاردون الإسلاميين مطاردة دامية في الوقت الذي يفتحون المجال لكل أصحاب الدعوات الهدامة.
- الإعلام الغربي يقف بكل ثقله إلى جانب الظالمين.
هل بقي في العالم الإسلامي قارئ أو مستمع أو مبصر يجهل أبعاد الهجمة الشرسة الموجهة إلى الجماعات العاملة في نطاق الدعوة الإسلامية؟ وهل بقي مسلم يملك مسكة من العقل يفوته الإدراك الدقيق لوحدة التخطيط الكامنة وراء هذه الهجمة المتلاحقة في معظم الدول التي تحكم عالم الإسلام؟
وهل بقي مسلم قط أيًا كان وعيه وعلى أي مستوى من التفكير وفي أي مكان من الأرض، لم يحط علمًا بتلك الحملة الشاملة التي يشنها الإعلام الغربي على دعاة الإسلام، من خلال تركيزه على تشويه سمعتهم بتلك الألقاب التي لا ينفك ينبزهم بها صباح مساء. وقد فرغها من مضمونها الجميل مثل «الأصوليين» و«الحنفاء» وما إليها..
وأخيرًا هل بقي ثمة من مجال في أن هذه التركيبة الهجومية المتعددة الصور والأشكال، ليست سوى تنظيم متكامل هدفه الأقصى هو إثارة الشكوك في نقاء الصحوة التي يعيشها الجيل المؤمن هذه الأيام في مختلف الأنحاء من عالم الإسلام!!
ولعل أغرب ما انتهى إليه موقف ذلك الإعلام الصهيوني العالمي هو ربطه بين كل مشكلة تحدث في أي بلد إسلامي وبين الجماعات الإسلامية العاملة في ذلك البلد، حتى لقد بات من المألوف أن يتوقع المستمع نسبة كل إرهاب أو شغب إلى من يسمونهم بالمتطرفين من المسلمين.
وطبيعي أن الغرض من ذلك هو بث الكراهية للإسلام نفسه، ثم تحريض حكام المسلمين للضغط على كل عامل في نطاق الدعوة الإسلامية..
ولا حاجة للتساؤل عن البواعث الخلفية لهذا التأمر على الإسلام وأهله في أوساط المعادين لهما.. فهي رواسب الحقد الموروث في صدورهم منذ عهود الفتح الإسلامي الأول، ثم في إبان الحملات الصليبية للقضاء على مراكز القوة في ديار المسلمين، وما تلاها أثناء الغارات الاستعمارية الأوربية على العالم الإسلامي في العصر الحديث... وقد قال هؤلاء الحاقدين ما واجهوه من قدرة الروح الإسلامي على الصمود في وجه الأحداث، وما تنطوي عليه من الطاقات القابلة للتجدد كلما اشتد عليها الضغط، فما أن يظن بها الخمود حتى تعود إلى الانتفاض واستئناف الكفاح، ثقة بوعد الله الذي يخاطب المؤمنين بقوله الخالد ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (سورة آل عمران: 139).
ولقد شاهدنا ظواهر هذا الحقد المتأمر في كل مناسبة أصيبت بها الدعوة بنكبة جديدة، أو نزل البلاء برائد من قادتها أو امتحن المسلمون بجائحة على أيدي الطغاة.
فأما أن يغرق الإعلام الغربي في بحر من الصمت فلا يشير إليها من قريب أو بعيد، وإما أن يقف بكل ثقله وراء الظالمين فيسوغ جرائمهم و ينوه بفضلهم في محاولتهم القضاء على «خطر» الإسلام والمسلمين...
وكيف ننسى موقف من يزعمون أنهم رسل السلام، والمنافحون العالميون عن حقوق الإنسان، يوم جاء وفدهم إلى القاهرة يتقصى أنباء الجرائم التي يرتكبها الحكم الناصري في ألوف المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين، ولكنهم سرعان ما عادوا من حيث أتوا يعلنون براءة الجلادين من كل إثم، ويؤكدون أنهم لمسوا حسن المعاملة للمعتقلين في كل السجون التي تفقدوها .. وكان في ذلك جرعة جديدة يقدمونها للقتلة لمضاعفة جهودهم في التنكيل بالأبرياء.
وأي برهان على ضلوعهم مع الباغين يومئذ أكبر من الوقائع الجنائية التي اكتشفها القضاء المصري بعد زوال الكابوس الناصري، فكانت فوق ما يتصور وما أشيع من أهوال المحن التي عاناها المؤمنون والمؤمنات على أيدي شمس بدران وصلاح نصر وحمزه البسيوني وجمال وصلاح سالم وجمال بغدادي وصفوة الروبي، وبقية الجزارين، على علم ومسمع ومرأى من الطاغوت الأكبر!!
والمجازر التي تذهب بآلاف المسلمين في آسام ومراد آباد ودهلي وغيرها من أنحاء الهند.. هل ارتفع صوت دعاة حقوق الإنسان باستنكارها أو الإشارة إليها حتى الآن.. على حين نراهم يملؤون الفضاء بالاحتجاج على جنوب أفريقية لقتل جنودها تسعة عشر إنسانًا من السود! ومع أن القتل هو القتل والإنسان هو الإنسان، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، فلا بد من الإشارة الصريحة إلى هذا التمييز بنظر هؤلاء الغربيين بين من يكرهون ومن لا يكرهون.
ويقفز إلى ذهني الساعة خيال مقالة قرأتها قبل ربع قرن، ولعلها بقلم الكاتب الإسلامي الأستاذ محمد عبد الله السمان، يصف بها حفلة راقصة اندفع إليها أحد رواد الفنادق السياحية في عاصمة سويسرة ذات مساء دون سابق تصميم أو تدبير أو إعلان، ولما سأل أحد الناس عن الباعث إلى ذلك الرقص الجنوني المفاجئ أجابه: ألم تعلم.. لقد قتل اليوم قائد أكبر الحركات الإسلامية في العالم.. حسن البنا!!
أجل.. لقد كان مصرع حسن البنا رحمه الله بأمر فاروق وإبراهيم عبد الهادي يومئذ مبعث فرحة لا تقدر لأولئك الذين توارثوا كراهية الحق والعدالة والحرية التي يدعو إليها الإسلام، ويسعى لبعثها ذلك الشهيد البريء، وما كانوا لينسوا بطولات جنوده التي زلزلت الأرض تحت أقدام ربيبتهم إسرائيل حتى كادت تنسفها من أساسها، لولا الهدنة التي فرضها على المجاهدين أعداء الإسلام من الشيوعيين والصهيونيين والصليبيين وحلفائهم من أبناء المسلمين..
ثم ما بالنا ننسى، وما أعجب أن ننسى هاتيك المناسبات الأخرى التي قدمها ويقدمها بعض حكام المسلمين إلى أولئك الراقصين في مآتم المسلمين، كلما أحسوا الحاجة إلى معونتهم وإلى إمدادهم بالمال والسلاح، الذي لا مجال لاعماله إلا في صدور شعوبهم. وهل كانت تمثيلية المنشية التي ذهبت بالموكب الأول من شهداء الإخوان إلا واحدة من هذه المناسبات، التي فتحت أبواب مصر للشيوعية، ثم مهدت الطريق لكامب ديفيد والمصالح الأمريكية فيما بعد؟
ويوم وفف الطاغية الأكبر في قلب موسكو يطلق الضوء الأخضر للإجهاز على بقية الإخوان المسلمين، هل كان موقفه ذاك إلا واحدة أخرى من هذه الفرص، قبض ثمنها بإسقاط موسكو جزءًا من ديونها على مصر، ومكن بها للشيوعية الدولية من تثبيت أقدامها في وادي النيل، وفي أرجاء أخرى من وطن الإسلام..
وهذه المطاردات الدامية التي يشنها المتسلطون هذه الأيام على الجماعات الإسلامية حتى ليملأون بهم المعتقلات، على حين يطلقون حرية العمل السياسي لكل تيار مضلل أو مأجور أكانت مما يتوقع لولا أولئك المحرضون الذين يحجبون عنهم كل مطمح إلا بشروط في مقدمتها إنهاك الإسلام بالتنكيل في أبنائه، وإقامة السدود دون تشريعاته.
ولئن كانت هذه الحقيقة محجوبة بعض الشيء قبل اليوم، إنها الآن لأوضح من النهار لأعين المبصرين بعد هذه الأحداث الماثلة على صعيد السودان العزيز.
كلنا يريد تطبيق الشريعة الإسلامية وندعو الله صباح مساء أن يوفق حكام المسلمين لتحقيق هذا الهدف، ولكنا نريده تطبيقًا حكيمًا يلاحظ واقع الناس وأعذارهم فيصحح قبل أن يبطش... ويقنع قبل أن يوجع.. ولو هو قد سلك هذا المنهج لأيقن أن هناك شروطًا لا مندوحة من توافرها لإقامة الحدود.
وفي هذه الأجواء يكون تطبيق الشريعة بتطهير المجتمع أولًا من وسائل الفساد، ثم بنشر التوعية في أوساط الجماهير، ثم بتأمين أسباب الرزق الكريم للمعوزين.. وخلال ذلك لا مندوحة للحاكم المسلم من نشر العلم الصحيح عن طريق المسجد والمدرسة ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة.. فإذا تم له ذلك التنظيم التمهيدي لم يبق لأحد عذر في مخالفة أحكام الدين، وكان للحاكم حقه المطلق في إقامة الحدود والتعزيرات التي لن تكون كثيرة أثناء إذ، ويكون المقدم على الفساد محاربًا للمجتمع كله ومعرضًا لنقمته كله.