العنوان الطفل الفلسطيني معاناة وقلق نفسي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 69
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 09-مارس-1993
على
الرغم من أن الإعلان العالمي لحقوق الطفل، والذي أقرته الجمعية العامة للأمم
المتحدة في ٢٠ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٥٩، يؤكد في كلماته الأولى على ضرورة تمكين
الطفل من التمتع بطفولة سعيدة، إلا أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي بانتهاكاتها
المستمرة والتعسفية، القائمة على قتل إحساس الطفولة لدى الطفل الفلسطيني، تصر على
مخالفة جميع الأنظمة والقوانين.
وانتهاكات
الاحتلال الإسرائيلي لمبادئ الإعلان العالمي، لا تقف عند حدود في جميع المجالات،
سواء كان ذلك في المجال الصحي، أو التعليمي، أو الاجتماعي، أو في مجال الحماية
والأمن المادي والمعنوي، أو التمييز العنصري. وهو ما يضع علامات التعجب على
الشرعية المزعومة للنظام الدولي الجديد الذي يتظاهر بالتباكي على حقوق الإنسان.
وقد
أظهرت التقديرات الإحصائية أن عدد الأطفال الفلسطينيين ما دون السادسة عشرة،
يشكلون حوالي ٤٥٪ من إجمالي عدد الشعب الفلسطيني الذي يبلغ وفق آخر الإحصائيات
حوالي خمسة ملايين ونصف المليون. والجدول (رقم ١) يوضح تقدير عدد الأطفال
الفلسطينيين حسب مكان إقامتهم.
وسنقتصر
في حديثنا على الأطفال الفلسطينيين في الضفة والقطاع؛ حيث إنهم يتعرضون لأشد أنواع
المعاناة في ظل الاحتلال الإسرائيلي.
الأوضاع النفسية والاجتماعية
أعمال
العنف التي يتعرض لها الأطفال في ظل الاحتلال، كإطلاق النار والضرب المبرح وتكسير
العظام والغازات المسيلة للدموع، وضآلة الخدمات الصحية، والحرمان من الدراسة،
والمداهمات الليلية، والاعتقالات العشوائية، والتهديد الدائم، والتشويهات الجسدية،
والإعاقات الدائمة؛ كل ذلك أدى إلى إصابة الأطفال بحالة عدم استقرار نفسي، وإلى
سيطرة أجواء القلق والروح العدوانية في التصرفات بسبب مشاهداتهم المستمرة لأعمال
العنف ومعايشتهم لها. وحتى الألعاب التي يمارسها الأطفال فقد تغيرت كثيرًا في
طبيعتها وشكلها بعد قيام الانتفاضة، حيث أخذت أشكالًا منسجمة مع مظاهر وظروف
المعيشة اليومية.
إضافة
إلى ذلك، فإن هناك ظاهرة خطيرة أفرزتها ظروف الاحتلال، وهي ظاهرة ارتفاع نسبة
تشغيل الأحداث الفلسطينيين في الاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث تبلغ تلك النسبة حوالي ٢٪
من إجمالي العمالة الفلسطينية كاملة، وهم يشكلون حوالي ٢٣٪ من مجموع الأطفال
الفلسطينيين في الفئة العمرية (١٢-١٤) سنة، أي إن ربع الأطفال الفلسطينيين في هذه
الفئة العمرية يعملون في الاقتصاد الإسرائيلي. وهم يعملون ١٢ ساعة يوميًا،
ويتقاضون أقل من نصف أجر العامل الفلسطيني في الاقتصاد الإسرائيلي.
وقد
أدت هذه الظاهرة (ظاهرة تشغيل الأحداث) إلى مجموعة من النتائج الخطيرة جدًا، والتي
أهمها:
١-
إضعاف المستوى التعليمي للأجيال القادمة وزيادة نسبة الأمية في المجتمع الفلسطيني.
٢-
انحلال القيم الاجتماعية والأخلاقية، وانتشار المخدرات والأمراض النفسية والجنسية.
٣-
استغلال أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لهؤلاء الأحداث ومحاولة تجنيدهم كعملاء.
٤-
إعادة صياغة الشخصية الفلسطينية وفق الإرادة الإسرائيلية وتعميم الثقافة والأفكار
الإسرائيلية في المجتمع الفلسطيني.
الأوضاع التعليمية
يتلقى
الأطفال الفلسطينيون في الأراضي المحتلة تعليمهم من خلال ثلاثة أشكال من المدارس:
١-
المدارس الحكومية، وهي تخضع لسيطرة سلطات الاحتلال منذ عام ١٩٦٧.
٢-
مدارس وكالة الغوث «الأونروا».
٣-
المدارس الخاصة التي تُدار من قبل مؤسسات أهلية وأجنبية.
أما
بالنسبة للأبنية المدرسية، فإن عددًا كبيرًا منها معرض للسقوط والانهيار؛ حيث إن
معظم الأبنية التي تم إنشاؤها بعد عام ١٩٦٧ قد جاءت بمبادرة من الأهالي وعلى
حسابهم، ومن خلال المساعدات التي يتلقونها من مصادر عربية في الخارج. وتجدر
الإشارة إلى أن الأبنية المدرسية والغرف الصفية لا تتوافر بالعدد الكافي الذي يغطي
حاجة الطلبة، فمعدل عدد طلاب الصف الواحد يزيد عن (٤٠-٥٠) طالبًا لكل غرفة صفية.
وتسعى
سلطات الاحتلال إلى ربط التعليم النظامي ومؤسساته الخاصة في الضفة والقطاع بالكيان
الصهيوني، لخدمة أهدافها السياسية، فهي تسعى إلى إيجاد جيل مستعد للتعايش مع
إسرائيل، ومتحرر من الارتباط بالأرض الفلسطينية، وذلك بإلغاء تدريس موضوع القضية
الفلسطينية في كتب الاجتماعيات واللغة العربية والتربية الإسلامية، وحذف جميع ما يذكر
الإنسان الفلسطيني بتاريخه.
وضمن
سياساتها الرامية إلى تجهيل الفلسطينيين وزيادة نسبة الأمية، فقد لجأت سلطات
الاحتلال منذ بداية الانتفاضة إلى إغلاق جميع المدارس دون استثناء، بحجة أنها تمثل
مراكز للمظاهرات وأعمال مقاومة الاحتلال.
وقد
استمرت عمليات الإغلاق تلك بشكل شامل ومنظم فترة طويلة زادت على ١٨ شهرًا منذ
بداية الانتفاضة، وبعد ذلك أصبحت أوامر الإغلاق تصدر بشكل فردي. وقد تضرر من
عمليات الإغلاق ما يزيد على نصف مليون طالب يشكل الأطفال نسبة ٧٠٪ منهم.
ولمقاومة
سياسة التجهيل المتمثلة في إغلاق المدارس لدفع الطلبة إلى ترك الدراسة والتسرب
بأكبر عدد ممكن، فقد لجأ الفلسطينيون إلى إيجاد بديل للمدارس النظامية من خلال
تنظيم عملية التعليم الشعبي.
غير
أن سلطات الاحتلال عملت على محاربة هذه الفكرة من خلال اعتقال المدرسين المشرفين
على تلك الفكرة وفصلهم من وظائفهم، وإغلاق الأمكنة التي استخدمت كمدارس للتعليم
الشعبي.
وقد
رد أحد أطفال الضفة على سؤال حول أسباب قيام السلطات الإسرائيلية بإغلاق المدارس
الفلسطينية، بقوله: «إن إسرائيل تريد أن تبقي الفلسطينيين أميين وجهلة.. إن
الإسرائيليين يريدون جعلنا أغبياء».
الأوضاع الصحية
شهد
قطاع الخدمات الصحية خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي انخفاضًا حادًّا في مستوى
الخدمات الصحية، سواء كان ذلك بالنسبة لأعداد المستشفيات والأسرة، أو بالنسبة لحجم
الميزانية المقررة لتغطية الخدمات الصحية للسكان، وقد أدى الوضع السابق إلى
ارتفاع متزايد في عدد المرضى.
وفي
ظل الانتفاضة، فقد تفاقمت الأوضاع الصحية، بشكل أدى إلى تردي الأوضاع الصحية بشكل لم
يسبق له مثيل، حيث تقوم الأنظمة والقوانين الصحية التي فرضتها سلطات الاحتلال
الإسرائيلي على أساس التفرقة وعدم ضمان توفير الخدمات الصحية كاملة وبطريقة سليمة
للفلسطينيين. وقد أصدرت السلطات الإسرائيلية مع بداية الانتفاضة أوامر قلصت
بموجبها خدمات المستشفيات الحكومية في الضفة الغربية، وأوقفت تحويل رسوم معالجة
المواطنين الفلسطينيين الذين يتلقون علاجًا في المستشفيات الإسرائيلية. كما أصدرت
قرارًا آخر يقضي بزيادة رسوم العلاج في المستشفيات والدوائر الصحية الحكومية في
الأراضي المحتلة بنسبة ٧٠٪ لحالات الولادة.
كما
قرر «المجلس الإسرائيلي لصحة الطفل» منع تحويل الأطفال الفلسطينيين المرضى الذين
يعانون أمراضًا خطيرة «كالسرطان والشلل والكلى»، ويحتاجون إلى علاج للبقاء على قيد
الحياة، إلى المستشفيات الإسرائيلية. وقد أكد أطباء إسرائيليون في مؤتمر صحفي
عقدوه في ١/١/١٩٨٩ تدني مستوى العناية الطبية في الأراضي المحتلة، وأشاروا إلى أن
عدد الوفيات بين مواليد العام الأول من أعمارهم وصلت إلى ٧٠ في الألف من نسبة
المواليد، أما نسبة وفيات الأطفال الرضع فتصل إلى حوالي ٣٠ في الألف من المواليد.
أما
بالنسبة إلى عدد حالات القتل والإصابات في صفوف الأطفال (ما دون ١٦ سنة) في
فعاليات الانتفاضة، فقد بلغ عدد الأطفال الشهداء خلال الفترة ما بين ٧/١٢/١٩٨٧
وحتى ٣٠/١/١٩٩٠ (٣٠٣) أطفال، من أصل (١٣٣٩) المجموع العام للشهداء، وبنسبة تصل
حوالي ٢٢.٧٪. والجدولان التاليان يوضحان عدد الأطفال الشهداء خلال أربع سنوات
للانتفاضة ونسبتهم من المجموع الكلي للشهداء، وعدد الإصابات خلال السنتين الأوليين
للانتفاضة وأسباب تلك الإصابات:
الجدول
(١) يوضح تقديرًا لعدد الأطفال الفلسطينيين حتى عام ١٩٩٠
|
مكان
الإقامة |
١٩٧٩ |
١٩٨٢ |
١٩٩٠ |
|
الضفة
الغربية |
٣٤٧٤٣٢ |
٣٩٢٢٢٠ |
٤٥٠٠٠٠ |
|
قطاع
غزة |
١٨٦٧٥٠ |
٢١٤٣٣٥ |
٢٤٧٥٠٠ |
|
فلسطينيو
١٩٤٨ |
٢٧٤٧٤٥ |
٢٥٨٨٦٦ |
٣٣٧٥٠٠ |
|
الأردن |
٥٠٧١٧٩ |
٥٣٥٣٢٠ |
٥٦٢٥٠٠ |
|
سوريا |
٩٣٨٤٢ |
١٠٣٤٣٧ |
١٣٥٠٠٠ |
|
لبنان |
١٥١٣٢٩ |
٢٢٣٧٥٨ |
٢٧٤٥٠٠ |
|
الكويت |
١١٦٧٣٣ |
١٣٨٦٧٩ |
١٥٧٥٠٠ |
|
باقي
الدول العربية |
١٧٠٩٦٢ |
١٥٥١٤١ |
٢٠٩٢٥٠ |
|
الدول
الأجنبية |
٨٥٥٠ |
١١٣٣٢١ |
١٢٦٠٠٠ |
|
الإجمالي |
١٩٣٤٤٧٢ |
٢١٣٥٠٧٧ |
٢٢٤٩٧٥٠ |
الجدول
(٢) عدد ونسبة الشهداء الأطفال ما دون ١٦ سنة من ٧/١٢/٨٧- ٣٠/٦/٩١
|
السنة
الأولى |
السنة
الثانية |
السنة
الثالثة |
السنة
الرابعة حتى ٩١/٦/٣٠ |
المجموع
العام |
|
|
المجموع
العام للشهداء |
٥٤٠ |
٤٣٠ |
٢٦٥ |
١٠٤ |
١٣٣٩ |
|
مجموع
الأطفال الشهداء |
١٢٣ |
٩٨ |
٦٠ |
٢٣ |
٣٠٣ |
|
النسبة
المئوية من المجموع العام |
٢٢,٧٧٪ |
٢٢,٧٩٪ |
٢٢,٦٤٪ |
٢٢,١١٪ |
٢٢,٧٪ |
الجدول
(٣) إصابات الأطفال خلال السنتين الأوليين من الانتفاضة
|
السبب |
عدد
المصابين |
النسبة
المئوية |
|
الضرب |
٢٩٦١٠ |
٤٧٪ |
|
الغازات |
١٣٢٣٠ |
٢١٪ |
|
العيارات
النارية |
١٣٨٦٠ |
٢٢٪ |
|
غيرها |
٦٣٠٠ |
١٠٪ |
|
الإجمالي |
٦٣٠٠٠ |
١٠٠٪ |
من
الاستعراض السابق للأوضاع النفسية والاجتماعية والصحية والتعليمية، ندرك حجم
المعاناة التي يتعرض لها الطفل الفلسطيني، فهو يعاني من حالة القلق وعدم الاستقرار
النفسي والاجتماعي، وسوء الأوضاع الاقتصادية، وانتشار الفقر والأمية والأوبئة،
بسبب القمع والانتهاكات الإسرائيلية والسياسات الصهيونية الرامية إلى تجهيل
الفلسطينيين وزيادة نسبة تفشي الفقر والمرض في صفوفهم؛ لدفعهم إلى الهجرة خارج
وطنهم، أو الخضوع والرضوخ لإرادة سلطات الاحتلال.
ولذلك،
فلا بد من التأكيد على ضرورة العمل الفاعل والجاد لمعالجة الآثار السلبية الناجمة
عن الممارسات الإسرائيلية التعسفية ضد الأطفال الفلسطينيين.
كما
لا بد من الإشارة إلى أن أعمال العنف التي ترتكبها سلطات الاحتلال وانعكاساتها على
الأطفال تؤدي في المحصلة إلى تعميق التناقض، وتزيد في حدة الصراع لديهم ضد
الاحتلال.