العنوان الطفل والمرأة في الإسلام «٥»- مشاركة المرأة في الحياة العامة
الكاتب أ. د. أحمد علي الإمام
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2008
مشاهدات 68
نشر في العدد 1813
نشر في الصفحة 50
السبت 02-أغسطس-2008
- المرأة المسلمة سبقت الرجال في الاستجابة لدعوة الإسلام
- شاركت بفاعلية في الهجرة والدعوة والجهاد في سبيل الله
- أعطاها الإسلام شرف هويتها بانتسابها إلى أبيها دون زوجها
- كانت المرأة في الجاهلية محرومة من الاستقلال بمالها فأعطاها الإسلام الولاية عليه
- حافظ الإسلام على كيان الأسرة بينما تعمد الصكوك الدولية إلى تقويضها بإباحة أشكال شاذة للأسرة وللعلاقة الزوجية
إذا تناولنا مشاركة المرأة في الحياة العامة منذ فجر الإسلام فسنجدها بلغت شأوًا بعيدًا، من حيث تحمل المسؤوليات الجسام في أخطر المهام، ومنها: الدعوة الهجرة،الجهاد، الشهادة، الشورى، البيعة، الإجارة، الإدارة المهنة، الولاية على المال، ونجدها قد أدت تلك المسؤوليات خير أداء، وذلك مما يمكن أن تقاس عليه مشاركة المرأة المسلمة في الحياة العامة وفق أحكام الشرع وآدابه ويمكن الإشارة إلى عدة أمور في هذا المجال منها:
«۱» سبقت المرأة المسلمة الرجال في الاستجابة لدعوة الإسلام، فالسيدة خديجة رضي الله عنها، كانت أول المؤمنين قال عنها النبي ﷺ: قد آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء «۱»، بل إنها طمأنته على صدق نبوته ثم آزرته ونصرته، ومن عظمتها الدالة على الإدراك الباكر لحقائق الدين أنها استدلت للنبي ﷺ على نزول الوحي عليه والعناية الإلهية به، بتخلقه بمكارم الأخلاق لقولها: «إن الله ليس بمخزيك فإنك تحمل الكَلَّ وتكرم الضيف، وتعين على نوائب الحق»، بينما استدل ورقة بن نوفل على صدق النبوة بظاهرة الوحي نفسها بقوله: إن هذا هو الناموس الذي كان ينزل على موسى.
«۲» والسيدة أم الخير والدة أبي بكر الصديق سبقت إلى الإسلام أولادها الذكور الآخرين، وزوجها أبا قحافة.
- وسبقت السيدة أسماء بنت أبي بكر الصديق جميع إخوتها الذكور، وجدها أبا قحافة إلى اعتناق الإسلام.
- والسيدة فاطمة بنت الخطاب سبقت جميع أهلها وإخوتها حتى سيدنا عمر بن الخطاب إلى الإسلام.
- والسيدة سودة بنت زمعة العامرية سبقت جميع قومها للإسلام.
«۳» وسبقت السيدة سمية بنت خياط الرجال في الشهادة ثباتًا على الإسلام، حيث أبت مجرد التلفظ بكلمة الكفر.
«٤» وشاركت النساء الرجال في الهجرة إلى الحبشة فبلغن اثنتين وعشرين مهاجرة
«٥» وكانت أم شريك تدعو نساء قريش سرًا إلى الإسلام، وعُذبت فلم تلن لها قناة، وقد حملت السيدتان: المهاجرتان: نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو الدعوة بالمدينة قبل الهجرة النبوية: إذ كانتا ممن بايع الرسول قبل الهجرة.
«6» وتفوقت المرأة المسلمة في ميدان الجهاد ومنهن: صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة المازنية، وأم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب.
- وصفية بنت عبدالمطلب نازلت يهوديًا في غزوة الخندق وصرعته، ونسيبة بنت كعب «أم عمارة» قاتلت دفاعًا عن النبي ﷺ في غزوة أحد حتى أصيبت بعدة جروح بالغة وقال عنها النبي ﷺ: «ما التفت يمينًا ولا شمالًا إلا رأيت نسيبة تقاتل دوني».
«۷» وقد كانت بيعة الإسلام للنساء قبل الرجال.
«۸» وكانت المرأة في الجاهلية محرومة من الاستقلال بمالها، فأعطاها الإسلام الولاية على مالها.
«۹» وكانوا في الجاهلية لا يأتمنون النساء على سر، فأتمنهن الإسلام على أخطر الأسرار، فحفظنها، ومن ذلك حفظ السيدة أسماء بنت أبي بكر لسر الاختباء في الهجرة بغار ثور.
«١٠» كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يستشير الشفَّاء بنت عبد الله، وسمراء بنت نهيك، وقد بلغت ثقته بهما أن ولاهما منصب الحسبة على سوق المدينة.
«۱۱» وقد جادلت السيدة خولة بنت حكيم الرسول ﷺ في «الظهار»، فاستمع إليها، وقد نزلت في مجادلتها ومحاورتها سورة المجادلة، وسميت بالمجادلة التي جرت.
«۱۲» وروت المرأة المسلمة الحديث النبوي، ولم يتهم علماء «الجرح والتعديل» أيًا منهن برواية كاذبة، مثلما اتهم رواة كثيرون من الرجال (۲).
«۱۳» السيدة رفيدة الأنصارية، والسيدة كعيبة بنت سعد الأسلمية، كانت لهما خيمتان في المسجد لعلاج المرضى والجرحى من الرجال والنساء.
«١٤» وسلامة بنت الحر كانت تمارس رعي الغنم
«١٥» والسيدة أم هانئ بنت أبي طالب أعطاها النبي حق الإجارة: «لقد أجرنا من أجرت»، وأعطى هذا الحق أيضًا للسيدة أم حكيم بنت الحارث بن هشام.
«١٦» وأعطاها الإسلام شرف هويتها بانتسابها إلى أبيها دون زوجها فاطمة بنت محمد، عائشة بنت أبي بكر الصديق وحفصة بنت عمر، مما لا تزال المرأة الغربية محرومة منه.
«۱۷» وفي بيعة العقبة الثانية وهي بيعة سياسية حربية شاركت الرجال سيدتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة، وأسماء بنت عمرو «أم منيع» والدة الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضى الله عنه.
«۱۸» وبايع الرسول ﷺ النساء المشاركات للرجال في بيعة العقبة الثانية، بايعهن منفردات ومنهن السيدة أم كلثوم بنت عقبة، والسيدة الشفاء بنت عبدالله، والسيدة أسماء بنت يزيد، وأم سنان الأسلمية (۳)
«۱۹» وعمل الرسول ﷺ بمشورة زوجه أم سلمة في صلح الحديبية.
«۲۰» والسيدة أسماء بنت يزيد الأنصارية كانت سفيرة النساء إلى رسول الله، وقد أعجب بمنطقها فقال لأصحابه: هل سمعتم مقال امرأة أحسن سؤالًا عن دينها من هذه؟ فأجابوا: لا يا رسول الله (٤)
«۲۱» والسيدة المسلمة التي لم تكد تسمع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه يضع للصداق حدًا حتى قالت له: ما جعل الله ذلك لك يا ابن الخطاب، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ (النساء:20) فقال عمر لأصحابه ألا تعجبون؟ أمير أخطأ وامرأة أصابت، حتى المرأة أفقه منك يا عمر.
- المقارنة مع الصكوك الدولية
التمييز واقع عمليًا على سائر الدول التي ليست عضوًا دائمًا في مجلس الأمن لمصلحة قلة قليلة من الدول دائمة العضوية في هذا المجلس، والتي تملك حق الاعتراض ما يعرف بحق النقض «الفيتو» على أي قرار دولي.. وهذه الحقوق التمييزية لهذه الدول اكتسبوها جراء الانتصار في الحرب العالمية الثانية على النازية والفاشية؛ فهي قد أبدت هذه الحقوق لنفسها كمكسب من مكاسب الحرب. ثم هي حقوق تمييزية تقوم على ما تمتلكه هذه الدول من قوة مادية عسكرية وصناعية وتكنولوجية وهي بذلك تخرق المبدأ الأساس «القوة للحق» بقانون الغابة «الحق للقوة».
وقد عبر الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضى الله عنه عن هذه القيمة العليا للإسلام بقوله في خطبة البيعة له بالخلافة: والضعيف عندي قوي حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه.
وهكذا تجيء حقوق الإنسان بمبدأ نظري في المساواة بين دول العالم في العلاقات الدولية، ولكنه مفرغ من المضمون في الواقع الدولي الراهن، هذا بينما الإسلام يعطي لهذا الحق في المساواة جذورًا في العقيدة وأصوله في الشريعة.
- تقويض الأسرة
ومن المفارقات أن تنص المادة «١٦» ج من اتفاقية «سيداو» على المبدأ البراق «الأسرة هي الخلية الطبيعية الأساسية في المجتمع، ولها حق التمتع بحماية المجتمع والدولة». بينما تعمد صكوك دولية أخرى على تقويض مؤسسة الأسرة، بإباحة أشكال شاذة للأسرة وللعلاقة الزوجية، ومن ذلك الزواج المثلي!
أما المادة «١٦» (أ) «للرجل والمرأة متى أدركا سن البلوغ حق التزوج وتأسيس أسرة، دون أي قيد بسبب العرق أو الجنسية أو الدين وهما متساويان في الحقوق لدى التزويج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله». فهي لم تراع أحكام الدين الإسلامي الذي يعتنقه حوالي ربع سكان الأرض، وهو لا يبيح زواج المسلمة بغير المسلم، ولا اعتبارات موضوعية تخدم مؤسسة الأسرة نفسها، فتقسيم الوظائف بين الزوجين الذي يعطي الزوج الرئاسة الإدارية «القوامة» لا يتأتى أداؤه من زوج كتابي؛ لأن هذه الرئاسة الإدارية تقتضي إعدادًا تربويًا خاصًا لا يهيئه إلا المنهج الإسلامي الذي يرفع حرمة الرابطة الزوجية لدى الزواج إلى مستوى الوفاء بالميثاق الغليظ يقرر على الزوج التفضل بالإحسان، وهو فوق العدل في معاملة زوجته كما أسلفنا.
هذا، فضلًا عما قد تحمله هذه الرئاسة الإدارية للزوج الكتابي من انتهاك الحرية الدينية لزوجته المسلمة المفترضة، بينما يضمن الإسلام للزوجة الكتابية كامل هذه الحقوق في الحرية الدينية، والمعاملة بالمرحمة والمودة من زوجها المسلم.
- الحرية الدينية
والمادة (۱۸): «لكل شخص الحق في حرية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه ومعتقده وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبد والشعائر والممارسة والتعليم بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ، أو على حدة» وقد رأينا القواعد التأصيلية للحرية الدينية، ومنها الحكمة الإلهية من اختلاف الأديان حتى يكون اختيار الدين بمحض المشيئة الحرة: ﴿لَاۤ إِكۡرَاهَ فِی ٱلدِّینِ﴾ (البقرة: ٢٥٦) وهذا لا يتناقض مع تحريم الردة عن الإسلام، فالإسلام لا يجبر أحدًا للدخول فيه؛ بل يدعو إلى اعتناقه عن إيمان صادق، ولذلك كان الارتداد عنه بمثابة سبة وهزء بالدين مما يتناقض مع حرمة الدين.
وتقول المادة (٢٦) ب (يجب أن تهدف التربية إلى إنماء شخصية الإنسان إنماء كاملًا)، وهذا لا يتحقق في ظل الثقافة العلمانية التي تسعى لإبعاد تأثير الدين على الحياة العامة، ذلك بأن إنماء الشخصية المتكاملة للإنسان لا يتأتى إلا بالعلم الذي يجمع بين القيم المادية والقيم الروحية في نسق تربوي واحد يشبع في الإنسان نزوعه الفطري إلى القيم الروحية جنبًا إلى جنب مع سد حاجاته المادية إلى حد الكفاية.
- واقع دولي
أما المادة (۲۸) التي تقول: «لكل فرد الحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان فهي تعبير إنشائي نظري لا يسنده الواقع الدولي، فكيف يمكن في ظل النظام الاقتصادي العالمي غير المتكافئ الذي ينقسم فيه العالم إلى شمال صناعي غني وجنوب نامٍ فقير، يستأثر فيه الأول «وهو يتكون من قلة من الدول» بكل مقومات التقدم وعلى حساب الثاني كيف لهذا النظام العالمي أن يتحقق في ظله للأفراد الحقوق والحريات المنصوص عليها في الإعلان في ظل هذا التمييز الدولي في السلطات والحريات والثروات؟
بل كيف تتحقق المادة (٢٥) (أ) «لكل شخص الحق في مستوى من المعيشة كاف للمحافظة على الصحة والرفاهية له ولأسرته.....» وذلك في ظل نظام اقتصادي عالمي غير متكافئ، بل وفي ظل عولمة جديدة للرأسمالية تجري فيها حرية التبادل الدولي الحر لغير مصلحة الدول النامية، ولغير مصلحة الطبقات الفقيرة في الدول النامية والصناعية معًا.
والنقد الأكبر الذي يوجه لحقوق الإنسان في الصكوك الدولية أنها قصرت اهتمامها بالحقوق الخاصة للأفراد دون الحقوق العامة للمجتمعات، ومن ذلك حقها في نظام اقتصادي عادل، متكافئ الفرص متوازن العلاقات التبادلية، أي أن نسق الحقوق في هذه الصكوك منقوص من حيث العدالة الشاملة، مما لا يحققه إلا الإسلام الذي يجعل العدل، وما هو فوق العدل من الإحسان أمرًا إلهيًا لا يكتمل تدين الأفراد والجماعات إلا به، قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَـٰنِ وَإِیتَاۤىِٕ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90)
- الهوامش
(1) مسند باقي، أحمد الإمام مسند الأنصار حديث رقم ۲۲۷۱۹
(۲) الحافظ الذهبي الميزان ٢٩٥/٢، وقد عد ابن سعد في الطبقات الكبرى نيف وسبعمائة من راويات الحديث.
(۳) الإصابة، ٢٧٥/٨ و ١٢٠/٧
(٤) صحيح مسلم، ونزهة الأبصار والأسماع، ٢٩.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل