العنوان الظلال
الكاتب عثمان محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1981
مشاهدات 66
نشر في العدد 540
نشر في الصفحة 19
الثلاثاء 25-أغسطس-1981
«إليك يا أماه أرفع هذا
الكتاب..
لطالما تسمعت من وراء «الشيش» في
القرية للقراء يرتلون في دارنا القرآن طوال شهر رمضان، وأنا معك أحاول أن ألغو
كالأطفال، فتردني منك إشارة حازمة، وهمسة حاسمة، فأنصت معك إلى الترتيل، وتشرب
نفسي موسيقاه، وإن لم أفهم بعد معناه»
من هنا بدأت قصة القرآن
مع «سيد» وكلما كبر سيد كبرت معه القصة إلى أن وعد بمكتبة قرآنية متكاملة،
فبدأ بكتابة «التصوير الفني في القرآن» ثم أتبعه «بمشاهد القيامة في
القرآن» وبعد ذلك بدأ بكتابة «الظلال».
لم يكتب سيد الظلال كما يكتب الناس
ولكن كتبه على أرض المعركة من وراء القضبان، ليثبت للناس قوة الفكرة في عالم
لم يعد يؤمن إلا بــ: «الحديد».
واستطاع الرجل بأسلوبه العذب وإدراكه
العميق لما وراء الكلمات والحروف، أن يكشف للناس عن أسرار معانٍ لم يسبق إليها،
وأن يضع المسلم في مناخ قرآني يشم عبيره، ويستروح نسماته، ويعيش- وهو في
القرن العشرين- في ظلال القرآن(۱).
وجاء الظلال على غير ما تأتي به
التفاسير، فلا نجد الظلال يعرض لتفاصيل الأحكام الفقهية واختلافاتها، ولم يتعرض
للتمحك اللغوي وتعدد أسباب النزول وتضارب أقوال الفقهاء حول الحكم الواحد ودليل كل
منهم، ولكن تجده في الظلال يقول: موضوع سورة الأنعام هو العقيدة وموضوع سورة
الأعراف هو العقيدة، ولكن سورة الأنعام تعرضها كحقائق مقررة في حين تعرضها سورة
الأعراف في صورة معركة مع الجاهلية خلال التاريخ.
ويقول أيضًا في «الظلال»: إن
العمل في الجانب الفكري النظري- وحده- عمل سهل ومريح، لأنه مأمون
العاقبة! وخير لهؤلاء الذين يعملون في هذا الميدان- وهم يظنون أنهم يخدمون
الإسلام- أن يشتغلوا بعمل آخر يتكسبون منه كالزراعة والصناعة وغيرها، ثم يقول
وأحسب- والله أعلم- أن العمل في هنا الميدان مضيعة للعمر وللأجر أيضًا.
لذلك استطاع أن يخرج للفكر الإسلامي
عملًا ضخمًا أكبر من أن يقدمه رجل واحد وعقل واحد لو لم يؤيد ذلك العقل بإلهام
رباني وفتح إلهي كشف عن بصيرة الرجل ما لم ير الكثيرون. ويكتب في مجال القرآن
تفسيرًا وتأويلًا وفهمًا بعيدًا كل البعد عن ضيق الأفق وترف الفكر وضلال
الهوى!(۲).
لقد كانت منة الله على سيد كبيرة بأن
وجهه لهذا القرآن يعيش في ظلاله ويغترف من نبعه الثري الذي لا ينضب وبحره الزاخر
بكل عظيم وخير وأصيل: أسلوبًا وقيمًا وحكمًا وتشريعًا يتناول كل شؤون الحياة بصورة
شمولية واعية.
ولقد سلك الأستاذ سيد في تفسيره
للقرآن طريقًا واتبع أسلوبًا لم يسبق إليه قط ولم يبلغ أحد من الناس مداه حتى
يومنا هذا. ولنترك الأستاذ سيد بنفسه يتحدث عن تفسيره:
وبعد فقد يرى فريق من قراء
هذه «الظلال» أنها لون من تفسير القرآن وقد يرى فريق آخر أنها عرض للمبادئ
العامة للإسلام كما جاء بها القرآن. وقد يرى فريق ثالث أنها محاولة لشرح ذلك
الدستور الإلهي في الحياة والمجتمع، وبيان الحكمة من ذلك الدستور.. أما أنا فلم أتعمد
شيئًا من ذلك كله، وما جاوزت أن أسجل خواطري، وأنا أحيا في تلك الظلال.
كل ما حاولته ألا أغرق نفسي في بحوث
لغوية أو كلامية أو فقهية تحجب القرآن عن روحي وتحجب روحي عن القرآن، وما استطردت
إلى غير ما يوحيه النص القرآني ذاته، من خاطرة روحية أو اجتماعية أو إنسانية، وما
أحفل القرآن بهذه الإيحاءات! كذلك حاولت أن أعبر عما خالج نفسي من إحساس بالجمال
الفني العجيب في هذا الكتاب المعجز، ومن شعور بالتناسق في التعبير والتصوير.
وبعد..
وبعد هذا كله يحسن بنا الآن أن نتحدث
عن خصائص ومميزات الظلال حتى يبدو الظلال أكثر وضوحًا، والظلال مميزات كثيرة انفرد
بها عن غيره منها: الأسلوب الأدبي الرفيع الذي انفرد به الأستاذ سيد بين كثير من
المفسرين القدامى والمحدثين، وإنك لتحس فيما يكتب الرجل ويصور إشراقة
وعذوبة وروحًا قلما تبدو في موضوع شرعي ودراسة علمية مما يقدمه أصحاب مثل هذه
الدراسات الجادة الهادفة.
واتبع الأستاذ في تفسيره خطة محددة
واضحة حيث يمهد للسورة التي يفسر، ويدخل بعدها في الموضوع، ثم يعود في النهاية إلى
الختام فيربط بين البداية والنهاية إلى أن يكشف في روعة وإبداع عما بين البدء
والختام من تناسق وانسجام لا يلمحهما أو يدرك سرهما ومغزاهما إلا من فتح الله عليه
وألهمه كثيرًا من إشراقات العارفين وكذلك فهمه الواعي لشمول القرآن لكل شأن من
شؤون الحياة بصورة من الصفاء والإشراق والعمق والوضوح تغني عن الرجوع إلى حشد من
كتب الفكر والدراسات الإسلامية المتخصصة العديدة.
وكذلك عدم الخوض في جدل لغوي يتحول
أحيانًا إلى هدف حرفي لا وسيلة نافعة لفهم القرآن «كل ما حاولته ألا أغرق
نفسي في بحوث لغوية، تحجب القرآن عن روحي وتحجب روحي عن القرآن».
كذلك من مميزاته خلوه من
«الإسرائيليات» والأساطير التي تشكل جزءًا من بعض التفاسير المعتمدة المعروفة،
ومما تفرد به سيد كذلك أنه أثبت بأسلوبه الفذ وعرضه الجيد وشرحه الواضح.. الترابط
المتين الدقيق بين أجزاء «السورة الواحدة»، وقد نفى بالدليل ما كان يزعمه
أدعياء الثقافة الوالغون من أن السورة الواحدة من سور القرآن لا يربط بين أجزائها
رابط ولا ينتظمها إطار متكامل وإنما هي نبذ مبعثرة من هنا وهناك!
وكذلك اطلاع الأستاذ سيد على ما ورد
في كتب الديانات الأخرى وفهمه لها! مما مكنه من الرد على ما ورد فيها من تحريف،
وإبراز الوجه المشرق للإسلام، وكذلك أبرز الأستاذ سيد الانسجام بين الإنسان والكون
والحياة، وربما يكون هو أول من بحث هذا الموضوع «الإنسان والكون
والحياة» بصورة واضحة مفصلة وتعابير محددة معلنة.
أضف إلى ذلك كله الروح الشفيف
والتجربة الصادقة التي كتب الأستاذ سيد التفسير في أفيائها: من عمق يقين، وصدق
إيمان، وصفاء عقيدة، وصبر على البلاء.. فجاء تفسيره تجربة رائعة رائدة.
يتحدث عن الفتنة وهو أحد ضحاياها،
ويكتب عن الصبر على البلاء وهو علم عليه، ويشرح قسوة الطغاة والظالمين والمرضى
المنحرفين ونار أولئك جميعًا تكوي صدره وتحرق جنبيه!(۳).
(1) فقه الدعوة.
(2) سید قطب- ليوسف العظم.
(3) المرجع نفسه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل