; الطواغيت والأصنام التي حطمها الإسلام.. بين الماضي والحاضر.. | مجلة المجتمع

العنوان الطواغيت والأصنام التي حطمها الإسلام.. بين الماضي والحاضر..

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 27-فبراير-1979

مشاهدات 40

نشر في العدد 434

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 27-فبراير-1979

الإسلام يدعو إلى عبادة الله وحده والكفر بجميع الطواغيت

موضوع محاضرة ألقيت في ندوة نادي جامعة الكويت في يوم الجمعة – الموافق 2 ربيع الأول 1399هـ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أخوتي وأخواتي.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مفهوم الطواغيت والأوثان والإلهة:

لقد جاء الإسلام يدعو إلى عبادة الله وحده، ونبذ عبادة كل ما هو سواه من الأرباب المزيفين، فعنوان الإسلام تلك الكلمة الخالدة التي أفضل ما قاله محمد – صلى الله عليه وسلم – والنبيون من قبله «لا إله إلا الله» وهي إحدى كلمتي الشهادة في الإسلام، وقد أكد القرآن أن هذه هي دعوة الرسل جميعًا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء: 25)، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (سورة النحل: 36).. فهما معبودان لا ثالث لهما، إما الله وإما الطاغوت – فالطاغوت – كما يقول المفسرون –: هو كل ما عبد من دون الله.. كل ما يعبد من دون الله، ويتبع ويقدم له الولاء والطاعة في معصية الله – عز وجل –، ويصرف عن طريق الله هو طاغوت أو وثن أو إله يعبد من دون الله أو مع الله – سبحانه وتعالى – أي يشرك معه في العبادة، سواء أكان هذا المعبود تمثالًا أم كوكبًا أم نارًا أم حيوانًا كما هو في الوثنية التقليدية، أم كان من البشر أم من الجن،-فإبليس عليه لعنة الله على رأس قائمة الطواغيت – أم كان من العادات والتقاليد أم من الأفكار والمعتقدات والمبادئ... فكل هذه الأشياء التي تعبد من دون الله طواغيت وأصنام، وإن لم يسمها الناس أوثانًا أو آلهة، وإن لم يسموا ما يقدمونه لها عبادة أو شركا، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء.

أمثلة من القرآن والسنة لأنواع الطواغيت والشرك بالله:

ونظرًا لأهمية هذا الموضوع، حيث إنه يمس صميم العقيدة الإسلامية، فنحب توضيح هذا المفهوم بذكر بعض الأمثلة من القرآن والسنة.

  • الحكم بغير ما انزل الله:

أخرج الترمذي بإسناده عن عدي ابن حاتم – رضي الله عنه – وكان قد تنصر في الجاهلية، أنه دخل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم –، وهو يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة: 31)..، قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، فقال: «بلى.. إنهم حرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فاتبعوهم فذلك عبادتهم إياهم»؛ فمعنى هذا التفسير من الرسول – صلى الله عليه وسلم – لهذه الآية الكريمة أن الذي يُشرِّع للعباد تشريعًا مخالفًا لما جاء من عند الله – سبحانه وتعالى – قد اعتبر نفسه ربًا أو إلهًا مع الله – عزَّ وجل –، وأن الذين يتبعونه طواعية إنما يعبدونه ويتخذونه إلهًا من دون الله، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (سورة التوبة: 31). 

ورسالة الإسلام هي تحرير الناس كافة من كل عبودية لغير الله – عز وجل –. (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام).

  • الرياء:

لقد حارب الإسلام الشرك كله أكبره وأصغره.. جليه وخفيه؛ حتى رأينا الرسول – صلى الله عليه وسلم – يعد الرياء شركا فيقول: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء».. ويقول عليه الصلاة والسلام: اليسير من الرياء شرك (الحاكم)..

 وعن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: «قال رجل: يا رسول الله.. إني أقف المواقف أريد وجه الله وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا حتى نزلت الآية ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (سورة الكهف: 110). فاشترطت الآية لقبول أي عمل أن يكون عملًا صالحًا موافقًا للشرع، وأن يكون خالصًا لله – عز وجل – دون أي رياء أو شرك مع الله – عز وجل – أما إذا شاب العمل رياء فلا أجر ولا ثواب، لقوله – صلى الله عليه وسلم – أيضًا: «إذا جمع الله الأولين الآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله أحدًا، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك».

  • الحلف بغير الله:

ونهي الإسلام المسلم أن يحلف بغير الله تعالى، لأن في الحلف تعظيم وتقديس المحلوف به، ولا ينبغي أن يكون هذا التعظيم إلا للخالق – عزَّ وجل – فيقول النبي – صلى الله عليه وسلم –: «من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله» (النسائي)، ويقول: «من حلف بغير الله فقد أشرك». (الترمذي).

  • تقديس القبور وسؤال الموتى: 

والإسلام يعتبر تقديس المقابر والأضرحة ضربًا من الوثنية، وهذا ما جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – يدعو ربه «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد».. ومعلوم أن الصحابة – رضوان الله عليهم جميعًا – كانوا ينكرون كل ما قد يؤدي إلى تقديس مكان أو شيء من مخلوقات الله – عز وجل –، مثلًا كما أمر عمر رضي الله عنه بقطع الشجرة التي بايع تحتها الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي ورد ذكرها في القرآن: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (سورة الفتح: 18).. وفي كثير من البلاد الإسلامية الآن ما زال منتشرًا هذا النوع من الشرك بالله، عن طريق التمسُّح بقبور بعض الناس طلبًا للبركات، وسؤالهم – وهم الموتى – الشفاء من الأمراض والسعة في الرزق وطول الأجل، والوفاء بالنذور لغير الله – تعالى – عند هذه الأضرحة. 

  • اتِّباع الهوى:

وينبهنا القرآن إلى وثن أو إله يعبده كثير من البشر، ونعني به الهوى والشهوات ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ (سورة الجاثية: 23).. فمن يتبع هواه وشهواته، وكان هذا الهوى مخالفًا لما أمر به الله – عزَّ وجل –، فهو قد اتبع إلهًا من دون الله – سبحانه – وإن كان لا يسميه هو إلهًا، ولكن الله اعتبره إلهًا – وسيُسأل أمام الله – سبحانه وتعالى – عن هذا الشرك بالله ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ (سورة الفرقان: 43).

أخوتي وأخواتي... هذه بعض الأمثلة لصور مختلفة من الشرك بالله واتخاذ آلهة من دون الله – يُطلق عليها أيضًا الطواغيت والأوثان – غير الصورة التي يعرفها كثير من الناس، ويحصرون فيها الشرك بالله، وهي صورة الآلهة المجسمة – كالتمثال أو البقرة أو النار – التي تُقدَّم لها القرابين والصلوات، وتلتمس بين يديها المنافع والبركات، وهناك أمثلة أخرى للشرك بالله، ولكننا نكتفي بهذا القدر؛ لننتقل إلى عصرنا الحاضر، لنرى تطبيقًا للأمثلة التي ذكرناها، وصورًا أخرى للشرك بالله ظهرت بشكل أوضح في هذا الزمان الذي نعيش فيه.

  • الفن:

أما عن اتباع الهوى والشهوات، فأعتقد أنه من الوضوح بحيث إنه لا يحتاج إلى تفصيل، ويكفي مثلًا أن تفتح جهاز التلفزيون أو المذياع أو أن تطالع الصحف اليومية وملاحقها، لتجد هذا الإله متمثلًا في صنم أو وثن اسمه الفن يعبده كثير من الناس اليوم، وله عدة أوجه؛ هي الغناء الفاحش، والرقص الخليع، والتمثيل الهابط في المسرحيات والمسلسلات والأفلام التي تشغل الناس وتصرفهم عن طريق الله – عزَّ وجل – بما فيها من إباحية ومخالفة لآداب الإسلام، وأفكار منحرفة، وخلو من هدف نبيل، وتضييع للوقت ولفرائض الصلاة، فتجد الواحد يسهر إلى منتصف الليل أو بعد ذلك لمشاهدة هذا اللهو والعبث، ثم لا يستطيع أن يستيقظ لصلاة الفجر، تجد الشباب يحفظ أسماء من يسمون بالفنانين والفنانات من المغنيين والمغنيات والممثلين والممثلات الأحياء منهم والأموات، وتاريخ حياتهم، وقصص زواجهم وطلاقهم، وكأنهم قدوة حسنة لهذا الجيل الضائع.. تجد برامج تستغرق ساعات في التلفزيون والإذاعة، أو مقالات تشغل صفحات في الصحف والمجلات؛ يحكى فيها هؤلاء الآلهة (فأحدهم هو معبود الجماهير! أو معبودة الجماهير)، قصص حياتهم الفارغة، وكيف أنهم وصلوا للمجد المزعوم بعد كفاح طويل! وسهر لليالي طبعًا، ليس للتهجد وقيام الليل، وإنما في معصية الخالق – عزَّ وجل –، وهذه هي الدروس والمواعظ التي تُربى عليها صباح ومساء هذه الأمة المغلوبة على أمرها.. وإذا مات أحدهم فهو شهيد الفن! الذي تقام له الدنيا ولا تقعد، وتنظم له حفلات التأبين، التي يحضرها رجال الدولة، فهو فقيد الأمة الذي ضحى بحياته من أجلها! وتنشر عنه التحقيقات والمقالات، وهذا كله يؤدي بدوره إلى رفع مكانة هؤلاء الناس وتفخيمهم وتعظيمهم وتقديسهم في نفوس الناس وعلى الأخص الشباب، فنجد فتيات ينتحرن حزنًا على موت «العندليب والبلبل المغرد»، بينما إذا مات أحد دعاة الإسلام أو شنق، أو استشهد – كما حدث فعلًا مع بعض المجاهدين الحقيقيين في سبيل الله، وهم يذودون عن الإسلام في بلادهم؛ فلا يُذكر منهم شيئًا، وإن تكرم فينشر عنهم خبر بسيط في مكان مغمور، لا يأبه له أحد، وكأن الأمر لا يعنينا، حتى أصبح دم المسلمين من أرخص الدماء على وجه الأرض، بينما الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم».

وكما أن الأصنام والتماثيل المجسمة أنواع، حيث تجد فيها الأصنام العادية والأصنام العظيمة، كاللات والعزى والأصنام الجميلة المزخرفة، فكذلك أصنام الفن أنواع... هناك فنون عادية، وفنون تشكيلية، وفنون جميلة تنشأ لها كليات خاصة، يشتغل فيها بعض الطلاب برسم الصور العارية، وصناعة التماثيل التي حرمها الإسلام، حيث يقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – مثلًا: «أن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور» - أي يصنعون هذه التماثيل – وفي رواية «الذين يضاهون بخلق الله» (متفق عليه)..

 وهناك الفن القومي والفولكلور والفن الشعبي و.... أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وهي في حقيقتها رقص تبدي فيه العورات، ولا يحل للمسلم أن ينظر إليه، ومع ذلك فيدفع أحيانًا بسخاء من أموال المسلمين لاستقدام فرق رقص من الشرق والغرب، تحت أسماء هذه الفنون، لا لشيء إلا لإظهار العورات وإرضاء الشهوات واستجابة لنداء الشيطان ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (سورة الحجر: 39) ولا شك أن هذا اتباع للهوى وشرك بالله، وعلى كل فإن تسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية، قد أصبح من حيل هذا العصر، للتحايل على الحرام؛ حتى لا يبدو في صورته الكالحة المنفرة.

يتبع

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 42

98

الثلاثاء 05-يناير-1971

الجامعة والأساتذة الزائرون[1]

نشر في العدد 5

94

الثلاثاء 14-أبريل-1970

هل نستجيب؟