العنوان الظلاميون والإسلام والديمقراطية
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
مشاهدات 56
نشر في العدد 1018
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
الظلاميون والإسلام
والديمقراطية
مفهوم
"الظلامية" بين الإسلام واليسار
يصف اليساريون في العالم العربي والإسلامي دعاة الإسلام بالظلاميين، بمعنى
أن من يطالب بتحكيم الإسلام، وتطبيق أحكامه في المجتمع، إنما يدعو إلى الظلامية،
أي أن الإسلام في نظرهم ظلام. كيف يكون الإسلام ظلامًا وهو لم يأت إلا لتبديد
الظلام ونشر النور في أرجاء الأرض: ﴿كِتَابٌ
أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
(سورة إبراهيم: 1)، ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ
لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة الحديد: 9).
ولكن الله - سبحانه وتعالى - قد بيّن لنا أن الطواغيت هي التي تخرج الناس من
النور إلى الظلمات وتوردهم الهلكة، قال تعالى: ﴿لَا
إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن
يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ
الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ
الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ
كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى
الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)﴾
(سورة البقرة: 256-257).
إفلاس اليسار وجرائمه
ولا يخفى على أحد أن اليساريين اليوم بعد أن أفلسوا في أفكارهم، وفشلوا في
كل مجال، وانهزموا في كل ميدان، أخذوا يبحثون لأنفسهم عن دور تحت غطاء الديمقراطية
الغربية، وينادون بالحرية وهم ألد أعدائها. وعندما يصفون غيرهم بالظلامية إنما
ينطبق عليهم المثل: «رمتني بدائها وانسلت». والواقع أنهم لن يستطيعوا أن يفلتوا من
محاسبة شعوبهم بعد أن ثبت بالأدلة الدامغة والحقائق الواقعة والشواهد الماثلة
للعيان أنهم هم الظلاميون حقيقة، فقد خربوا أوطانهم وأرجعوها قرونًا إلى الوراء،
وأصبحت تسمية أنفسهم بالتقدميين من قبيل أسماء الأضداد، فقد أقاموا أنظمة في
أوطانهم تعتمد على السلب والنهب وانتهاك حقوق الإنسان.
قالوا: إنهم سيقيمون مجتمعًا اشتراكيًّا يتساوى فيه الناس، ويمنع الاستغلال،
وتكون فيه وسائل الإنتاج بيد الدولة، التي توفر العمل لكل مواطن، وترعى الطفولة
والتعليم والصحة؛ ليكون الجيل متعلمًا قويًّا صالحًا. فماذا عملوا بأوطانهم
وشعوبهم بعد أن تربعوا على كراسي الحكم؟ يقولون اليوم: إنه قد حصلت أخطاء، وأن
الأخطاء لا بد وأن تحصل في كل مجتمع، وفي كل عهد، ويرددون مقولة:
«إن من لم يخطئ لا يعمل»، وأن لهم من الإنجازات ما يغفر لهم أخطاءهم، وأنهم
قد اكتسبوا خبرة ودروسًا، فلن تتكرر منهم الأخطاء، وأنه يجب أن يُعْطَوْا الفرصة
لإصلاح أخطائهم.
والواقع أن ما عملوه في حق شعوبهم وأوطانهم ليست أخطاء، وإنما هي جرائم لا
تُغتفر. فسفك الدماء، وانتهاك الأعراض، ونهب الأموال، وسرقتها، وتعذيب الأبرياء،
وخطفهم، ودفنهم وهم أحياء، كلها جرائم لا تُغتفر لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا
بالقصاص من مرتكبيها. وقد تردت في ظل حكمهم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية
والتعليمية، وكأنهم التتار عندما زحفوا على البلدان يُقَوِّضُون الحضارات، ويشيعون
الفوضى، وينشرون الجهل والتخلف، ويردون الناس إلى الحياة البدائية، فقد تدنت
الخدمات في كل بلد بعد سيطرتهم على الحكم فيه، فلا يجد المواطن الماء النظيف ولا
العلاج ولا الدواء ولا حتى لقمة العيش إلا بشق الأنفس، ولم تستوعب المدارس
الأطفال؛ حتى امتلأت الشوارع بالشباب العاطلين الأميين، الذين لا يعرفون القراءة
والكتابة، وليس أمامهم إلا أن ينضموا إلى الميليشيات التي تتبع الزعماء المتصارعين
على السلطة. وما يزعمونه من إنجازات، فهي الفقر والجهد والمرض، أليست هذه هي
الظلامية؟.
(للاطلاع على الأثر الاقتصادي للحكم الاشتراكي، انظر دراسة
اقتصادية مقارنة).
شواهد من دول حكمها
اليسار
تعالوا نرى البلدان التي حكمها اليساريون. على سبيل المثال، عدن كانت مدينة
مزدهرة، فأحالها اليساريون إلى قرية صحراوية. أثيوبيا كان إنتاجها الزراعي يكفيها
والفائض يُصدّر إلى الخارج، فأصبح شعبها لا يجد ما يأكله إلا مما تجود به عليه
هيئات الإغاثة الدولية. تشاد أحالها المتصارعون على الحكم إلى مسرح لتجربة
الانقلابات العسكرية، وصراع الدول على النفوذ.
أما الصومال فحدث ولا حرج، بلد فيه ثروة حيوانية وزراعية، وبسبب الصراع بين
اليساريين أصبح الشعب فيه لا يجد الأكل، وكل زعيم منهم يقود قبيلته لمقاتلة
القبيلة الأخرى. كان اليساريون يقولون إنهم ضد القبلية، أصبحوا هم الذين يؤججون
الصراع القبلي.
زياد بري قاد انقلابًا يساريًّا، قال عنه: إنه ثورة اشتراكية، فاستبد وظلم
وتنكر لكل القيم، وأثار المشاحنات والثأرات القبلية؛ حتى تردت الأوضاع في البلاد،
وقام التنافس والصراع على الحكم بين قبائل اليسار؛ حتى صارت الحالة على ما هي عليه
الآن. الأطفال يموتون في الشوارع، واللاجئون في الشوارع بالآلاف في المخيمات في
الدول المجاورة، ومنهم الذين غرقوا في البحر أو ماتوا في السفن.
إنها كارثة الكوارث، لم تعد هناك دولة في الصومال، ولم يعد هناك شعب سوى
الذين يتقاتلون. يا لها من مصيبة حلت بهذا الشعب المسلم؛ بسبب تسلط أولئك الزعماء
الذين ليس منهم رجل رشيد. ودول العالم تتفرج على المأساة. إنه الظلم والظلام الذي
يلف العالم اليوم. ألا يجدر بزعماء العالم أن يجتمعوا؛ ليقرروا معاقبة المسؤولين
عن مآسي شعوبهم؟ وزعماء الصرب الشيوعيون الذين ينتهكون حقوق الإنسان في البوسنة
والهرسك، ألا يستحقون أن يحاكموا كمحاكمة النازيين؟ لو أن المعتدى عليهم هم الصرب،
لرأيت كل الدول الأوروبية تؤيد ذلك، ولتَدخَّلَت عسكريًّا لوقف الحرب.
أليس ما جرى في الكويت ويجري في العراق من ظلامية اليسار والاستبداد البعثي
مما كلف العرب المئات من القتلى ومليارات الدولارات وهم أحوج إليها لتنمية بلادهم؟
الذين جعلوا من لينين وستالين قدوتهم في الحكم هم الذين يمثلون أسوأ أنواع
الحكم في بلدانهم؛ حتى لو لم يعلنوا عن أنفسهم، إنهم الشيوعيون. فقد أُسِّست أحزاب
يسارية في العالم العربي والإسلامي، وإن اختلفت أسماؤها إلا أنها تنتمي كلها إلى
أصل واحد، وهو الأصل الماركسي اللينيني الستاليني، ولينين وستالين هما قدوة كل اليساريين
فيما يقدمون عليه من قتل وإرهاب واضطهاد لشعوبهم.
الإسلاميون والعلمانيون
في ظل الديمقراطية
يقول بعض الناس: إن الشعوب قد سئمت حكم الاستبداد والدكتاتورية بعد أن ذاقت
ما ذاقت، ولم تعد تتقبل أي حكم استبدادي، بل لا مكان لحكم الاستبداد في هذا العصر،
الذي يعتبر عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان. إن الشعوب تتطلع اليوم إلى
الديمقراطية؛ لأنها تعطيها حق الاختيار فيمن يريد أن يحكمها، والشعوب الإسلامية
والعربية من بين هذه الشعوب التي ترنو إلى ما ترنو إليه بقية الشعوب. ولكن الساحة
مليئة بالتيارات المختلفة، وأهمها تياران متنافسان: العلمانيون والإسلاميون، وكل
منهما يلغي الآخر. فالعلمانيون يقولون: لا دخل للدين في السياسة، ولا يمكن أن تؤسس
أحزاب على أساس الدين؛ لأن المجتمع الإسلامي فيه أديان أخرى، والدين علاقة بين
العبد وربه. ويقولون: إن الإسلاميين إذا جاءوا إلى الحكم سيلغون كل الأحزاب
والتيارات الأخرى، وسيأتي حكم شمولي استبدادي باسم الإسلام، ولن تكون هناك معارضة
في ظل الحكم الإسلامي. والذي يتبين من خطاب بعض الإسلاميين أن حكمهم سيكون حكمًا
قاسيًّا شديدًا على المخالفين، لن يعرف الرأفة والرحمة، وسينصبون خليفة قد يتحول
إلى ديكتاتور، وأعوانه ممن يسمون أهل الحل والعقد، ستكون عصابة لا رقيب عليها، قد
يكونون مشايخ على رؤوسهم عمائم ولكنها رؤوس فارغة من العقل والفكر، جاهلة بشؤون
الحياة، لا يتعدى فهمهم ما كتبه الفقهاء في متونهم وشروحهم وحواشيهم منذ قرون. قد
يأتي الحظ بخليفة صالح عادل، ويعاونه جماعة من أهل الخير والصلاح والعدل، لكن ما
الضمان أنهم لن ينحرفوا، فهم بشر؟ فقد تُبْطِرهم السلطة ويتحولون إلى ظلمة
مستبدين؟ كيف يكون التخلص منهم إذا انحرفوا عن الطريق، وأساءوا في الحكم، وخالفوا
ما أمر الله به من العدل والإحسان؟ هل يلجأ الناس إلى قتالهم ومحاربتهم؛ للتخلص
منهم، فتكون بذلك فتنة يتقاتل فيها المسلمون، وتسفك الدماء، وتدمر البلاد، أو يقال
للناس: اصبروا على الجور، واسمعوا وأطيعوا حتى لو نُهبت أموالكم وقُتل أبناؤكم،
وانتُهكت أعراضكم؟ وكيف تكون مقاومة الكفر البواح من الحاكم؟ فهل يقبل أحد أن يصير
الحال كحال الصومال؛ حيث أرادوا أن يسقطوا الحاكم، فسقط الشعب كله في الفتنة،
ودُمرت البلاد، وهلك الحرث والنسل؟.
(الديمقراطية في فكر الإسلاميين)
الرد على اعتراضات
العلمانيين
للرد على ذلك نقول للعلمانيين:
أولًا: إن الديمقراطية التي تنادون بها لا تمنحكم الحق في أن تفرضوا رأيكم
على الناس قاطبة، وليس لكم حق أن تمنعوا إقامة أحزاب على أساس الدين. ففي بلاد
عريقة في الديمقراطية كألمانيا وإيطاليا أحزاب دينية أو مؤسسة على أساس الدين. فمن
أعطاكم الحق في منع إقامة الأحزاب على أساس الدين؟ فإذا قلتم: إن مصلحة البلد
تقتضي ذلك، فهل تقدير المصلحة حكر عليكم ولا أحد يقدر مصلحة البلد إلا أنتم؟
وإذا كانت الديمقراطية تقتضي الرجوع إلى رأي أغلبية الشعب، فلماذا لا ترجعون
إلى رأي الأغلبية؟ وإذا أرادت الأغلبية أن تحكم بالإسلام، فلماذا تعارضون ذلك؟
أليست هذه دكتاتورية منكم؟ كل مسلم يريد أن يحكم الإسلام في حياته، والذي يرفض ذلك
ليس مسلمًا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي
أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (سورة النساء:
65).
والذي يرفض حكم الإسلام ويقول: إنه مسلم، إنما يغالط نفسه. والنصوص الشرعية
لا تُفسَّر حسب المزاج، وليس لأحد الحق أن يقول الإسلام مثل المسيحية في مقولة:
«وأعط ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، أو الدين لله والوطن للجميع، أو أنه علاقة بين
العبد وربه، ولا اختصاص له بشؤون الدنيا، أو لا دين في السياسة ولا سياسة في
الدين». فالإسلام دين ودولة شئتم أم أبيتم. يجب أن تقام تشريعات الإسلام كلها في
المجتمع المسلم، فيجب أن يُحَرَّم الزنا والربا والخمر والميسر، وأن تُقام حدود
الله، وتطبق العدالة على الصغير والكبير، وأن يتولى أمر الأمة أهل النزاهة
والكفاءة.
أما شكل الحكم فلن يكون عليه خلاف بين الإسلاميين والعلمانيين؛ لأن الإسلام
ترك الأمر فيه للناس، وليسوا ملزمين بنظام معين. فالنظام الإسلامي هو الذي يحقق
المصلحة، ويكفل للناس العدل، ويمنع الظلم والاستبداد، ويُبنَى على الشورى، وتُقام
في ظله أحكام الشرع، وليس في الإسلام ما يمنع من الأخذ بالنظام الديمقراطي الغربي
في مسألة اختيار ممثلي الشعب؛ لأنه ليس هناك نصوص شرعية تُلزِم الأخذ بطريقة معينة
في اختيار أهل الحل والعقد، ومن يقول غير ذلك فهو يتعالى على الله، ويحكم رأيه.
وما جرى في التاريخ الإسلامي ليس ملزمًا للمسلمين في كل زمان ومكان.
بل الأمر كما قال الإمام ابن القيم؛ حيث تكون المصلحة، فثم شرع الله.
والتاريخ الإسلامي قد كان فيه الحكام المتغلبون والمستبدون، كما كان فيه الصالحون
العاملون. وقد آن للمسلمين في هذا العصر ألا يفتحوا على أنفسهم ثغرات يدخل فيها
الاستبداد والظلم في مجتمعاتهم. أما الذين يعارضون الديمقراطية ولا يقدمون بديلًا
لحماية الشعوب من الاستبداد وانحراف الحكام، فالأجدر ألا نستمع إلى أمثال هؤلاء؛
لأنهم لا وعي عندهم بمصالح المسلمين، ولا علم لهم بمقاصد الشريعة، ومثل هؤلاء
سيستغلهم أعداء الإسلام، ويتخذون من سلوكهم وأقوالهم حجة لنشر أفكارهم العلمانية،
وإقناع الآخرين بها، مع أنهم يعلمون علم اليقين أن هؤلاء لا يمثلون دعوة الإسلام
الحقيقية، وأن كل ما عندهم هو إثارة الخلافات الجانبية، وتناول المسائل بعصبية،
ومن غير علم. والكل يعرف أن عماد دعوة الإسلام قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة
النحل: 125).
فالجدال بالتي هي أحسن هو الحوار الهادئ البعيد عن التعصب والتشنج. ولا يمنع
الإسلام أن تقوم في ظل الحكم الإسلامي منظمات وأحزاب سياسية واجتماعية تكون مهمتها
الرقابة والنصح وخدمة مصالح الأمة في حدود مبادئ الإسلام وأحكامه؛ لأن ذلك من قبيل
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن
مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ…﴾ (آل عمران: 104). والإسلام لا يمنع تنظيم
الحياة السياسية والاجتماعية، بل مفهوم الآية يقتضي لزوم ذلك، وكل ما رآه
المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، والأصل في الأشياء الإباحة، ولا يُحَرَّم
شيء إلا بنص، والنصوص متناهية، ومصالح الناس وحاجاتهم غير متناهية، ومن هنا كان من
مصادر التشريع الإجماع، وهي أعمال البشر، ومن أجل ذلك كان الاجتهاد في الفقه،
وبناء على ذلك اختلفت وجهات نظر الفقهاء، بل وحتى الصحابة اختلفت وجهات نظرهم في
كثير من المسائل، والكل يعذر بعضهم بعضًا، ويحترم كل واحد منهم رأي الآخر.
تحذير من
"ظلامية" الغلو والتطرف
وما نراه اليوم من التهجم على العلماء؛ بسبب آرائهم الفقهية، التي تحتمل
الاجتهاد، إنما يصدر ذلك من أدعياء العلم يريدون أن يلفتوا نظر الناس، ويريدون أن
تكون لهم زعامة، ويستميلوا إليهم بعض الشباب المتحمس، الذين يروق لهم الهجوم، ويُعْنَوْن
بالمشاكسات والمشاحنات أكثر من عنايتهم بالعلم. وطبيعة الشباب عدم التعقل والميل
إلى الآراء الشاذة، ولا يفكرون في العواقب، وفي مواقف الخوارج في التاريخ الإسلامي
أكبر شاهد على ذلك، فيصبحون هم وأعداء الإسلام في خندق واحد من غير أن يشعروا
بذلك، فهم يستحقون أن يُطلَق عليهم وصف الظلاميين مثلهم مثل اليساريين الذين خربوا
البلاد وأهلكوا العباد. فالخوارج أباحوا الخروج على الأئمة وسفكوا دماء المسلمين.
أما أهل السنة والجماعة فالصحيح عندهم عدم جواز الخروج بأي حال من الأحوال
إلا في حالة الكفر، فقد جاء في كتاب فتح الباري شرح صحيح البخاري ما يلي: «الذي
عليه العلماء في أمراء الجور أنه إذا قُدِرَ على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا
فالواجب الصبر، وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد
أن كان عادلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب
الخروج عليه» (فتح الباري، جـ 13، ص: 8).
وهنا يحق لنا أن نتساءل ونقول في هذا العصر؛ حتى يتجنب المسلمون الفتنة
والوقوع في المحذور: ألا يجوز لأهل كل بلد أن يتفق زُعماؤهم على نظام يحقق مصلحة
الأمة، ويناسب بيئتهم، ويضمن تبادل السلطة بين أهل الكفاءة سلميًّا وبدون عنف؟ ولِتَكُن
الديمقراطية بضوابطها الشرعية، فلا تكون حرية مطلقة، بل يأخذون محاسنها ويتحاشون
مساوئها، وفي نفس الوقت يسدون الباب أمام الانحراف والاستبداد.
إن الديمقراطية ضمان من ولاية السفهاء الصبيان، الذين قال عنهم الرسول -صلى
الله عليه وسلم-: «إن أطعتموهم هلكتم في دينكم، وإن عصيتموهم أهلكوكم في دنياكم
بإزهاق النفس وإذهاب المال» (فتح الباري).
الرد على الانقلابات
العسكرية
وقد رأى سكان العالم الثالث أمثال هؤلاء اليوم كيف أن القوى الخارجية تفرض
عليهم حكامًا من هذا النوع، أو تستغل حفنة من الضباط مواقعها في الجيش، فتنطلق من
ثكناتها؛ لتذيع البيان رقم (1) بحجة أنها الطليعة الثورية، وقد رأت أن تستولي على
الحكم؛ لتقضي على الفساد، وتحقق الرخاء والعدالة للشعب، فإذا هو حكم ديكتاتوري
غاشم يحمل كل أنواع الفساد، ويخنق أنفاس الشعب، ولا يُزحزح إلا بانقلاب مماثل،
وهكذا دواليك، فتعيش الأمة في دوامة الانقلابات والثورات. وليس بعيدًا أن تأتي
عصابة مثل عصابة ألمانيا، بينما نجد الدول الديمقراطية في الغرب عندها أكبر الجيوش
وأعظم الأسلحة البرية والجوية والبحرية، فلا تتحرك جيوشها لتستولي على الحكم.
ألا يدعونا ذلك إلى التفكير في الأخذ بالأسباب، التي أخذوا بها حتى نُجَنِّب
أوطاننا وشعوبنا المصائب والمآسي التي تخيم علينا في كل وقت وحين؟