العنوان الطفل في الغرب بضاعة نادرة
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-مارس-1993
مشاهدات 61
نشر في العدد 1041
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 09-مارس-1993
من
مفارقات هذا القرن أنه بقدر ما تطورت العلوم والمعارف وتقاربت المجتمعات ونضج
العقل البشري في حقل التجارب، بقدر ما تفككت الأواصر العائلية واختلت العلاقات
البشرية وترسخت العقلية المادية إلى حد اضطراب الموازين والقيم والمقاييس الجوهرية
لاستمرارية الحياة.
ومن
الأمثلة الصارخة الأوضاع التي يعيشها الأطفال والشباب في عصرنا الحاضر، بحيث تحول
الطفل من أمانة إلهية عنوانها البراءة والخير وفي حاجة إلى صيانة ورفق وحنان، إلى
أداة من أدوات الدورة الاقتصادية العالمية والمحلية، رائجة سوقها لسهولة اقتنائها
واستغلالها وتوظيفها.
فالأطفال
إما أنهم بضاعة نادرة كما هو الحال في المجتمعات الغربية، أو أنهم عبء ثقيل في
المجتمعات المتخلفة اقتصاديًا بحيث يكون الشارع ملجأهم الوحيد، أو أنهم كنز مفرط
فيه كما هو حال المجتمعات الإسلامية، حيث تغيب المنهجية التربوية السليمة لبناء
شباب المستقبل ولَبِنات الصحوة الإسلامية، في ظل تقليد الآخر بدون مراعاة الهوية
الحضارية.
ونظرًا
لأهمية هذا الموضوع التقت «المجتمع» في باريس السيد جون دالاي - JEAN
DALLAIS مدير البرامج بالمنظمة غير الحكومية «العمل
الدولي من أجل حقوق الطفل»، والذي تحدث عن اختلال العلاقة في عالمنا اليوم بين
الطفل والكهل بسبب طغيان النزعة المصلحية ورهنها باسم التفكير في مصلحته. وإليكم
نص المقابلة:
المجتمع:
ما أهم المعضلات التي تواجه الطفل اليوم والتي شدت انتباهكم في إطار نضالكم من
أجل حقوق الطفل؟
الأحداث
تحت أسماء متعددة مثل «مؤسسة العيش الكريم للأحداث» بالبرازيل، أو مركز استقبال
الشباب في مانيلا، وهي مؤسسات تابعة لوزارات العمل الاجتماعي، ولكنها في الواقع
أسوأ من السجون، ويقبع داخلها أطفال في ظروف قاسية، كما نفعل نحن في الغرب عندما
نجمع الكلاب في أماكن خاصة، الشيء الذي يطرح مشاكل عديدة مثل إيجاد عقدة الذنب لدى
الطفل حيث يشعر بأنه مهمل، بالإضافة إلى شعور النقمة على الكبار نظرًا للمعاملة
العنيفة المسلطة على الأطفال المسجونين من طرف سجانيهم الذين يستغلون هؤلاء
الأطفال للترويح عن أنفسهم. كما أن الحبس لا يحل المشكلة، إذ عادة ما يكون فرصة
لتدريب الأطفال المحبوسين الجدد على الجريمة باحتكاكهم بآخرين يعملون في إطار
منظمات إجرامية، ويكون الحبس بذلك قد قضى على مصير هؤلاء الأطفال.
التعويض الاقتصادي
المجتمع:
هل يمكن من خلال تجاربكم.. رسم معالم لوضع الطفل في أهم الفضاءات الحضارية في
العالم وبالخصوص في المجتمعات الغربية؟
دالاي:
هناك أوضاع مختلفة حسب البلدان، فلا يمكن رسم مناخ اجتماعي وأخلاقي للطفل.
ففي
مجتمعات مثل مجتمعاتنا الغربية أو في الصين -حيث يوجد عدد قليل من الأطفال- يعتبر
الطفل مادة محبوبة مصانة ومستعملة اقتصاديًا أيضًا، باعتبار الطفل طاقة شرائية.
ولكن
في المجتمعات الغربية، لا يعطي الأولياء وقتًا طويلًا لأبنائهم، فإذا كان الطفل
يتمتع بظروف معيشية مقبولة على المستوى الاقتصادي عمومًا، فإنه يترك لشأنه مادام
الأب والأم يشتغلان. ولهذا فإن الأسرة الأوروبية تقوم بالتعويض الاقتصادي على
النقص العاطفي. ولا ننسى أن السبب الأول للوفيات في مجتمعنا يرجع إلى وفيات
الأحداث عن طريق الانتحار، فلا يمكن التفاؤل حول طبيعة مجتمعاتنا وعن طبيعة
الوسائل والطرق التي تستعملها «لحماية الطفل». وفيما يتعلق بمسألة التعويض
الاقتصادي، فهذا يعني أن الوالدين يرجعان إلى البيت متعبين ومرهقين بسبب العمل
والنقل الذي يستهلك كثيرًا من الوقت على حساب الاهتمام بالأطفال، لذلك فهما يفضلان
تعويض هذا النقص العاطفي بتقديم لعب إلكترونية، أو مشاركة أبنائهما في أنشطة
مختلفة، أو دفع معلوم الدخول إلى السينما، وهكذا يجد الطفل نفسه بلا مرجع أبوي،
إلى جانب ارتفاع نسبة الطلاق للأسباب نفسها عمومًا، إذ تنعدم الحياة الزوجية
باهتمام كل طرف على حدة بعمله، ويفتقد الطفل بالتالي المرجع الأبوي وصورة الأب
التي يتعلق بها عند كبره.
أما
بالنسبة للصين، فهناك نفس المشكلة، إذ استوجب تحديد النسل أن تقوم الأسر الغنية
بحماية الطفل وتغذيته، إلى حد أن أطفال الأوساط المترفة أو المتوسطة مصابون
بالشراهة لأنهم تعودوا على عيشة مدللة.
الطفولة المعذبة
وما
يحصل في البلدان الأخرى هو العكس، حيث ترتبط مشكلة الطفولة بمشكلة كثرة الإنجاب
لأسباب دينية بالدرجة الأولى، حيث تمنع الديانات الكبرى استعمال وسائل منع الحمل،
بالإضافة إلى الأسباب السياسية خاصة في البلدان ذات التعددية الدينية، حيث يدفع
رجالات كل ديانة أتباعهم لإنجاب عدد أكبر من الأطفال لامتلاك قوة سياسية. وينطبق
هذا الأمر على الهند مثلًا، ففي هذا البلد يكثر عدد الأطفال المشردين من أوساط
فقيرة، من بينهم عدد كبير من الفتيات.
والملاحظ
أنه في العديد من البلدان ذات النسبة الكبيرة من الأطفال المشردين يُصاب هؤلاء
بنسبة ٥٠ أو ٧٠٪ بالأمراض الجنسية وتحديدًا مرض الإيدز، وهم يمثلون قنبلة موقوتة
على المدى القريب بالنسبة لهذه البلدان العاجزة عن حماية نفسها من هذه الأمراض، ونتساءل:
هل أن هؤلاء الأطفال سيقضون باقي عمرهم عند الكبر في معسكرات أو أماكن خاصة نظرًا
لغياب الحلول لمشاكلهم؟
والنتيجة،
هناك بلدان كثيرة الأطفال، ويعيش هؤلاء وضعًا مأساويًا، وأخرى يكون الطفل فيها تحت
الرعاية المفرطة.
والحل
هو احترام الطفل بوصفه إنسانًا، وبنفس الحجم الذي نريد أن يحترمنا الناس به،
وتكليفه عند الشباب بالمسؤوليات في إطار مؤهلاته. فالرعاية المفرطة أو غيابها لا
يحلان المشكل. وعلى هذا الأساس الأيديولوجي يجب اعتبار الطفل قادرًا على بلورة
تصوراته حول طريقة عيشه وطموحاته، وعدم الوصاية باسم «الحفاظ على مصلحته». فيمكن
حبس الطفل في بيت وإغراقه باللعب وتبرير ذلك بالعمل من أجل عيشة كريمة له وسعادته،
وأنا أشك في ذلك. والأفضل ضمان حرية التفكير والتعبير للطفل، والسعي إلى تمكينه من
مجاورة الآخر والتعايش معه وفهم الحضارات والأيديولوجيات المختلفة؛ ليتدرب على
احترام الآخرين مهما كان اختلاف انتماءاتهم الفكرية والحضارية. فالكهل مسؤول في
بعض الأحيان عن نمو نزعة عدم التسامح بتلقين الطفل شعور الكراهية والعداء نحو
الآخر.
عبودية الأطفال
المجتمع:
لقد ركزتم في تحليل أوضاع الطفل في العالم على أهمية العامل الاقتصادي، ألا
تعتقدون أن العامل الأيديولوجي أو الحضاري-الثقافي هو المحدد الأساسي من حيث
التصورات والرؤى وفلسفة الإنسان؟
دالاي:
بالنسبة لترجيح العامل الاقتصادي أو الثقافي، نلاحظ من خلال تجربتنا أنه عندما
نذهب إلى القرى، سواء في شمال إفريقيا أو إندونيسيا أو الفلبين، يكون الطفل سعيدًا
ومنشرحًا لوجوده في أسرة متسامحة مهما كانت ديانتها، ولأنه يجد مكانه في القرية
حتى لو كان فقيرًا. أما في المدينة فإن الطفل يجد نفسه مستغلًا اقتصاديًا في
البداية ومهمشًا وغير محترم، خاصة في الأحزمة الفقيرة للمدن، حيث تضطر الأسر
المدقعة إلى إهمال أطفالها بسبب عدم القدرة على تحقيق لقمة العيش، إلى جانب فقدان
الأمل واللجوء إلى العنف. ونلاحظ اليوم ارتفاع ظاهرة عبودية الأطفال، أي بيعهم
كعبيد، بالإضافة إلى مئات الملايين من المحبوسين. ويمكن القول بأنه يوجد اليوم في
كل بلد زمرة من المنتفعين يتسببون بالتالي في مثل هذه الحالات.
المجتمع:
العقلية المادية هي أساس المشاكل إذن؟
دالاي:
بالفعل، هذا شكل من أشكال الاستغلال المرتبط بالمنفعة الآنية فقط. وحسب تجاربي
ومعايشتي لكل الأوضاع من الأطفال المشردين المنتمين إلى العائلات الفقيرة إلى
أطفال العائلات الميسورة، تبينت بأن هذه الأخيرة حتى وإن كانت تحمل أيديولوجية
صحيحة، فإنها لا تنزلها على مستوى الممارسة، وهذا شكل من أشكال الهيمنة حسب رأيي.
المجتمع:
هناك ظاهرة خطيرة في اتساع مطّرد تتمثل في استغلال الأطفال في إطار ما يطلق
عليه «تجارة الأعضاء»، كيف تفسر هذه الظاهرة في نهاية القرن العشرين؟
دالاي:
صحيح، هناك اليوم شكل جديد لاستغلال الأطفال وحتى الكهول يتمثل في أخذ أعضائهم
لزرعها في أجسام أبناء الأغنياء، إذ إن ندرة المتبرعين بأعضائهم للأطفال قد فتح أسواقًا
لبيع الأطفال تحت ذريعة التبني، وذلك في إطار منظمات لبيع الأعضاء مثل العينين
والكبد والكلى، بدوافع اقتصادية وتجارية، وهذه السوق يصعب مراقبتها.
وبالطبع،
من يقوم على مثل هذه الممارسات أناس أثرياء ويركبون المخاطر؛ لأن التجارة في هذا
الميدان باهظة الثمن، وقد انتشرت في البداية في أمريكا والمكسيك، وكل ما نقوله إن
هذه الظاهرة تنمو اليوم بسرعة مع الأسف.
اختلال علاقة الطفل بالكهل
المجتمع:
ظاهرة أخرى تتمثل في استعمال الأطفال في الإشهار في الإعلام المرئي بالخصوص..
ما هو تقييمكم لهذه الظاهرة، هل هي علامة تحضر وتقدم أم أنها شكل من أشكال
الاستغلال أيضًا؟
دالاي:
كما أشرت في حديثي فإن الطفل عندنا يمثل قيمة اقتصادية، فالوالدان يعوضان نقص
العناية بأبنائهم بإعطائهم النقود، مما يجعل الطفل قوة شرائية، ويلعب الإشهار على
هذا الجانب من أجل جلب هذه الطاقة النقدية الهامة بتقديم منتجات تربوية وترفيهية
مناسبة لأذواق الأطفال والشباب.
المجتمع:
ما مدى نجاعة الاتفاقية الدولية للطفل في تحسين وضعه على المستوى العملي؟
دالاي:
أعتقد أن أغلب الدول التي وقعت الاتفاقية ليست مؤهلة لتطبيقها، بل أتساءل عن مدى
رغبة بعضها في مسألة التطبيق، خاصة إذا لاحظنا وضع الطفل الرديء في عدد منها.
بالطبع يبقى النص ضروريًا كمرجع، ولكن الأهم هو الحضور الميداني والاتصال بهؤلاء
الأطفال والشباب من طرف الكهول حتى لا يتم استغلالهم.
المجتمع:
بخصوص الحضور الميداني لإنقاذ الأطفال، أبرزت الحرب في يوغسلافيا التناقض
الخادع بين المبادئ المتفق عليها في الاتفاقية والواقع اليومي في البوسنة والهرسك،
كيف تفسرون التردد في التدخل في هذه الحرب لإنقاذ الأرواح على الأقل على المستوى
الإنساني؟
دالاي: تنص هذه الاتفاقية على عدم حشر الأطفال في المعارك، ونلاحظ أنه في كل المعارك العسكرية يتم استخدام الأطفال، كما هو الحال في الحرب العراقية-الإيرانية أو على مستوى حرب العصابات. وفي يوغسلافيا فإن الطفل يستخدم أو يكون ضحية، وهذا دليل آخر على أن الكهل مهتم أكثر بمشاكله من مشاكل الطفولة، ولم يأخذ بعين الاعتبار حاجيات الطفل، كما تشهد بذلك عمليات الإجلاء في ظروف صعبة، وعادة ما يستخدم الجيش المدنيين كورقة تبادل نقدي.
واقرأ أيضًا: