العنوان الطّاغية في القفص .. محاكمة صدام.. بين القضاء ورأي الشّارع
الكاتب محمد صادق أمين
تاريخ النشر الجمعة 16-يوليو-2004
مشاهدات 47
نشر في العدد 1609
نشر في الصفحة 18
الجمعة 16-يوليو-2004
استبعاد المُحاكمة العلنيّة تخوُّفاً من كشف تورِّط جهاتٍ عراقيَّةٍ أو أجنبيّةٍ في جرائمه بحقِّ الشّعب العراقيّ، والشُّعوبِ المجاورة:
في مقهى الزَّهاويّ بأحد شوارع بغداد العريقة هدأ الصَّخب للحظاتٍ إثرَ ظهور صُورِ الطَّاغية المخلوع «صدّام حسين» ماثلاً أمام القاضي سالم الجلبي (٤١ عاماً) بدأ صدّام الّذي ملأ الدُّنيا ضجيجاً، وأرهب الملايين بصوته وسطوته يقف في القفص مُتَّهمًا يَطلب منه القاضي بين الحين والحين أن يحفظ أدبَه، تراوحتْ ردود فعلرواد المَقهى بين شامِتٍ غاضبٍ، وساكتٍ واجمٍ، وغير مكترثٍ باللَّعن والشَّتم يُواصل إلقاء أحجار النرد. صورةٌ معبرةٌ تعكس ردود فعل الشَّارع العراقيّ المتبايِنة من الشَّمال إلى الجنوب تجاه هذه القضيَّة، ولا غرابةَ في الأمر لأنَّ واقع العراق الّذي خلَّفه صدَّام مُشتَّت مُمزَّق.
الأطراف السّياسيّة في العراق والّتي كانتْ أغلبها مُعارِضةً لنظام «صدَّام حسين»، وبعضها موجودٌ في الحكومة المُؤقَّتة بدتْ مرتاحةً لهذه المحاكمة على أنَّها بداية عصرٍ جديدٍ في عراقٍ أصبح في إمكانه محاكمة المسؤولين عن جرائمَ ارتكبوها باستغلال المناصب والسُّلطة، وأغلب الملفَّات الّتي قُدِّمتْ إلى المحكمة ضدّ صدَّام أعدَّتها الأحزاب والأطراف السّياسيّة الّتي كانتْ تُعارض حكمه، وهناك منظَّماتٍ إنسانيَّةٍ تشَّكلتْ بعد سقوط النِّظام أعدَّتْ ملفاتٍ أُخرى، وبعض هذه الملفات لم يُقدَّم بعد إلى المحكمة.
ويرى المراقبون أنَّ ما قُدِّم للمحكمة هي ملفاتٌ أَوليَّة ستعقبها أخرى بعضها خاصٌّ بحقِّ الإنسانيّة في العراق كجرائم شاملة وبعضها جرائمٌ شخصيَّة، خاصَّة أنّ وثائقٌ رسميّةٌ كثيرةٌ وقعت في أيْدي القوى العراقيَّة المختلفة بعد سقوط النّظام وانهيار مؤسّسات الدّولة، وهذه الوثائق قد تكون أدلّةً على بعض هذه الجرائم وقد تكون سببًا لاتّهام آخرين تعاوَنوا مع صدَّام، أو نفَّذوا جرائمه.
لذا يَتوقَّع هؤلاء أن تمتدّ المحاكمة لسنين طويلة ويخشى بعض المسؤولين في السُّلطة العراقيّة الآن من المحاكمة العلنيّة الّتي قد يكشف فيه صدَّام أوراقاً أراد أصحابها أن تَبقى سريّة وبالتَّالي تغيّر من مسار المحاكمة مستقبلاً، وفي لقاءٍ مع أحد الشخصيات الإسلاميّة رَفض ذكـر اسمه قال: إنه يستبعد المحاكمة العلنية لخشية هذه الأطراف من كشف تورّط جهاتٍ سواءعراقيّةٍ أو أجنبيّةٍ في جرائم صدَّام بحق الشّعب العراقيّ و الشّعوب المجاورة.
العراقيون يعبرون عن مشاعرهم تجاه المشهد.
علماء السنة: صدَّام ماضٍ كئيبٍ، والتخلّص من الاحتلال أهم.
الأكراد : الإعدام وحده لا يكفي.
حملةٌ صحفيّةٌ تشجّع ضحايا نظام صدَّام من الأكراد على.
تقديم ملفّاتِ، ووثائقَ الإدانة ضده.
الشّارع الكرديّ.
الوسط الكرديّ كان من أوَّل المهتمّين بهذه المحاكمة. فهم أحد ضحايا جرائم صدَّام، حيث تعِدّ المنظّمات الإنسانيّة ملفَّاتٍ جديدةً لتهمٍ أُخرى غير الثَّلاث الرئيسة «جريمة حلبجة، وفقد مصير ٥٠٠٠ بارزاني معتقل منذ ۱۹۸۳ وعمليّات الأنفال الشّاملة على كردستان العراق» منها حملة الإعدامات التي تمّت بدون محاكمات ضدّ الآلاف من الأكراد وعمليّات التّعذيب الّتي شملت المعتقلين الأكراد وهناك حملة صحفيّة تشجّع ضحايا نظام صدَّام من الأكراد أن يُقدِّموا ملفّاتِ ووثائقَ الإدانة ضدّه ورفاقه المعتقلين.
فأحد أهم مطالب أهالي حلبجة مثلاً هو إجراء جزء من محاكمة صدام في مدينتهم. وحضور أهالي الضّحايا، وذهب بعضهم إلي المطالبة بتسليمه إليهم كي ينتقموا هم لشهدائهم ولم يكن موقف الشّارع الكرديّ في المُدن الأخرى في العراق أقلّ من موقف أهالي حلبجة. ففي «دهوك» في أقصى الشّمال على الحدود التركيّة كان النَّاس متلهِّفين لهذه المحاكمة، واختلف الأهالي على الحكم الذي يستحقُّه صدَّام، فمنهم من قال يُقتَل فوراً وآخرٌ طالبَ بسجنه مدى الحياة ليندم على ما ارتكب من جرائم، وبعضهم قال: ليس هناك في الدُّنيا عقوبة تناسب جرائمه وفي مدينة أربيل قال أبو محمد وهو رجلٌ مسّن بانفعال: يجب ألّا يُحاكَم بهذا الأسلوب لأَنَّ هذا تكريمٌ له، فليطلقوا سراحه وليحاكمه الشّارع العراقيّ بمعرفته، وطالبَ آخرون أنْ تكون المحاكمة عادلةٌ ولا يحاكَم بالمِثل، فقد كان يعدم النّاس دون محاكمات ولكن الآن يجب أن يحاكموه بعدلٍ، وبوجود محامين يدافعون عنه . يقول دلشاد «۲۰ عاماً» فقد والدَيه بالضَّربة الكيماويّة ويعيش في السليمانيّة مكفولاً من عمّه الأكبر: إنّ محاكمة صدّام من الأمور الّتي أفرحتني كثيراً : لكن لا يطفئ النار التي في قلبي سوى أن أَقتُل صدّام بيدي.
الكاتب والصحفيّ الكرديّ أبو بكر من أهالي حلبجة فقد كل عائلته بالقصف ونجا لأنّه كان طالباً في كليّة الحقوق في جامعة الموصل حين حصلت الضّربة يقول: لا شكّ أنّ محاكمة صدَّام ستَعني الكثير لدى أهل حلبجة، ولكن ما يتردد هنا بين النَّاس أنَّ أهلنا قُتلوا بلا محاكمةٍ، ولا محامٍ، ولا قاضٍ، وبلا ذنبٍ. فلماذا يحظى صدَّام بكلِّ هذه الأمور وهو المجرم البائن جرمه؟! الأكراد الفيلّين « طائفةٌ من الأكراد ينتمون للمذهب الشيعيّ» لهم حكايةٌ فصولها دامية مع نظام صدَّام حسين، ففي يومٍ شتويٍّ قارسٍ اكتشف زبانية صدَّام أنَّ الأكراد الفيلّين ليسوا من أصولٍ عربيةٍ، بل هم من أصول فارسيّة ومع استعارِ الحرب مع الجارة إيران رأى صدَّام أنّهم خونةٌ، فقام بشحنهم في الشّاحنات العسكريّة إلى خارج ديارهم وأموالهم بملابس نومهم، وألقى بهم على الحدود الإيرانيّة، فأزهقتْ حقول الألغام أرواح المئات منهم، ومن نجا عاش لاجئاً في المخيّمات. وفي هذا الصّدد يقول النّاطق باسم المجلس العام للكرد الفيلّين: إننا نطالب باسم عائلات عشرات الآلاف من الكرد الفيلّين المُهجرين وعائلات عدّة آلافٍ من الشّباب الفيلّي المُغيّبين أن يضاف إلى قائمة الاتهام الموجَّهة إلى «صدَّام حسين» وإلى أركان نظامه تهمة المسؤوليّة عن الجرائم التّالية:
إسقاط الجنسيّة العراقيّة عن مئات الآلاف من الكرد الفيلّين العراقيّين والاستيلاء على كافّة وثائقهم الثبوتيّة بلا مُسوِّغٍ قانونيٍّ، وإصدار قراراتٍ عنصريَّةٍ ضدَّهم، الاستيلاء بدون وجه حقٍّ على الأملاك المنقولة وغير المنقولة لهم، ممَّا أدَّى إلى حرمانهم من العيش الكريم على مدى ٢٤ عاماً، ومازال عشرات الآلاف منهم يعانون من آثار هذه السِّياسة الإجراميَّة إلى اليوم ويعيشون في مخيَّمات اللَّاجئين في مختلف دول العالم.
اختفاء عدة آلاف من شبابهم منذ عام۱۹۸۰ بعد إلقاء القبض عليهم من قبل الأجهزة القمعية التّابعة لصدَّام وحزبه، علماً بأنَّ عدداً كبيراً منهم كان في معتقلاتٍ النّظام حتّى عام١٩٨٦م، وهناك براهينٌ كثيرةٌ، وأقوالٌ، وشهودٌ عَيانٌ تشير إلى أنَّ النِّظام استخدمهم في التَّجارب الكيميائيَّة الَّتي كان يقوم بها لمعرفة نتائج وتأثيرات أسلحة الدَّمار الشَّامل على البشر.
السُّنّة لا يكترثون:
وتتعدّد المواقف وردود الأفعال. فالإسلاميّون السُّنّة لا يكترثون بالأمر، ولا يَولونه أهمّيَّةً كبيرةً على اعتبار أنًّ صدَّام ماضٍ تركتْه ثقيلةٌ سوداء، قد مضى إلى غير رجعة، والمهمّ الآن هو العراق وكيفيّة الخروج من عنق الزّجاجة، والتخلّص من الاحتلال وبناء الوطن من جديد، فكم من أمثال صدَّام حكموا وذهبوا وبقي العراق حسب رأي الشِّيخ عبد السَّتَّار أحد أعضاء هيئة علماء السُّنَّة في الموصل.ويرى الدُّكتور هشام أستاذ اللُّغة العربيَّة في جامعة الموصل أنَّ محاكمة صدَّام أمرٌ عادلٌ، لأنَّه كان ظالماً لشعبه وجيرانه في كل شيءٍ، ولم يعدلْ إلَّا في توزيع الظُّلم على العراقيِّين بالتَّساوي، فلم ينجُ من ظلمه سُنِّيٌّ، ولاشيعيٌّ، ولا كرديٌّ، ولا عربيٌّ.
تباينٌ شيعيّ:
فيما تتباين مواقف الشّيعة بحسب تيّاراتهم ومرجعيّاتهم، فالتيَّار الصدريّ من المتحمّسين للمحاكمة ويطالب بعقوبة الإعدام كحدٍّ أدنَى، وفي هذا الصّدد قال الشيخ «أَوْس الخفاجينحن»: نعبّر عن رأي الصدريّين، وأبناء البلد عموماً نطالب بإعدام صدَّام الهَّدام، نُبارك الخطوة.
أمّا التَّيّار السِّيستانيّ، فيَرى ضرورة التَّركيز على الانتخابات أهمّ من المحاكمة، ويقول ممثّل آية الله «علي السّيستانيّ»: «ليس من الصّحيح أن ينشغل أبناء هذا الشّعب بهذه المحاكمة بحيث تصرفهم عن الاهتمامات الرئيسة وهي اختيار المجلس الوطنيّ أو مطالبة الحكومة المؤقّتة بالالتزام بالموعد المحدّد لإجراء الانتخابات بداية العام المقبل، إنَّ المحاكمة تُلبِّي بعض مطالب الشَّعب لكنَّها لا تُمثِّل كلَّ مطالبه وهي القضاء على الدكتاتوريَّة، وبناء حياةٍ جديدةٍ من خلال اختيار قيادةٍ مُنتخبَةٍ للبلاد. »
الإعلاميُّون لهم رأي:
سالم الحاجّ رئيس تحرير مجلة «الحوار» يرى أنّها محاكمةٌ لنظامٍ دكتاتوريٍّ فاشٍ اقترف الكثير من الجرائم بحقِّ شعبه وبحقِّ جيرانه، وهي لذلك محاكمةً عادلةً من حيث المبدأ، ولكن من المهمّ أن تكتسب عدالتها من حيث آلياتها، وقوانينها، والهيئة القائمة بها. كي لا تكون منفذاً آخرَ لشقّ صفوف وحدة الشّعب العراقيّ، ومن هنا أرى ضرورة التريّث في عقد هذه المحاكمة إلى ما بعد إجراء الانتخابات العامّة وتشكيل الحكومة البرلمانيّة المنتخَبة كي لا يُطعَن في نزاهة القضاء العراقيّ القائم بها. أمّا «حامد محمد علي» رئيس تحرير جريدة «يككرتو» الناطقة بالكرديّة والّتيتصدر في كردستان شمال العراق فيقول: «صدّام حسين كمتّهم بارتكاب جرائم حربٍ ضدَّ شعبه وجيرانه، وضدّ الإنسانيّة لا بُدّ أن يُحاكَم ولا بديلعن المحاكمة، وأرى أن تتمّ من قِبل هيئةٍ عراقيّةٍرصينةٍ، وبشكلٍ معلنٍ، وأعتقد أنّ الوقت مازال مبكِّراً عليها، فالأفضل أن تجري بعد الانتخابات واستقرار الأوضاع في العراق، فحين يقول القضاء العراقيّ كلمته ساعتها يكون الشّعب العراقيّ قد قال كلمته الفصل ويكون التّاريخ قد قال كلمته الفصل هو الآخر.وتبقى الشواهد خالدةً في ذاكرة الأيّام، فمشاهد حليجة ما زالت عالقةً في ذاكرة الإنسانيَّة، ومشاهد الكويت لن يمحوها تقادم السّنين والزّمن، فالجريمة جريمةٌ في معيار الشّرع والضّمير ومنطق الحقّ والعدل وإن برَّر المجرمون جرائمهم بآلاف المبرِّرات. في خِضمّ هذا الجدل وجدت الحكومة العراقيّة المؤقّتة الفرصة المناسبة لإشغال العراقيّين بقضيَّة المحاكمة عن الوضع الأمنيّ، القلق والخوف المسيطر على الشّارع العراقيّ بعد نقل السُّلطة، وذلك بعد التّهديدات الكثيرة الّتي وُجِّهتْ إلى هذه الحكومة من أطراف معادية لها بسبب علاقتها بالأمريكان، ولأنّ الاحتلال هو الّذى شكّلها، خاصّةً بعد أن شهدتْ العراق قبل نقل السُّلطة بأيّام موجة تفجيراتٍ واسعةٍ شملت الوسط، والشّمال والجنوب، ويرى المراقبون أنّ هذه المحاكمة قد تُؤتي ثمارها من حيث الانشغال العراقيّ الداخليّ، والخارجيّ ولو مؤقتاً، إلا إنه من الصّعب جداً أن يكون لها دورٌ في تهدئة الوضع الأمنيّ. مع كل هذا فإنّ هذه المحاكمة تعني عند العراقيّين معاني كثيرةً، فغالبيّتهم يعتبرونها نهايةً حتميّةً لدكتاتورٍ، وهناك من يعتبر المحاكمة قضيّةً سياسيَّةً وليست قضائية، لكن في جميع الأحوال تبدو المحاكمة حالةً صحيّة لم يشهدها العراق طوال تاريخه، وقد تكون درساً لكلّ طاغية.